لزوم رد المغصوب بزيادته
قال رحمه الله: [ويلزم رد المغصوب بزيادته] .
(يلزم) أي: يجب، يلزم على الغاصب أن يرد المغصوب بزيادته، والباء للمصاحبة، أي: مصحوبا مع زيادته؛ لأن من معاني الباء المصاحبة: تعد لصوقا واستعن بتسبب وبدل صحابا قابلوك بالاستعلاء فمن معانيها المصاحبة، فقوله: (بزيادته) ، هناك زيادة متصلة، وهناك زيادة منفصلة، وهناك زيادة من فعل الغاصب، وهناك زيادة بأمر الله عز وجل، وكل هذا فيه التفصيل الذي سيذكره المصنف رحمه الله عبر المسائل التي ستأتي.
لكن هنا أراد أن يشير إلى قاعدة وهي: أن الواجب على الغاصب أن يرد الشيء المغصوب على حالته ولو كانت أفضل من حالته يوم غصب، سواء كانت الزيادة متصلة أو كانت منفصلة، سواء كانت من نماء المغصوب أو كانت من فعل الغاصب مما لا يمكن انفصاله عن الشيء المغصوب على تفصيل سيأتي في مسألة الخلط والتي سيأتي بيانها -إن شاء الله- في الفرق بين زيادة القدر وزيادة صفات العين المغصوبة.
لزوم رد المغصوب إلى موضعه ولو غرم الغاصب
قال رحمه الله: [وإن غرم أضعافه] .
عندنا مسألتان: المسألة الأولى: وجوب رد المغصوب مع الزيادة.
المسألة الثانية: وجوب الرد نفسه، وأن يكون الرد مع الزيادة.
عندنا مسألتان: مسألة الزيادة ستأتي، لكن مسألة الرد هنا من حيث الأصل الشرعي العلماء كلهم مجمعون على أن الواجب -من حيث الأصل- على الغاصب أن يرد الشيء الذي اغتصبه، وأن يرد العين التي اغتصبها، سواء كانت من العقارات أو كانت من المنقولات، لكن لو أن شخصا اغتصب شيئا فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الشيء في موضعه ويحول بينه وبين صاحبه، كرجل اغتصب أرضا، فجاء وأخذ من أخيه -مثلا- نصف أرضه، ووضع عليها الحواجز واغتصبها، فالحكم حينئذ رد المغصوب، وسيكون برجوعه إلى الحدود الأصلية التي كانت بينه وبين أخيه.
أما الصورة الثانية: أن يكون المغصوب قد انتقل وحوله الغاصب من موضع الغصب إلى موقع آخر وهذه هي المسألة التي قصدها المصنف رحمه الله، فيجب رد المغصوب بزيادته ولو غرم أضعافه، يعني: ولو كان رد المغصوب إلى البلد الذي وقع فيه الغصب يكلف أضعاف قيمته، وهذه مسألة مهمة جدا.
ومن أمثلتها: لو أن شخصا اعتدى على ماكينة زراعية لأخيه المسلم، فجاء وأخذها من أرضه واغتصبها ونقلها إلى أرض ثانية في بلد آخر، فإذا ثبت غصبه عند القاضي فيقول للغاصب: يجب عليك نقل هذه الماكينة وردها إلى الموضع الذي اغتصبتها منه.
فإذا جئت تتأمل الماكينة تجد أن قيمتها عشرة آلاف ريال، لو جاء يردها ربما كلفه الرد ثلاثين ألف ريال، فحينئذ الرد سيكلف أضعاف قيمة العين المغصوبة، نقول: يجب عليك الرد ولو كلفك أضعافا؛ لأن الرد مستحق.
لكن لو أن الغاصب قال: أنا لا أستطيع أن أتحمل ثلاثين ألفا، ولكن سأشتري له ماكينة من نفس النوع وجديدة من نفس البلد وأضعها في نفس المكان، فنقول: لا، إلا أن يرضى المغصوب منه.
