
13-12-2024, 05:17 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,361
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء التاسع
تَفْسِيرِ سُّورَةِ النِّسَاءُ
الحلقة (514)
صــ 291 إلى صــ 305
10660 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا يحيى بن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر [ ص: 291 ] ، عن سعيد بن جبير : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : لا أيما ولا ذات بعل .
10661 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا ابن يمان ، عن مبارك ، عن الحسن : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : لا مطلقة ولا ذات بعل .
10662 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن ، مثله .
10663 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فتذروها كالمعلقة " ، أي كالمحبوسة ، أو كالمسجونة .
10664 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : كالمسجونة .
10665 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام بن سلم ، عن أبي جعفر ، عن الربيع في قوله : " فتذروها كالمعلقة " ، يقول : لا مطلقة ولا ذات بعل .
10666 - حدثني المثنى قال : حدثني إسحاق قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال : أخبرنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " ، لا مطلقة ولا ذات بعل .
10667 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال : بلغني عن مجاهد : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : لا أيما ولا ذات بعل . [ ص: 292 ]
10668 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح : " فتذروها كالمعلقة " ، ليست بأيم ولا ذات زوج .
10669 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا المحاربي وأبو خالد وأبو معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : لا تدعها كأنها ليس لها زوج .
10670 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : لا أيما ولا ذات بعل .
10671 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " فتذروها كالمعلقة " ، قال : "المعلقة" ، التي ليست بمخلاة ونفسها فتبتغي لها ، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها ، لا هي عند زوجها ، ولا مفارقة ، فتبتغي لنفسها . فتلك "المعلقة" .
قال أبو جعفر : وإنما أمر الله جل ثناؤه بقوله : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهن من القسمة بينهن ، والنفقة ، وترك الجور في ذلك بإرسال إحداهن على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه ، إذ كان قد صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن مما في القلوب من المحبة والهوى .
القول في تأويل قوله ( وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ( 129 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وإن تصلحوا أعمالكم ، أيها الناس ، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم ، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف ، فلا تجوروا في ذلك وتتقوا يقول : وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم [ ص: 293 ] عنه ، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى ، فتظلموها حقها مما أوجبه الله لها عليكم فإن الله كان غفورا يقول : فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك ، بتركه عقوبتكم عليه ، ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل رحيما يقول : وكان رحيما بكم ، إذ تاب عليكم ، فقبل توبتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن ، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن ، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القسم على أن لا يطلقن .
القول في تأويل قوله ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ( 130 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها - إذ أعرض عنها بالميل منه إلى ضرتها لجمالها أو شبابها ، أو غير ذلك مما تميل النفوس له إليها - الصلح بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها ، وطلبت حقها منه من القسم والنفقة ، وما أوجب الله لها عليه وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله : " وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا " ، وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها مائل ، فتفرقا [ ص: 294 ] بطلاق الزوج إياها " يغن الله كلا من سعته " ، يقول : يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله . أما هذه ، فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول ، أو برزق أوسع وعصمة . وأما هذا ، فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة ، أو عفة وكان الله واسعا يعني : وكان الله واسعا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه حكيما فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق ، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها ، وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
10672 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ، قال : الطلاق .
10673 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
[ ص: 295 ] القول في تأويل قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ( 131 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ولله جميع ملك ما حوته السماوات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها . وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله : " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ، تنبيها منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته ، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته وتذكيرا منه له أنه الذي له الأشياء كلها ، وأن من كان له ملك جميع الأشياء ، فغير متعذر عليه أن يغنيه وكل ذي فاقة وحاجة ، ويؤنس كل ذي وحشة .
ثم رجع جل ثناؤه إلى عذل من سعى في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ، ووعيد من فعل ما فعل المرتد منهم ، فقال " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم " ، يقول : ولقد أمرنا أهل الكتاب ، وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم يقول : وأمرناكم وقلنا لكم ولهم : اتقوا الله يقول : احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه وإن تكفروا يقول : وإن تجحدوا وصيته إياكم ، أيها المؤمنون ، فتخالفوها فإن لله ما في السماوات وما في الأرض يقول : فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم ، ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى ، في نزول عقوبته بكم ، وحلول غضبه عليكم ، كما حل بهم إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه ، فغير بهم ما كانوا فيه من خفض [ ص: 296 ] العيش وأمن السرب ، وجعل منهم القردة والخنازير . وذلك أن له ملك جميع ما حوته السموات والأرض ، لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه ، من إعزاز من أراد إعزازه ، وإذلال من أراد إذلاله ، وغير ذلك من الأمور كلها ، لأن الخلق خلقه ، بهم إليه الفاقة والحاجة ، وبه قواهم وبقاؤهم ، وهلاكهم وفناؤهم ، وهو "الغني" الذي لا حاجة تحل به إلى شيء ، ولا فاقة تنزل به تضطره إليكم ، أيها الناس ، ولا إلى غيركم "والحميد" الذي استوجب عليكم أيها الخلق الحمد بصنائعه الحميدة إليكم ، وآلائه الجميلة لديكم . فاستديموا ذلك ، أيها الناس ، باتقائه والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه ، كما :
10674 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن هاشم قال : أخبرنا سيف ، عن أبي روق ، عن علي رضي الله عنه : " وكان الله غنيا حميدا " ، قال : غنيا عن خلقه حميدا قال : مستحمدا إليهم .
