عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-12-2024, 05:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,766
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوكيل الكفيل جل جلاله

وَالوَكَالَةُ يُرَادُ بِهَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّوْكِيلُ، وَهَوَ الاسْتِنَابَةُ وَالتَّفْوِيضُ.

وَالثَّانِي: التَّوَكُّلُ، وَهَوَ التَّعَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ المُوَكِّلِ، وَهَذَا مِنَ الجَانِبَيْنِ، فإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوَكِّلُ العَبْدَ وَيُقِيمُهُ فِي حِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَالعَبدَ يُوَكِّلُ الرَّبَّ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.

فَأَمَّا وَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 89].

قَالَ قَتَادَةُ: «وَكَّلْنَا بِهَا الأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ»، يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.

وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ: «مَعْنَاهُ إِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ الأَرْضِ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ السَّمَاءِ وَهُمُ المَلَائِكَةُ».

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «هُمُ الأَنْصَارُ أَهْلُ المَدِينَةِ».

وَالصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ مَنْ قَامَ بِهَا إِيمَانًا وَدَعْوَةً وَجِهَادًا وَنُصْرَةً، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ اللهُ بِهَا.

فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقُالَ: إِنَّ أَحَدًا وَكِيلُ الله؟
قُلْتُ: لَا؛ فَإِنَّ الوَكِيلَ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَاللهُ ﻷ لَا نَائِبَ لَهُ، وَلَا يَخْلُفُهُ أَحَدٌ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَخْلُفُ عَبْدَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ» [35].

عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَأَمُورٌ بِحِفْظِ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَرِعَايَتِهِ وَالقِيَامِ بِهِ.

وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَهُوَ تَفْوِيضُهُ إِلَيْهِ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَإِثْبَاتِهِ لأَهْلِهِ وَوَلِيِّهِ. وَلِهَذَا قِيلَ فِي التَّوَكُّلِ: أَنَّهُ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَقِيَامُهَا بِالعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الرَّبِّ وَكِيلَ عَبْدِهِ: أَيْ كَافِيهِ وَالقَائِمُ بِأُمُورِهِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَوَكَالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أَمْرٌ وَتَعَبُّدٌ وَإِحْسَانٌ لَهُ، وَخَلْعَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ، وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ كَمُوَالَاتِهِ. وَأَمَّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ: فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَقِيَامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ.

وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ مِنْ أَصْعَبِ مَنَازِلِ العَامَّةِ عَلَيْهِمْ»؛ لِأَنَّ العَامَّةَ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَمَأْلُوفَاتِهِمْ، وَلَمْ يُشَاهِدُوا الحَقِيقَةَ الَّتِي شَهِدَهَا الخَاصَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ التَّوْكِيلَ فَهُمْ فِي رِقِّ الأَسْبَابِ؛ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ عَنْهَا، وَخُلُوُّ القَلْبِ مِنْهَا، والاشْتِغَالُ بِمُلَاحَظَةِ المُسَبِّبِ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ «أَوْهَى السُّبُلِ عِنْدَ الخَاصَّةِ» فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَجَلِّ السُّبُلِ عِنْدَهُمْ وَأَفْضَلِهَا، وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ البَابِ أَمْرُ الله رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وَحَضُّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَالمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم المُتَوَكِّلُ وَتَوَكُّلُهُ أَعْظَمُ تَوَكُّلٍ، وَقَدْ قَالَ اللهُ لَهُ: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ [النمل: 79]، وَفِي ذِكْرِ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ مَعَ إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الحَقِّ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ بِمَجْمُوعِهِ فِي هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ العَبْدُ عَلَى الحَقِّ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ، وَاعْتِقَادِهِ وَنِيَّتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَكِّلًا عَلَى الله وَاثِقًا بِهِ. فَالدِّينُ كُلُّهُ فِي هَذَيْنِ المَقَامَيْنِ، وَقَالَ رُسُلُ الله وَأَنْبِيَاؤُهُ: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]، فَالعَبْدُ آفَتُهُ: إِمَّا مِنْ عَدَمِ الهِدَايَةِ، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا جَمَعَ التَّوَكُّلَ إِلَى الهِدَايَةِ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ كُلَّهُ.

نَعَمْ، التَّوَكُّلُ عَلَى الله فِي مَعْلُومِ الرِّزْقِ المَضْمُونِ، والاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ التَّوَكُّلِ فِي نُصْرَةِ الحَقِّ وَالدِّينِ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ، أَمَّا التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِيهِ وَفِي الخَلْقِ فَهَذَا تَوَكُّلُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى مَنَازِلِ الخَاصَّةِ؟

قَوْلُهُ: «لأَنَّ الحَقَّ قَدْ وَكَّلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَيْأَسَ العَالَمَ مِنْ مُلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا».