من حيث الأصل: لو أصر المالك وقال: ما أريد إلا ماكينتي، ترد له ولو كلفت أضعاف قيمتها؛ لأن العين مستحقة، وهذا حقي، وهذا من عدل الله بين العباد، فمثل ما أخذتها تتحمل مسئولية نقلها إلى موضعها، ما أحد أمرك أن تنقلها، فلما اعتديت بالنقل تحملت جميع ما يترتب عليه من آثار، ومنها: ضمان الأجرة المستحقة للنقل.
فأولا: عندنا حكم، وهو: وجوب الرد، فالقاضي يقضي بأنه يجب عليه رد الماكينة إلى موضعها، فإذا أصر المالك وقال: أريد ماكينتي، لا إشكال، نقول: يجب عليك ردها ولو كلفك أضعافا، هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: لو قال: يا فلان! أعطيك مثلها وأضعها في المكان الذي اغتصبتها منه، قال المغصوب منه: رضيت، فلو قال: رضيت، تنتقل المسألة إلى مسألة الصلح، وتصبح القضية قضية صلح، والصلح جائز بين المسلمين، لكن الصلح إذا كانت فيه مناقلة ومبادلة يكون من باب البيع، فكأنه باعه ماكينته في ذلك الموضع بماكينة في هذا الموضع وتسري عليه أحكام البيع.
فائدة قوله: تسري عليه أحكام البيع، أنه إذا ترتب عليه ربا النسيئة فلا يجوز، ولا يصح صلحا، مثل: امرأة اغتصبت من امرأة كيلو من الذهب ونقلته من بلد إلى بلد، فهذا الكيلو من الذهب لو أنها جاءت ترده احتاجت إلى حفظه وحرزه، فيكلفها مالا، فقالت: أنا أعطي مثله من الذهب هنا في مكة مثلا، فحينئذ صار ذهبا بذهب، فيجب أن يكون في نفس المجلس وإلا كان ربا نسيئة فلم يصح.
هذه فائدة قولنا: تنتقل المسألة إلى مسألة الصلح، فلا يصح الانتقال في الغصب إلى المثلي إلا إذا كان من جنس ما أذن الشرع فيه من الانتقال المثلي، فإن اشترط فيه التقابض وجب أن يكون في المجلس الذي اصطلحا عليه، فإن قال: غدا آتيك، أو قال: بعد ساعة أحضر الذهب، كان هذا ربا ولا يصح.
فإذا: لا بد أن نفصل فيه، الحكم الأصلي: وجوب الرد، ثانيا: أن هذا الرد ولو كلف أضعاف القيمة فهو ملزم به في الأصل إذا أصر المالك الحقيقي على عين متاعه وحقه، فهذا حق من حقوقه وليس لأحد أن يحول بين المالك وبين حقه، فإذا قال: أريد حقي، وجب إعطاؤه حقه، ورده إلى موضعه مهما كلف هذا.
فإن اختار المالك أو رضي المالك صلحا بالبدل عنه، فصل في أحكامه على ما تقدم في باب الصلح، وصارت مناقلة مبنية على المعاوضة بالبيع على التفصيل المتقدم.
فقوله: [ويلزم رد المغصوب بزيادته، وإن غرم أضعافه] .
(وإن غرم) يعني: خسر، (أضعافه) يعني: أضعاف المغصوب، فيجب عليه أن يرد المغصوب بزيادة وإن كلفه ما كلفه.
الأسئلة
حكم اتفاق الغاصب والمغصوب منه على بقاء البناء في الأرض المغصوبة
السؤال إذا طلب المالك من الغاصب أن يبقي البناء بدل هدمه، على أن يرد له قيمته سواء نقدا أو مقسطا، هل له ذلك أم لا؟
الجواب ليس فيه بأس، لو قال له: أبق هذا البناء وأعطيك قيمته، فإنه حينئذ يكون صلحا بينهما، وهو مأجور على ذلك؛ لأنه خفف عنه ورفق به، والرفق يثاب عليه العبد، خاصة إذا لم يقصد به التضييق عليه، والله تعالى أعلم.
