عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 13-12-2024, 05:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,772
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء التاسع
تَفْسِيرِ سُّورَةِ النِّسَاءُ
الحلقة (515)
صــ 306 إلى صــ 320





[ ص: 306 ]

وذكر قائلو هذا القول ، أنه في قراءة أبي : ( فالله أولى بهم ) .

وقال آخرون : "أو" بمعنى"الواو" في هذا الموضع .



وقال آخرون : جاز تثنية قوله : "بهما" ، لأنهما قد ذكرا ، كما قيل .

( وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ) [ سورة النساء : 12 ] .

وقيل : جاز ، لأنه أضمر فيه"من" ، كأنه قيل : إن يكن من خاصم غنيا أو فقيرا بمعنى : غنيين أو فقيرين" فالله أولى بهما " .

وتأويل قوله : " فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا " أي : عن الحق ، فتجوزوا بترك إقامة الشهادة بالحق . ولو وجه إلى أن معناه : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هربا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط ، لكان وجها .

وقد قيل : معنى ذلك : فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا كما يقال : "لا تتبع هواك لترضي ربك" ، بمعنى : أنهاك عنه ، كما ترضي ربك بتركه .
القول في تأويل قوله ( وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ( 135 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : عنى : "وإن تلووا" أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين [ ص: 307 ] على الآخر" أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا " .

ووجهوا معنى الآية إلى أنها نزلت في الحكام ، على نحو القول الذي ذكرنا عن السدي من قوله : إن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا قبل .

ذكر من قال ذلك :

10683 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قول الله : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، قال : هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي ، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر .

وقال آخرون : معنى ذلك : وإن تلووا ، أيها الشهداء ، في شهاداتكم فتحرفوها ولا تقيموها أو تعرضوا عنها فتتركوها .

ذكر من قال ذلك :

10684 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، يقول : إن تلووا بألسنتكم بالشهادة ، أو تعرضوا عنها .

10685 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " إلى قوله : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، يقول : تلوي [ ص: 308 ] لسانك بغير الحق ، وهي اللجلجة ، فلا تقيم الشهادة على وجهها . و"الإعراض" ، الترك .

10686 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وإن تلووا " ، أي تبدلوا الشهادة" أو تعرضوا " ، قال : تكتموها .

10687 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإن تلووا ، قال : بتبديل الشهادة ، و"الإعراض" كتمانها .

10688 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، قال : إن تحرفوا أو تتركوا .

10689 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وإن تلووا أو تعرضوا ، قال : تلجلجوا ، أو تكتموا . وهذا في الشهادة .

10690 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، أما "تلووا" ، فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها وأما "تعرضوا" فتعرض عنها فتكتمها ، وتقول : ليس عندي شهادة!

10691 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " وإن تلووا " ، فتكتموا الشهادة ، يلوي ببعض منها أو يعرض عنها فيكتمها ، فيأبى أن يشهد عليه ، يقول : أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه! فيقول : لا أقيم الشهادة عليه . ويقول : هذا غني أبقيه وأرجو ما قبله ، فلا أشهد عليه! فذلك قوله : " إن يكن غنيا أو فقيرا " . [ ص: 309 ]

10692 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإن تلووا ، تحرفوا" أو تعرضوا " ، تتركوا .

10693 - حدثنا محمد بن عمارة قال : حدثنا حسن بن عطية قال : حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية في قوله : " وإن تلووا " ، قال : إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها" أو تعرضوا " ، قال : تتركوها .

10694 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، قال : إن تلووا في الشهادة ، أن لا تقيمها على وجهها " أو تعرضوا ، قال : تكتموا الشهادة .

10695 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال : حدثنا شيبان ، عن قتادة : أنه كان يقول : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، يعني : تلجلجوا"أو تعرضوا" ، قال : تدعها فلا تشهد .

10696 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال : حدثنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " وإن تلووا أو تعرضوا " ، أما"تلووا" ، فهو أن يلوي الرجل لسانه بغير الحق . يعني : في الشهادة .

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب في ذلك ، تأويل من تأوله ، أنه لي الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه ، وذلك تحريفه إياها بلسانه ، وتركه إقامتها ، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له ، وعمن شهد عليه .

[ ص: 310 ]

وأما إعراضه عنها ، فإنه تركه أداءها والقيام بها ، فلا يشهد بها .

وإنما قلنا : هذا التأويل أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه قال : " كونوا قوامين بالقسط شهداء الله " ، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء . وأظهر معاني"الشهداء" ، ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة .

واختلفت القرأة في قراءة قوله : "وإن تلووا" .

فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار سوى الكوفة : ( وإن تلووا ) بواوين ، من : "لواني الرجل حقي ، والقوم يلوونني ديني" وذلك إذا مطلوه"ليا" .

وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة : ( وإن تلوا ) بواو واحدة .

ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان :

أحدهما : أن يكون قارئها أراد همز "الواو" لانضمامها ، ثم أسقط الهمز ، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه ، وبقيت واو واحدة . كأنه أراد : "تلؤوا" ثم حذف الهمز . وإذا عنى هذا الوجه ، كان معناه معنى من قرأ : "وإن تلووا" ، بواوين ، غير أنه خالف المعروف من كلام العرب . وذلك أن"الواو" الثانية من قوله : "تلووا" واو جمع ، وهي علم لمعنى ، فلا يصح همزها ، ثم حذفها بعد همزها ، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت "الواو" المحذوفة .

والوجه الآخر : أن يكون قارئها كذلك ، أراد : أن"تلوا" من"الولاية" ، فيكون معناه : وأن تلوا أمور الناس وتتركوا . وهذا معنى إذا وجه القارئ قراءته على ما وصفنا ، إليه خارج عن معاني أهل التأويل ، وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى [ ص: 311 ] الله عليه وسلم والتابعون ، تأويل الآية .

قال أبو جعفر : فإذ كان فساد ذلك واضحا من كلا وجهيه ، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا : ( وإن تلووا أو تعرضوا ) ، بمعنى : "اللي" الذي هو مطل .

فيكون تأويل الكلام : وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها ، فتغيروها وتبدلوا ، أو تعرضوا عنها فتتركوا القيام له بها ، كما يلوي الرجل دين الرجل فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له ، كما قال الأعشى :


يلوينني ديني النهار ، وأقتضي ديني إذا وقذ النعاس الرقدا


وأما تأويل قوله : " فإن الله كان بما تعملون خبيرا " ، فإنه أراد : " فإن الله كان بما تعملون " ، من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها ، وإعراضكم عنها [ ص: 312 ] بكتمانكموها"خبيرا" ، يعني ذا خبرة وعلم به ، يحفظ ذلك منكم عليكم ، حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسيء بإساءته . يقول : فاتقوا ربكم في ذلك .
القول في تأويل قوله ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ( 136 ) )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " يا أيها الذين آمنوا " ، بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل ، وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله"آمنوا بالله ورسوله" ، يقول : صدقوا بالله وبمحمد رسوله ، أنه لله رسول ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم" والكتاب الذي نزل على رسوله " ، يقول : وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه ، وذلك القرآن" والكتاب الذي أنزل من قبل " ، يقول : وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو التوراة والإنجيل .

فإن قال قائل : وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه ، وقد سماهم "مؤمنين" ؟

قيل : إنه جل ثناؤه لم يسمهم "مؤمنين" ، وإنما وصفهم بأنهم "آمنوا" ، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق . وذلك أنهم كانوا صنفين : أهل توراة مصدقين [ ص: 313 ] بها وبمن جاء بها ، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما وصنف أهل إنجيل ، وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب ، مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فقال جل ثناؤه لهم : "يا أيها الذين آمنوا" ، يعني : بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل "آمنوا بالله ورسوله" محمد صلى الله عليه وسلم " والكتاب الذي نزل على رسوله " ، فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله ، تجدون صفته في كتبكم وبالكتاب الذي أنزل من قبل الذي تزعمون أنكم به مؤمنون ، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون ، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به ، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا ، وإلا فأنتم به كافرون . فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله : "يا أيها الذين آمنوا" .

وأما قوله : " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " ، فإن معناه : ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوته فقد ضل ضلالا بعيدا .

وإنما قال تعالى ذكره : " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " ، ومعناه : ومن يكفر بمحمد وبما جاء به من عند الله لأن جحود شيء من [ ص: 314 ] ذلك بمعنى جحود جميعه ، ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به ، والكفر بشيء منه كفر بجميعه ، فلذلك قال : " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " ، بعقب خطابه أهل الكتاب وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، تهديدا منه لهم ، وهم مقرون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان .

وأما قوله : " فقد ضل ضلالا بعيدا " ، فإنه يعني : فقد ذهب عن قصد السبيل ، وجار عن محجة الطريق ، إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا . لأن كفر من كفر بذلك ، خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده . والخروج عن دين الله ، الهلاك الذي فيه البوار ، والضلال عن الهدى هو الضلال .
القول في تأويل قوله ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( 137 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : تأويله : إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به ، ثم آمنوا يعني : النصارى بعيسى ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد "لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " .

[ ص: 315 ]

ذكر من قال ذلك :

10697 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " ، وهم اليهود والنصارى . آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت ، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت . وكفرهم به : تركهم إياه ثم ازدادوا كفرا بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم . فقال الله : " لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " ، يقول : لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى ، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم .

10698 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " إن الذين آمنوا ثم كفروا " ، قال : هؤلاء اليهود ، آمنوا بالتوراة ثم كفروا . ثم ذكر النصارى ، ثم قال : "ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا" ، يقول : آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون : بل عنى بذلك أهل النفاق ، أنهم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على الكفر .

ذكر من قال ذلك :

10699 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " ، قال : كنا نحسبهم المنافقين ، ويدخل في ذلك من كان مثلهم" ثم ازدادوا كفرا " ، قال : تموا على كفرهم حتى ماتوا .