جَوَابُهُ: أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ أَسْنَدَ إِلَى عِبَادِهِ كَسْبًا وَفِعْلًا وَإِقْدَارًا، وَاخْتِيَارًا، وَأَمْرًا وَنَهْيًا، اسْتَعْبَدَهُمْ بِهِ، وَامْتَحَنَ بِهِ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَمَنْ يُؤْثِرُهُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ فِيمَا أَسْنَدَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَعَبَّدَهُمْ بِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَكَمَا يُحِبُّ التَّوَابِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كِفَايَتَهُ لَهُمْ مَقْرُونَةٌ بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ البِرِّ، وَمَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ جَزَاءً مَعْلُومًا.

وَجَعَلَ نَفْسَهُ جَزَاءَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ وَكِفَايَتُهِ؛ فَقَالَ: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوَكُّلِ: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].

فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الجَزَاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ أَقْوَى السُّبُلِ عِنْدَهُ وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَوْنُهُ وَكَلَ الأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ بِمُنَافٍ لَتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّهَا مَوْكُولَةً إِلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ العَبْدَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صَارَتْ حَالُهُ التَّوَكُّلَ قَطْعًا عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مَوْكَولَةٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّ العَبدَ لَا يَمْلُكُ شَيْئًا مِنْهَا، فَهُوَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِهِ إِلَيْهِ، وَثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ فَقْرِهِ، وَعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الأَمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِنْ هَذَينِ العِلْمَيْنِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ؛ فَكَيْفَ يُوَكَّلُ المَالِكُ عَلَى مِلْكِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْتَنِيبُهُ فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ دُونَ هَذَا المُوَكَّلِ؟ فَالخَاصَّةُ لمَّا تَحَقَّقُوا هَذَا نَزَلُوا عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ وَسَلَّمُوهُ إِلَى العَامَّةِ، وَبَقِيَ الخِطَابُ بَالتَّوَكُّلِ لَهُمْ دُونَ الخَاصَّةِ.

قِيلَ: لَمَّا كَانَ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ ﻷ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، كَانَ تَوَكُّلُهُ عَلَى الله تَسْلِيمُ الأَمْرِ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَعَزْلُ نَفْسِهِ عَنْ مُنَازَعَاتِ مَالِكِهِ وَاعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَخُرُوجُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ، إِلَى تَصَرُّفِهِ بِرَبِّهِ، وَكَوْنِهِ بِهِ سُبْحَانَهُ دَونَ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَقْصُودُ التَّوَكُّلِ.

وَأَمَّا عَزْلُ العَبْدِ نَفْسَهُ عَنْ مَقَامِ التَّوَكُّلِ فَهُوَ عَزْلٌ لَهَا عَنْ حَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ.

وَأَمَّا تَوَجُّهُ الخِطَابِ بِهِ إِلَى العَامَّةِ: فَسُبْحَانَ الله! هَلْ خَاطَبَ اللهُ بِالتَّوكُّلِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا خَوَاصَّ خَلْقِهِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ؟ وَشَرَطَ فِي إِيمَانِهِم أَنْ يَكُونُوا مُتَوَكِّلِينَ، وَالمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِيمَانِ عِنْدَ انْتِفَاءِ التَّوَكُّلِ، فَمَنْ لَا تَوَكُّلَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23].

وقال تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ المُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ بِأَنَّ التَّوَكُّلَ مَلْجَؤُهُمْ وَمَعَاذُهُمْ، وَأَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِع مِنْ كِتَابِهِ.

وَقَالَ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 84، 85]، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَوْهَى السُّبُلِ، وَهَذَا شَأْنُهُ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

التَّوَكُّلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:
قَالَ: «وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، كُلُّهَا تَسِيرُ مَسِيرَ العَامَّةِ.

الدَّرَجَةُ الأُولَى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ وَمُعَاطَاةِ السَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةً، وَنَفْعِ الخَلْقِ، وَتَرْكِ الدَّعْوَى».

يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَتَوَكَّلُ عَلَى الله وَلَا يَتْرُكُ الأَسَبَابَ، بَلْ يَتَعَاطَاهَا عَلَى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَفْرُغَ فَتَشْتَغِلَ بِالهَوَى وَالحُظُوظِ، فَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهَا شَغَلَتْهُ بِمَا يَضُرُّهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الفَرَاغُ مَعَ حِدَّةِ الشَّبَابِ، وَمِلْكِ الجِدَةِ، وَمَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الهَوَى، وَتَوَالِي الغَفَلَاتِ، كَمَا قِيلَ:

إنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَة
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَة




وَيَكُونُ أيْضًا قِيَامُهُ بِالسَّبَبِ عَلَى نِيَّةِ نَفْعِ النَّفْسِ، وَنَفْعِ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَيَحْصُلُ لَهُ نَفْعُ نَفْسِهِ وَنَفْعُ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا تَضَمُّنُ ذَلِكَ لِتَرْكِ الدَّعْوَى؛ فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالسَّبَبِ تَخَلَّصَ مِنْ إِشَارَةِ الخَلْقِ إِلَيْهِ، المُوجِبَةِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، المُوجِبِ لِدَعْوَاهُ، فَالسَّبَبُ سَتْرٌ لِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَحِجَابٌ مُسْبَلٌ عَلَيْهِ.

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَشهَدَ بِهِ فَقْرُهُ وَذُلُّهُ، وَامْتِهَانُهُ امْتِهَانَ العَبِيدِ وَالفَعَلَةِ، فَيَتَخَلَّصَ مِنْ رُعُونَةِ دَعْوَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ إِذَا امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِمُعْاطَاةِ الأَسْبَابِ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الأمْرَاضِ.

فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتِ الأَسْبَابُ مَأَمُورًا بِهَا فَفِيهَا فَائِدَةٌ أَجَلُّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ المَقْصُوَدَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وَهَذِهِ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الوَسَائِلِ، وَهِيَ القِيَامُ بِالعُبُودِيَّةِ وَالأَمْرِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ العَبْدُ، وَأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ الكُتُبُ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَلَهُ وُجِدَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ.

فَالقِيَامُ بِالأَسْبَابِ المَأْمُورِ بِهَا مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وَحَقُّ الله عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي تَوَجَّهَتْ بِهِ نَحْوَهُ المَطَالِبُ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوابُ وَالعِقَابُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: «الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ، وَغَضِّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ، اجْتِهَادًا لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ، وَتَفَرُّغًا إِلَى حِفْظِ الوَاجِبَاتِ».

قُوْلُهُ: «مَعَ إِسْقَاطِ الطَّلَبِ»؛ أَي مِنَ الخَلْقِ لَا مِنَ الحَقِّ، فَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ لِلْمُرِيدِ؛ فَإِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الخَلْقِ فِي الأَصْلِ مَحْظُوُرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُبَاحَ لِلضَّرُورَةِ، كَإِبَاحَةِ المَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَالسُّؤَالُ.

َوسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي السُّؤَالِ: «هُوَ ظُلمٌ فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ الخَلْقِ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّ النَّفْسِ».

أَمَّا فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ لِغَيْرِ الله، وَإِرَاقَةِ مَاءِ الوَجْهِ لِغَيْرِ خَالِقِهِ، وَالتَعَوُّضِ عَنْ سُؤَالِهِ بِسُؤَالِ المَخْلُوقِينَ، وَالتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ إِذَا سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ.

وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّاسِ فَبِمُنَازَعَتِهِمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِالسُّؤَالِ، وَاسْتِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ، وَأَبْغَضُ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَحَبُّ مَا إِلَيْهِمْ مَنْ لَا يَسْأَلُهُمْ؛ فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ مَحْبُوبَاتُهُمْ، وَمَنْ سَأَلَكَ مَحْبُوبَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَمَقْتِكَ وَبُغْضِكَ.

وَأَمَّا ظُلْمُ السَّائِلِ نَفْسَهُ: فَحَيْثُ امْتَهَنَهَا، وَأَقَامَهَا فِي مَقَامِ ذُلِّ السُّؤَالِ، وَرَضِيَ لَهَا بِذُلِّ الطَّلَبِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ لَعَلَّ السَّائِلَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَى قَدْرًا، وَتَرَكَ سُؤَالَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فَقَدْ أَقَامَ السَّائِلُ نَفْسَهُ مَقَامَ الذُّلِّ، وَأَهَانَهَا بِذَلِكَ، وَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ شَحَّاذًا مِنْ شَحَّاذٍ مَثْلِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَشَحذهُ فَهُوَ أَيْضًا شَحَّاذٌ مِثْلُكَ، وَاللهُ وَحْدَهُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ.

فَسُؤَالُ المَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ سُؤَالُ الفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى كُلَّمَا سَأَلْتَهُ كَرُمْتَ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَأَحَبَّكَ، وَالمَخْلُوقُ كُلَّمَا سَأَلْتَهُ هُنْتَ عَلَيْهِ وَأَبْغَضَكَ وَمَقَتَكَ وَقَلَاكَ، كَمَا قِيلَ:
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ




وَقَبيحٌ بِالعَبْدِ المُرِيدِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِسُؤَالِ العَبِيدِ، وَهُوَ يَجِدُ عِنْدَ مَوْلَاهُ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عَنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» وَكُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ [36].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحمٍ»[37].

وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَر، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ: «وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ» [38].

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنِّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» [39].

وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ كد يكد بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي الأمْرِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ»[40]، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِالله فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» [41].

وَفِي السُّنَنِ وَالمُسْنَدِ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَلَّا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، أَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ»، فَقُلْتُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا [42].

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَبِيصَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، ورجلٌ أصابته حاجةٌ أو فاقةٌ حتى يتكلمَ ثلاثةٌ من ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لقدْ حلَّت لَهُ المسألَةُ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأَكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» [43].

فَالتَّوَكُّلُ مَعَ إِسْقَاطِ هَذَا الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ هُوَ مَحْضُ العُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَغَضُّ العَيْنِ عَنِ التَّسَبُّبِ، اجْتِهَادًا فِي تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ».

مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، لتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ بِامْتِحَانِ النَّفْسِ؛ لأَنَّ المُتَعَاطِيَ لِلسَّبَبِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَصَّلَ التَّوَكُّلَ، وَلَمْ يُحَصِّلْهُ لِثِقَتِهِ بِمَعْلُومِهِ، فإِذَا أَعْرَضَ عَنِ السَّبَبِ صَحَّ لَهُ التَّوَكُّلُ.

وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ: مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ العُبَّادِ وَالسَّالِكينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ البَادِيَةَ بِلَا زَادٍ، وَيَرَى حَمْلَ الزَّادِ قَدْحًا فِي التَّوَكُّلِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مَشْهُورَةٌ، وَهَؤُلَاءِ فِي خِفَارَةِ صِدْقِهِمْ وَإِلَّا فَدَرَجَتُهُمْ نَاقِصَةٌ عَنِ العَارِفِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَلْبَتَّةَ تَرْكُ الأَسْبَابِ جُمْلَةً.

فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ الخَوَّاصُ كَانَ مُجَرَّدًا فِي التَّوَكُّلِ يُدَقِّقُ فِيهِ، وَيَدْخُلُ البَادِيَةَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانَ لَا تُفَارِقُهُ الإِبْرَةُ وَالخَيْطُ وَالرِّكْوَةُ وَالمِقْرَاضُ، فَقِيلِ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذَا، وَأَنْتَ تَمْنَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: «مِثْلُ هَذَا لَا يُنْقِصُ مِنَ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ للهِ عَلَيْنَا فَرَائِضَ، وَالفَقِيرُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَرُبَّمَا تَخَرَّقَ ثَوبُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِبْرَةٌ وَخُيُوطٌ تَبْدُو عَوْرَتُهُ، فَتَفَسَدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رِكْوَةٌ فَسَدَتْ عَلَيْهِ طَهَارَتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الفَقِيرَ بِلَا رِكْوَةٍ وَلَا إِبْرَةٍ وَلَا خُيُوطٍ فَاتَّهِمْهُ فِي صَلَاتِهِ».

أَفَلَا تَرَاهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ دِينُهُ إِلَّا بِالأَسْبَابِ؟ أَوَ لَيْسَتْ حَرَكَةُ أَقْدَامِهِ وَنَقْلِهَا فِي الطَّرِيقِ وَالاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْلَامِهَا - إِذَا خَفِيَتْ عَلِيْهِ - مِنَ الأَسْبَابِ؟

فَالتَّجَرُّدُ مِنَ الأَسْبَابِ جُمْلَةً مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَحِسًّا.

نَعَمْ قَدْ تَعْرِضُ لِلصَّادِقِ أَحْيَانًا قُوَّةُ ثِقَةٍ بِالله، وَحَالٌ مَعَ الله تَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ كُلِّ سَبَبٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ، كَمَا تَحْمِلُهُ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي مَوَاضِعِ الهَلَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالله لَا بِهِ، فَيَأْتِيهِ مَدَدٌ مِنَ الله عَلَى مُقْتَضَى حَالِهِ، وَلَكِنْ لَا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحَالُ، وَلَيْسَتْ فِي مُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ هَجْمَةً هَجَمَتْ عَلَيْهِ بِلَا اسْتِدْعَاءٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا اسْتَدْعَى مِثْلَهَا وَتَكَلَّفَهَا لَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ.