نصائح لطلاب العلم
السؤال كيف يمكن لطالب العلم وهو في خضم دروسه وطلبه أن ينظم وقته حتى يغتنمه ولا تتفارق عليه أيامه بدون فائدة؟
الجواب لا شك أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب طالب العلم ورضي عنه بارك له في أيامه ولياليه وفي عمره، ومن دلائل البركة: أن يستمسك الساعات واللحظات وهو يجد ويجتهد في سد ثغور الإسلام، وتعلم الشرائع والأحكام، لا يسأم ولا يمل ولا يكل ولا يشتكي، قد نصف وجهه لله، وجد واجتهد في طاعة الله.
واعلموا أن الله يكتب ثوابه في كل كلمة يسمعها وفي كل حكم يحرره، وأن الله سبحانه وتعالى يعظم له الأجر والمثوبة في ذلك كله، فهذا كله من دلائل الرضا: البركة في الساعات واللحظات، ولن تكون هذه البركة إلا بالإخلاص وإرادة وجه الله سبحانه وتعالى، وطالب العلم الذي يريد أن يبارك الله له في وقته يبدأ بالإخلاص، ثم يأخذ بالأسباب التي منها تنظيم الأوقات، وإذا وفق الله طالب العلم وعرف قيمة زمانه وشعر أن الله سائله عن كل لحظة من أوانه، سعى في إصلاح ذلك الزمان في طاعة الله عز وجل، فينظم وقته ويرتبه.
وعليه أن ينتبه لأمرين: هناك فرق بين العلم الحقيقي والعلم الذي يدخله الشيطان عليه من الهوى والغرور، فالوقت لا يبارك فيه بشيء مثل أن يستنفده في العلم الموروث من الكتاب والسنة.
فمثلا: إذا كان طالب العلم يحضر في مجالس العلم، ويفهم الأحكام، ويخاف من الله سبحانه وتعالى أن يستعجل في المسائل والأحكام لا يحدث الخطأ والخلل ويستنفد غاية جهده للضبط والتحصيل، بعد ذلك إذا جاءته نفسه تدعوه للاجتهاد، تدعوه للتقريب، تدعوه للنظر، وليست عنده آلة الاجتهاد، ولم يشهد له أهل العلم أنه مجتهد، فإن الشيطان يضيع له الوقت.
ولذلك تجد طالب العلم قد يجلس في مجلس العلم ويسمع أن في المسألة قولين، وعنده استعداد أن يقول: لا، هذا ليس القول الراجح بل القول الأول أرجح من الثاني، فالشيطان يدخل عليه في النفس هوى، والنفس تساق إلى معصية الله عز وجل وتساق إلى هذه المعصية، إما من باب شر واضح المعالم، وإما من باب يدعى أنه خير.
فقد يجد في مجلس العلم وهو لم يحصل درجة الاجتهاد والنظر لكي يعقب على كل كلمة، فيضيع عليه عمره ويقوم من المجلس يعتقد الباطل بدل الصواب والحق، ولربما ذهب يجلس ويضبط ويتعب في لم العلم ثم بعد أن يجمع المادة يتفرغ لنقدها وتقديم ما أخره العلماء، وتأخير ما قدمه العلماء، أو تصويب ما خطئوه، أو تخطئة ما صوبوه، وما عنده ملكة، ونحن لا نمنع من رزقه الله علما وبصيرة ونورا من الكتاب والسنة أن يجتهد، لكن أن يتطاول على شيء لم يحصله أو يضيع عمره ويذهب زمانه وتمحق بركة علمه، إما بعدم الإخلاص أو بالغرور.
ولذلك تجد بعض طلاب العلم يجلس في مجلس العلم سنة واحدة فيفتح الله عليه بالفهم، ويفتح الله عليه في التحصيل، ويفتح الله عليه في بركة العلم، فيبارك له في كل ما سمعه؛ لأنه من اللحظة الأولى إلى آخر لحظة لم يشعر بالغرور في نفسه.
فطالب العلم يحصل ويضبط ويكرر ويكرر ولا يدعي التعالم، ولا يرفع نفسه عن المقام الذي وضعه الله فيه، فإذا مضت عليه سنة وسنوات وهو يأخذ العلم الزكي النقي ممن يوثق في دينه وعلمه، فلا يزيد عليه ولا ينقص، ويكون أمينا حافظا للعلم، يوشك أن يأذن الله عز وجل له بالفتح فيرتقي إلى درجة العلماء الذين أوتوا بصيرة العلم، وعندها تندرج له الأمور، فما كان من حق ثبت عليه، وما كان من خطأ صححه وقومه، ولكن بنور من الله وعلى سبيل وعلى رشد.