[ ص: 316 ]

10700 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ثم ازدادوا كفرا " ، قال : ماتوا .

10701 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : "ثم ازدادوا كفرا " ، قال : حتى ماتوا .

10702 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " إن الذين آمنوا ثم كفروا " الآية ، قال : هؤلاء المنافقون ، آمنوا مرتين ، وكفروا مرتين ، ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك .

وقال آخرون : بل هم أهل الكتابين ، التوراة والإنجيل ، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا ، فلم تقبل منهم التوبة فيها ، مع إقامتهم على كفرهم .

ذكر من قال ذلك :

10703 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبو خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي العالية : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " ، قال : هم اليهود والنصارى ، أذنبوا في شركهم ثم تابوا ، فلم تقبل توبتهم . ولو تابوا من الشرك لقبل منهم .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، قول من قال عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم كذبوا بخلافهم إياه ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره .

وإنما قلنا : ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية ، لأن الآية قبلها في قصص [ ص: 317 ] أهل الكتابين أعني قوله : " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " ولا دلالة تدل على أن قوله : " إن الذين آمنوا ثم كفروا " ، منقطع معناه من معنى ما قبله ، فالحاقه بما قبله أولى ، حتى تأتي دلالة دالة على انقطاعه منه .

وأما قوله : " لم يكن الله ليغفر لهم " ، فإنه يعني : لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم ، بعفوه عن العقوبة لهم عليه ، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد" ولا ليهديهم سبيلا " يقول : ولم يكن ليسددهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها ، ولكنه يخذلهم عنها ، عقوبة لهم على عظيم جرمهم ، وجرأتهم على ربهم .

وقد ذهب قوم إلى أن المرتد يستتاب ثلاثا ، انتزاعا منهم بهذه الآية ، وخالفهم على ذلك آخرون .

ذكر من قال : يستتاب ثلاثا .

10704 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن علي عليه السلام قال : إن كنت لمستتيب المرتد ثلاثا . ثم قرأ هذه الآية : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا " .

10705 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر ، عن علي رضي الله عنه : يستتاب المرتد ثلاثا . ثم قرأ : " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " ، .

10706 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن رجل ، عن ابن عمر قال : يستتاب المرتد ثلاثا .



وقال آخرون : يستتاب كلما ارتد .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 318 ]

10707 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عمن سمع إبراهيم قال : يستتاب المرتد كلما ارتد .

قال أبو جعفر : وفي قيام الحجة بأن المرتد يستتاب المرة الأولى ، الدليل الواضح على أن حكم كل مرة ارتد فيها عن الإسلام حكم المرة الأولى ، في أن توبته مقبولة ، وأن إسلامه حقن له دمه . لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه ، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقونا في الحالة الأولى ، ثم يكون دمه مباحا مع وجودها ، إلا أن يفرق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ، ما يجب التسليم له من أصل محكم ، فيخرج من حكم القياس حينئذ .
القول في تأويل قوله ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ( 138 ) )

قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " بشر المنافقين " ، أخبر المنافقين .

وقد بينا معنى"التبشير" فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

" بأن لهم عذابا أليما " ، يعني : بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم"عذابا أليما" ، وهو الموجع ، وذلك عذاب جهنم
[ ص: 319 ] القول في تأويل قوله ( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ( 139 ) )

قال أبو جعفر : أما قوله جل ثناؤه : " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " ، فمن صفة المنافقين . يقول الله لنبيه : يا محمد ، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني"أولياء" يعني : أنصارا وأخلاء "من دون المؤمنين" ، يعني : من غير المؤمنين "أيبتغون عندهم العزة" ، يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة ، باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي ؟" فإن العزة لله جميعا " ، يقول : فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم ، هم الأذلاء الأقلاء ، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين ، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة ، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء ، فيعزهم ويمنعهم ؟ .

وأصل"العزة" ، الشدة . ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة ، "عزاز" . وقيل : "قد استعز على المريض" ، إذا اشتد مرضه وكاد يشفى . ويقال : "تعزز اللحم" ، إذا اشتد . ومنه قيل : "عز علي أن يكون كذا وكذا" ، بمعنى : اشتد علي .
[ ص: 320 ] القول في تأويل قوله ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ( 140 ) )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : "بشر المنافقين" الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، " وقد نزل عليكم في الكتاب " ، يقول : أخبر من اتخذ من هؤلاء المنافقين الكفار أنصارا وأولياء بعد ما نزل عليهم من القرآن ، " أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يعني : بعد ما علموا نهي الله عن مجالسة الكفار الذين يكفرون بحجج الله وآي كتابه ويستهزئون بها" حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يعني بقوله : "يخوضوا" ، يتحدثوا حديثا غيره"بأن لهم عذابا أليما" .

وقوله : " إنكم إذا مثلهم " ، يعني : وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون ، فأنتم مثله يعني : فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال ، مثلهم في فعلهم ، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله . فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها ، فأنتم إذا مثلهم في ركوبكم معصية الله ، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]