[ ص: 297 ] القول في تأويل قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ( 132 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض ، وهو القيم بجميعه ، والحافظ لذلك كله ، لا يعزب عنه علم شيء منه ، ولا يئوده حفظه وتدبيره ، كما : -
10675 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة : " وكفى بالله وكيلا " ، قال : حفيظا .
فإن قال قائل : وما وجه تكرار قوله : " ولله ما في السماوات وما في الأرض " في آيتين ، إحداهما في إثر الأخرى؟
قيل : كرر ذلك لاختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض في الآيتين . وذلك أن الخبر عنه في إحدى الآيتين : ذكر حاجته إلى بارئه ، وغنى بارئه عنه - وفي الأخرى : حفظ بارئه إياه ، وعلمه به وبتدبيره .
فإن قال : أفلا قيل : "وكان الله غنيا حميداوكفى بالله وكيلا" ؟
قيل : إن الذي في الآية التي قال فيها : " وكان الله غنيا حميدا " ، مما صلح أن يختم ما ختم به من وصف الله بالغنى وأنه محمود ، ولم يذكر فيها ما يصلح أن يختم بوصفه معه بالحفظ والتدبير . فلذلك كرر قوله : " ولله ما في السماوات وما في الأرض " .
[ ص: 298 ] القول في تأويل قوله ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ( 133 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إن يشأ الله ، أيها الناس ، يذهبكم أي : يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم ويأت بآخرين يقول : ويأت بناس آخرين غيركم لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته " وكان الله على ذلك قديرا " ، يقول : وكان الله على إهلاككم وإفنائكم واستبدال آخرين غيركم بكم قديرا يعني : ذا قدرة على ذلك .
وإنما وبخ جل ثناؤه بهذه الآيات ، الخائنين الذين خانوا الدرع التي وصفنا شأنها ، الذين ذكرهم الله في قوله : ( ولا تكن للخائنين خصيما ) [ سورة النساء : 105 ] وحذر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم ، وأن يفعلوا فعل المرتد منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين ، وعرفهم أن من فعل فعله منهم ، فلن يضر إلا نفسه ، ولن يوبق بردته غير نفسه ، لأنه المحتاج - مع جميع ما في السموات وما في الأرض - إلى الله ، والله الغني عنهم . ثم توعدهم في قوله : " إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين " ، بالهلاك والاستئصال ، إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق طعمة المرتد وباستبدال آخرين غيرهم بهم ، لنصرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ومؤازرته على دينه ، كما قال في الآية الأخرى : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ، [ سورة محمد : 38 ] . [ ص: 299 ]
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت ، ضرب بيده على ظهر سلمان فقال : "هم قوم هذا" ، يعني عجم الفرس ، كذلك : -
10676 - حدثت عن عبد العزيز بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال قتادة في ذلك بما : -
10677 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله " إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا " ، قادر والله ربنا على ذلك : أن يهلك من يشاء من خلقه ، ويأتي بآخرين من بعدهم .
القول في تأويل قوله ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ( 134 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : من كان يريد ممن أظهر الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق ، الذين يستبطنون الكفر [ ص: 300 ] وهم مع ذلك يظهرون الإيمان ثواب الدنيا يعني : عرض الدنيا ، بإظهاره ما أظهر من الإيمان بلسانه . " فعند الله ثواب الدنيا " ، يعني : جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها ، وهو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبي مشهدا ، وأمنه على نفسه وذريته وماله ، وما أشبه ذلك . وأما ثوابه في الآخرة ، فنار جهنم .
فمعنى الآية : من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله ، فإن الله مجازيه به جزاءه في الدنيا من الدنيا ، وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال . وذلك أن الله قادر على ذلك كله ، وهو مالك جميعه ، كما قال في الآية الأخرى : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) [ سورة هود : 15 - 16 ] .