فلا يضيع العمر على الشخص مثل أن يستعجل في طلب العلم، ولذلك تنظر في بعض طلاب العلم في بداية طلب العلم أوقاتهم محفوظة، لكن ما أن يدخل عليه الشيطان بالغرور حتى تجده يفلت الأوقات؛ لأنه في القديم كان يتعب نفسه في الحفظ وفي المراجعة والمذاكرة، لكنه اليوم يشعر أن ليس مثله يراجع، ليس مثله الذي يكرر كالمبتدئين، لا.
كان أهل العلم مهما أوتوا العلم يتذللون للعلم؛ ولذلك قالوا: من افتقر لله أغناه، ومن ذل لله أعزه، ومن أهان نفسه بين يدي الله أكرمه.
فذل بين يديه عز، ومهانة بين يديه كرامة، وخضوع وضعة بين يديه رفعة، لكن إذا عرف طالب العلم حقه، ولذلك تجد العلماء الأئمة الراسخين في العلم قد عرفوا قدر أنفسهم قبل أن يعرفوا العلم، فتجد الواحد منهم مهما أوتي من العلم وتبين له الصواب وأنه أخطأ في مسألة فإنه مستعد أن يرجع عنها ولو كان على رءوس الأشهاد، وهذا هو العلم الذي يبارك الله فيه في الأوقات والأعمار، فاستنفدت في أنوار الكتاب والسنة حتى أصبحت القلوب مفرغة للوحي، مأمونة على الدين، أمانة صادقة كاملة مباركا فيها.
فطالب العلم تنزع منه البركة إذا حاد عن هذا الصراط السوي الذي أوله الإخلاص ومعرفة العبد قدر نفسه، فنحن نتعلم علما موروثا لا يجوز لنا أن نقدم فيه ولا نؤخر إلا إذا شهد أهل العلم لنا أننا أهل للتقديم والتأخير، قال الإمام مالك: (لا يحق لأحد أن يفتي في هذا الأمر حتى يشهد له أهل الشأن أنه أهل للفتوى، فما جلست في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أفتيت حتى شهد لي سبعون من أهل العلم في هذا المسجد أني أهل للفتيا) .
هذا العلم الموروث الذي يكون فيه الإنسان على نور من الله، يرجو ثوابه ورحمته، فيبارك له في كلمة يقولها، ويطيب الله العلم من لسانه؛ لأنه حفظه وحافظ عليه.
لكن إذا خرج عن السنن وأصبح مغترا بنفسه، ويضيف الإضافات، ويعلق التعليقات، ويذهب إلى المطولات ويأتي منها، ويفعل ويقدم ويؤخر، فاختلطت عليه الأمور، واختلط عليه الحابل بالنابل، فعند ذلك تنزع البركة من علمه، للناس، فيأتي بعلم ورثه وبعلم يدعيه، فما كان موروثا ففيه البركة، وما كان مدعى لا بركة فيه، ولربما نزع الله البركة منهما، فيمحق الله بركة ما ورثه بسبب ظلمه واعتدائه لحد الله فيما يدعي.
فادعاء العلم صعب، وواجب على طالب العلم أن يعرف حق العلم عليه، فالبركة في الأوقات والأعمار مقرونة بمعرفة طالب العلم للواجب والفرض عليه، قال تعالى: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف:4] .
يقول بعض العلماء: من كان صادقا في العلم فهو الأثر، ما معنى أثارة من علم؟ معناه: أنه جلس بين يدي العلماء فقال ما قالوه، وذكر ما ذكروه، لم يزد ولم ينقص، أمين يخاف الله جل جلاله.
فالوقت يستوجب حفظ هذا العلم وضبطه، لا نقول: بالتعصب، بل نقول: بالتعصب بالحق، فإذا كان الذي تأخذ عنه العلم يتكلم بحجة من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتكلم ببصيرة، فتتعصب للحق ولا تتعصب للرجل، ولكن تعرف حقه وتعرف قدره؛ لأن الله فتح عليه، والله يقول: {لكن الراسخون في العلم} [النساء:162] فالناس يختلفون.