وَفِي تِلْكَ الحَالِ إِذَا تَرَكَ السَّبَبَ يَكُونُ مَعْذُورًا لِقُوَّةِ الوَارِدِ، وَعَجْزِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالسَّبَبِ، فَيَكُونُ فِي وَارِدِهِ عَوْنٌ لَهُ، وَيَكُونُ حَامِلًا لَهُ، فَإِذَا تَعَاطَى تِلْكَ الحَالَ بِدُونِ ذَلِكَ الوَارِدِ وَقَعَ فِي المُحَالِ.

وَكُلُّ تِلْكَ الحِكَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُحْكَى عَنِ القَومِ فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ حَصَلَتْ لَهُمْ أَحْيَانًا، لَيْسَتْ طَرِيقًا مَأْمُورًا بِسُلُوكِهَا، وَلَا مَقْدُورَةً، وَصَارتْ فِتْنَةً لِطَائِفَتَينِ:
طَائِفَةٍ ظَنَّتْهَا طَرِيقًا وَمَقَامًا، فَعَمِلُوا عَلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنِ انْقَطَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا، بَلِ انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ.

وَطَائِفَةٍ قَدَحُوا فِي أَرْبَابِهَا، وَجَعَلُوهُم مُخَالِفِينَ لِلشَّرْعِ وَالعَقْلِ، مُدَّعِينَ لِأَنْفُسِهِم حَالًا أَكْمَلَ مِنْ حَالِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ قَطُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الأَسْبَابِ، وَقَدْ ظَاهَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ دِرْعَينِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَحْضُرُ الصَّفَّ قَطُّ عُرْيَانًا، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا مَعْرِفَةً، وَاسْتَأْجَرَ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، وَقَدْ هَدَى اللهُ بِهِ العَالَمِينَ وَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ فِي جِهَادٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ حَمَلَ الزَّادَ وَالمَزَادَ.

وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ أَولَو التَّوَكُّلِ حَقًّا، وَأَكْمَلُ المُتَوَكِّلِينَ بَعْدَهُمْ هُوَ مَنِ اشْتَمَّ رَائِحَةَ تَوَكُّلِهِمْ مِنْ مَسِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ لَحِقَ أَثَرًا مِنْ غُبَارِهِمْ، فَحَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَالُ أَصْحَابِهِ مَحَكُّ الأَحْوَالِ وَمِيزَانِهَا، بِهَا يُعْلَمُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا؛ فَإِنَّ هِمَمَهُمْ كَانَتْ فِي التَّوَكُّلِ أَعْلَى مِنْ هِمَمِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ تَوَكُّلَهُمْ كَانَ فِي فَتْحِ بَصَائِرِ القُلُوبِ، وَأَنْ يُعُبَدَ اللهُ فِي جَمِيعِ البِلَادِ، وَأَنْ يُوَحِّدَ جَمِيعُ العِبَادِ، وَأَنْ تُشْرِقَ شُمُوسُ الدِّينِ الحَقِّ عَلَى قَلُوبِ العِبَادِ، فَمَلَؤُوا بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ القُلُوبَ هُدَىً وَإِيمَانًا، وَفَتَحُوا بِلَادَ الكُفْرِ وَجَعَلُوهَا دَارَ إِيمَانٍ، وَهَبَّتْ رِيَاحُ رَوْحِ نَسَمَاتِ التَّوَكُّلِ عَلَى قُلُوبِ أَتْبَاعِهِمْ فَمَلَأَتْهَا يَقِينًا وَإِيمَانًا، فَكَانَتْ هِمَمُ الصَّحَابَةِ ي أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ أَنْ يَصْرِفَ أَحَدُهُمْ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى الله فِي شَيْءٍ يَحْصُلُ بِأَدْنَى حِيلَةٍ وَسَعْيٍ فَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ قُوَى تَوَكُّلِهِ.

قَوْلُهُ: «وَقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ»، يُرِيدُ أَنَّ المُتَسَبِّبَ قَدْ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بِالوِلَايَاتِ الشَّرِيفَةِ فِي العِبَادَةِ، أَوِ التِّجَارَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالأَسْبَابِ الَّتِي لَهُ بِهَا جَاهٌ وَشَرَفٌ فِي النَّاسِ، فَإِذَا تَرَكَهَا يَكُونُ تَرْكُهَا قَمْعًا لِشَرَفِ نَفْسِهِ، وَإِيثَارًا لِلتَّوَاضُعِ.

وَقَوْلُهُ: «وَتَفُّرُّغًا لِحفْظِ الوَاجِباتِ» أَيْ: يَتَفَرَّغُ بِتَرْكِهَا لِحِفْظِ وَاجِبَاتِهِ التِي تُزَاحِمُهَا تِلْكَ الأَسْبَابُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]