وإنما عنى بذلك جل ثناؤه : الذين تتيعوا في أمر بني أبيرق ، والذين وصفهم في قوله : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) [ سورة النساء : 107 ، 108 ] ، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم . [ ص: 301 ]
وقوله : " وكان الله سميعا بصيرا " ، يعني : وكان الله سميعا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم ، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين ، وقولهم لهم : "آمنا" "بصيرا" ، يعني : وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين ، فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغل الذي في صدورهم لهم .
القول في تأويل قوله ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا )
وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرق أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه ، وذبهم عنهم ، وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر ، يقول الله لهم : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط " ، يقول : ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط يعني : بالعدل"شهداء لله" .
و"الشهداء" جمع"شهيد" .
[ ص: 302 ]
ونصبت"الشهداء" على القطع مما في قوله : "قوامين" من ذكر"الذين آمنوا" ، ومعناه : قوموا بالقسط لله عند شهادتكم أو حين شهادتكم .
" ولو على أنفسكم " ، يقول : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم ، أو على والدين لكم أو أقربيكم ، فقوموا فيها بالقسط والعدل ، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق ، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير ، ولا لفقير لفقره على غني ، فتجوروا ؛ فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل"أولى بهما" ، وأحق منكم ، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم ، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم ، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما" فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا " ، يقول : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها - لغني على فقير ، أو لفقير على غني - إلا أحد الفريقين ، فتقولوا غير الحق ، ولكن قوموا فيه بالقسط ، وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها ، بالعدل لمن شهدتم له وعليه .
فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط ؟ وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟
قيل : نعم ، وذلك أن يكون عليه حق لغيره فيقر له به ، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه .
قال أبو جعفر : وهذه الآية عندي تأديب من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا ، وخيانتهم ما خانوا [ ص: 303 ] ممن ذكرنا قبل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح . فقال لهم : إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه ، فقولوا فيها بالعدل ، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم ، ولا يحملنكم غنى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمه منكم ، على الشهادة له بالزور ، ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها .
وقد قيل إنها نزلت تأديبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذكر من قال ذلك :
10678 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " ، قال : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ؛ واختصم إليه رجلان : غني وفقير ، وكان ضلعه مع الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال : " إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا " ، الآية .
وقال آخرون : في ذلك نحو قولنا : إنها نزلت في الشهادة ، أمرا من الله المؤمنين أن يسووا - في قيامهم بشهاداتهم - لمن قاموا بها ، بين الغني والفقير .
[ ص: 304 ]
ذكر من قال ذلك :
10679 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " ، قال : أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم ، ولا يحابوا غنيا لغناه ، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته ، وذلك قوله : " إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا " ، فتذروا الحق ، فتجوروا .
10680 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن يونس ، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة قال : كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين ، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما " الآية ، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده ، ولا الولد لوالده ، ولا الأخ لأخيه ، ولا الرجل لامرأته ، ثم دخل الناس بعد ذلك ، فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، إذا كانت من أقربائهم . وصار ذلك من الولد والوالد ، والأخ والزوج والمرأة ، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان .
10681 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " إلى آخر الآية ، قال : لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة . قال : يقول هذا للشاهد . [ ص: 305 ]
10682 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " الآية ، هذا في الشهادة . فأقم الشهادة ، يا ابن آدم ، ولو على نفسك ، أو الوالدين ، أو على ذوي قرابتك ، أو شرف قومك . فإنما الشهادة لله وليست للناس ، وإن الله رضي العدل لنفسه ، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض ، به يرد الله من الشديد على الضعيف ، ومن الكاذب على الصادق ، ومن المبطل على المحق . وبالعدل يصدق الصادق ، ويكذب الكاذب ، ويرد المعتدي ويرنخه ، تعالى ربنا وتبارك . وبالعدل يصلح الناس ، يا ابن آدم" إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما " ، يقول : أولى بغنيكم وفقيركم . قال : وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال : "يا رب ، أي شيء وضعت في الأرض أقل ؟ " ، قال : "العدل أقل ما وضعت في الأرض" . فلا يمنعك غنى غني ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم ، فإن ذلك عليك من الحق ، وقال جل ثناؤه : " فالله أولى بهما " .
وقد قيل : " إن يكن غنيا أو فقيرا " الآية ، أريد : فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير . لأن ذلك منه لا من غيره ، فلذلك قال : "بهما" ، ولم يقل"به" .
وقال آخرون : إنما قيل : "بهما" ، لأنه قال : " إن يكن غنيا أو فقيرا " ، فلم يقصد فقيرا بعينه ولا غنيا بعينه ، وهو مجهول . وإذا كان مجهولا جاز الرد منه بالتوحيد والتثنية والجمع .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|