فأئمتنا وعلماؤنا ومشايخنا الذين رزقهم الله البصيرة وعندهم علم وشهد لهم في هذا العلم وعرف لهم أهل الشأن حقهم في ذلك، نبقى على أثرهم، متقربين لله عز وجل بذلك؛ لأن الله فرض علينا أن نكون مع أهل العلم، متبعين لهم لا مبتدعين ولا مغيرين لا مبدلين، فإذا جئنا نطلب العلم ونجلس في مجالس العلم وبورك لنا في أوقاتنا وساعاتنا ولحظاتنا وكلها في العلم الموروث لا نزيد عنه ولا ننقص، والله كما بورك لأشياخك وأشياخ أشياخك ومن تلقيت عنهم ليباركن لك؛ لأنه كله موروث من الكتاب والسنة.
ولكن ما يبارك لطالب العلم إلا إذا التزم بهذا المنهج، فعلينا أن نعرف قدر أنفسنا وحق علمائنا؛ فلذلك نقول: لا بد من المنهجية في تحصيل العلم من جهة الانضباط، فإذا رأينا طالب علم يحضر الدروس في أسبوعه، ووضع لكل درس وقتا للمراجعة، لا يزيد ولا ينقص، وكان منضبطا لهذه الدروس، أمينا على الأحكام التي سمعها وتلقاها دون أن يغير ويبدل، فبإذن الله سيبارك له؛ فالمنهجية تكون على أصول.
أما كيف يكون المنهج؟ أي وقت أي ساعة كم القدر؟ هذا يختلف باختلاف الأشخاص، وقد كررت غير مرة كما كان بعض مشايخنا يقول: من الصعب أن يضع العالم لطالب العلم وقتا معينا إلا إذا كان بالطريقة القديمة طالب العلم مع العالم أربعا وعشرين ساعة، وفرغ نفسه وارتحل إليه، هذا أمر ممكن، لكن الآن صعب، ولذلك لو وضعنا أوقاتا معينة وصادف الإنسان أنه مشغول فيها قد يكل ويترك العلم، ولذلك من الصعب وضع برنامج معين.
لكننا ننبه على ما هو أزكى وأفضل من البرنامج وما فيه الفتح من الله والتيسير من الله وهما الأمران: الإخلاص، والإلتزام، فكما قال السلف رحمهم الله: أن نكون متبعين فقد كفينا أن نتبعهم.
وإذا لم نتبع العلماء من الذي يتبع؟!! وإذا لم نتبع الذي يأخذ بنص الكتاب من الذي يتبع؟! وإذا لم نتعصب للكتاب والسنة فلأي شيء نتعصب؟! فنحن نريد موازين صحيحة لكي يبارك الله في أوقاتنا وأعمارنا ويبارك أيضا في علمنا.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصا لوجهه الكريم.
اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا! اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل ما تعلمناه وعلمناه حجة لنا لا علينا! اللهم اجعلنا ممن قلت له بين يديك: صدقت، اذهبوا به إلى الجنة! اللهم لا تجعلنا ممن كذب على رءوس الأشهاد! اللهم إنا نسألك أن ترحمنا في ديننا ودنيانا وعلمنا وتعلمنا بالإخلاص لوجهك، وابتغاء ما عندك! اللهم ألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، ولا نادمين ولا مدبرين يا حي يا قيوم! يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.
حكم تلف أو ضياع المال الذي يعمل فيه المغصوب مكرها
السؤال من استولى على حر واستعمله مكرها، ثم تلفت العين أو ضاع المال الذي يعمل فيه المغصوب كأن يقوم على الرعي فضل به الإبل، فهل يضمن هذا العامل المغصوب ما تلف أو ضاع؟
الجواب هذه المسألة ترجع إلى مسألة ضمان الأجير، فقد تقدم معنا خلاف السلف في مسألة تضمين الراعي، قال طائفة من العلماء: إن الراعي يضمن، ومن أهل العلم من يرى أنه لا يضمن الراعي إلا إذا فرط.
وصورة ذلك: يذهب بالإبل أو يذهب بالغنم أو يذهب بالدواب إلى أرض مسفعة، ويعلم أنها مسفعة وسيتلف شيء منها، فعند ذلك يضمن، وهكذا إذا تكاسل أو تساهل في لمها وجمعها وحراستها وتشتت وتفرقت وضاعت فإنه يضمن، فهذه كلها من صور التعدي التي يكون فيها ضمان، والله تعالى أعلم.
وبناء على ذلك: يسري عليه حكم الأجير؛ لأنه في هذه الحالة إذا غصبه غصبه على إجارة، ولذلك يجب عليه أن يدفع الأجرة، فيكون حكمه حكم الإجارة، وتسري عليه أحكام الإجارة، ومن هنا ألزمناه بقيمة الأجرة على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
حكم المطالبة برد المغصوب إلى غير موضعه
السؤال هل من حق المغصوب منه أن يطلب رد ما اغتصب منه في أي موضع غير الموضع الذي اغتصب منه فيه؟
الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالأصل يقتضي أن الغاصب ملزم برد المغصوب إلى الموضع الذي غصبه منه، فلو طلب المغصوب منه رده إلى غير الموضع لم يكن من حقه ذلك، إنما الذي من حقه أن يرد إلى الموضع الذي اغتصب منه، فلو حصل بينهما صلح واتفقا على شيء فهذا أمر خارج، والصلح جائز على التفصيل الذي ذكرناه في مسألة المصالحة.
أما من حيث الأصل الشرعي -ونحن نتكلم على الإلزام- فمثلا: لو أنه غصب منه شيئا في مكة ونقله إلى الطائف، وقال له مثلا: انقلها لي إلى جدة، نقول: ليس من حقك أن تطلب نقلها إلى جدة ولو كانت المسافة واحدة، فلا يكون النقل إلا إلى نفس الموضع، هذا هو حقك، وإن أردت نقلها إلى غير ذلك وتم الاصطلاح بين الطرفين فلا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.
حكم بناء مسجد على أرض مغصوبة
السؤال إذا غصب رجل أرضا ثم بنى عليها مسجدا فما الحكم في هذه المسألة؟
الجواب مطعمة الأيتام من كد فرجها لكن ليلى لا تزني ولا تتصدق يعني: شيء حرمه الله عز وجل ويبني عليه مسجد!! ذهب طائفة من العلماء إلى أن المسجد إذا بني على أرض مغصوبة لم تصح الصلاة فيه، لكن المراد بالغصب: الغصب الحقيقي، أما لو كان المسجد يحتاج إلى توسيعه وهناك دور متصلة بالمسجد وفيه مصالح، كالمساجد العظيمة كالحرمين ونحوها فـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هدم دار العباس وعاوضه عليها، وأخذ بهذا الصحابة ولم ينكروا عليه رضي الله عنه وأرضاه.
فإدخال الأراضي إلى المساجد بالقوة والقهر لوجود المصلحة العامة هذا مستثنى، أما إذا كان يأخذها ويبني عليها المسجد فهذا من أعظم الظلم، وتتقى الصلاة في مثل هذا، حتى أن الإمام أحمد رحمه الله وأصحابه يرون أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح، وأنه لو صلى في الدار المغصوبة لزمه أن يعيد الصلاة.
ولذلك ينبغي أن يحتاط في هذا، وهذا أمر عظيم، والله عز وجل لا يطاع من حيث يعصى، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، فالله سبحانه طيب كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا) .
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صدقة من غلول) وقد دل على أن التصدق ومحض التبرع والإحسان لا يكون إلا بشيء أحله الله ومن باب أذن به سبحانه، والغصب لم يحله الله ولم يأذن به.
ولذلك لا يجوز هذا الفعل، ولا يسري على هذا المسجد أحكام المسجد، فالوقفية لا تثبت، فلو قال: أوقفت هذه الأرض، فالوقفية لا تثبت، ويصبح المسجد ملكا لصاحبه الأصلي، ويهدم المسجد ثم ترجع الأرض إلى مالكها وهو بالخيار، إن شاء أن يبقيها مسجدا وإن شاء أن يهدمها فله ذلك، والله تعالى أعلم.