عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 07-12-2024, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب البيع)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (362)

صـــــ(1) إلى صــ(18)


شرح زاد المستقنع - باب الإجارة [8]
العقود إما أن تكون لازمة أو غير لازمة، وقد تكون لازمة لطرف جائزة للطرف الآخر، وعقد الإجارة من العقود اللازمة للطرفين، فلا تنفسخ إلا برضا الطرفين، أو بتلف العين المؤجرة، أو بموت المرتضع أو المرضعة، أو يموت الراكب في الطريق، ولا ينفسخ العقد بضياع نفقة المستأجر.
هذه مسائل تعتبر قواعد تحتذى في معرفة أحكام فسخ الإجارة، وقد ذكر الشيخ أمثلة من الواقع المعاصر، وأمثلة على الإجارات الطبية، وهي مسائل يهم كل مسلم معرفتها.




أنواع العقود


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وهي عقد لازم] .
شرع المصنف رحمه الله في هذا الفصل في بيان ما يتعلق بنوعية عقد الإجارة، والعقود التي تقع بين الناس منها ما أوجب الله عز وجل على المتعاقدين أن يمضيا ويتما العقد على الوجه الذي اتفقا عليه، ومنها ما خير الله فيه الطرفين، فكل منهما بالخيار بين أن يتم العقد ويمضيه وبين أن يتراجع عنه، سواء وجد السبب أو لم يوجد.
فالنوع الأول من العقود: هو الذي فرض الله على كل واحد من المتعاقدين أن يمضي فيه ولا يتراجع عنه إلا برضا من الطرف الثاني، ويسمى بالعقد اللازم.
وأما النوع الثاني: فهو الذي خير الله سبحانه وتعالى فيه كلا المتعاقدين، فجعل له حظ النظر في أن يمضي في العقد أو يلغيه، سواء وجد سبب أو لم يوجد، وهذا يسمى بالعقد الجائز.
وهناك نوع ثالث من العقود: وهي العقود التي تكون لازمة لطرف وجائزة بالنسبة لطرف ثان، فهذا النوع من العقود فرض الله على أحد الطرفين دون الآخر أن يتم ما التزم به، والطرف الثاني بالخيار؛ إن شاء أتمه وإن شاء امتنع.
فمثال النوع الأول: البيع، فإذا أوجب المتعاقدان الصفقة وأتما العقد، فكل منهما مخاطب من الله سبحانه أن يتم الاتفاق والعقد على حسب ما وقع بينهما.
وأما النوع الثاني: فمثل الوكالة والشركة، فإذا شاركت شخصا وقلت له: أدفع مائة ألف وتدفع أنت مائة ألف، واتفقتما على الشركة، ثم قلت بعد ساعة أو بعد نصف ساعة أو بعد كلامك مباشرة: لا أريد.
فلك ذلك، ولو جئت بعد سنة في أي لحظة من ليل أو نهار تقول: لا أريد.
فلك ذلك، وهذا يسمى بالعقد الجائز، أي: لك فسخه ولك حظ النظر في الفسخ والإمضاء في أي وقت وأي ساعة، سواء وجد العذر أو لم يوجد، وليس من حق الطرف الثاني -وهو ندك ونظيرك- أن يقول: لا أفسخ.
بل لك أن تقول له: الخيار لي، أفسخ سواء وجد العذر أو لم يوجد، فلست بملزم.
ومثال النوع الثالث: الجعالة، فمن قال: من أحظر سيارة مفقودة فله عشرة آلاف.
فكلا الطرفين بالخيار، لكن لو أن شخصا وجد السيارة المفقودة عند وجدانها تراجع صاحب السيارة عن الكلام الذي قاله، أي: وجدها قبل أن يتراجع عن هذا العقد، فحينئذ نلزمه بالعشرة الآلاف، ونقول للطرف الثاني: لست بملزم بأخذها، إن شئت أخذتها وإن شئت تركتها.
إذا: الجعل يكون لازما لطرف دون طرف ثان.
أو مثل ضمان الأموال بالاستهلاك، وكالكتابة، ونحو ذلك من العقود.
وأما بالنسبة للإجارة فقال المصنف: (وهي) أي: الإجارة (عقد لازم) .
فكل نوع من أنواع الإجارات وقع بين طرفين فأكثر فإننا نلزم كلا الطرفين بإمضاء العقد، ونقول: ليس من حقك الرجوع عن هذا العقد إلا برضا الطرف الثاني.
فلو قال له: أجرتك عمارتي بمائة ألف سنة كاملة ابتداء من غد.
وقال: قبلت.
وأتم العقد وأوجب، وافترقا؛ على القول باشتراط خيار المجلس أو لم يفترقا على القول الثاني؛ فإنه إذا تم العقد لزم الطرفين، وليس من حق صاحب العمارة أن يقول: تراجعت.
ولا من حق الذي يستأجر أن يقول: تراجعت.
نقول للمؤجر: أنت ملزم بإتمام الصفقة، ويجب عليك أن تسلم العمارة في المدة المتفق عليها، ونقول للمستأجر: يجب عليك أن تمضي في استئجار العمارة.
هذا في إجارة الدور.
ولو استأجر شخصا لعمل عنده في البيت فقال له: اخدم هذا البيت، أو اعمل عندي في البيت، وقم على مصالح بيتي؛ وأعطيك ألفا في كل شهر.
أو استأجره لحراسة مزرعة أو القيام عليها، فقال له: لك في الشهر ألف ريال، أو تعمل عندي هذا الشهر ابتداء من كذا إلى نهاية كذا بألف.
فقال: قبلت.
فكلا الطرفين ملزم بهذا العقد، وليس من حق صاحب المزرعة أن يتراجع، ولا من حق العامل أن يتراجع.
فإذا: المصنف حينما قال: (وهي) أي: عقد الإجارة بجميع صور الإجارة.
(عقد لازم)، واللازم: هو العقد الذي لا يملك أحد الطرفين الرجوع عنه أو فسخه إلا بإذن الآخر، فلو أن شخصا جاء لرجل وقال له: أجرني سيارتك إلى مكة بألف.
فقال: قبلت.
وتمت الصفقة بينهما، ثم جاءه بعد ساعة أو بعد فترة أو في نهاية المجلس وقال: طرأ عندي ظرف، وأريدك أن تقيلني من هذه الإجارة، قال: أنت في حل.
حينئذ تنفسخ الإجارة، لكن لو قال: لا أقيلك.
فإنه يلزم بالإجارة ويلزم بإتمام العقد على الصفة التي اتفق عليها الطرفان.




عقد الإجارة من أنواع العقود اللازمة


قال رحمه الله: (وهي عقد لازم) .
أما هذه المسألة -وهي مسألة لزوم عقد الإجارة- فهي مسألة عامة شاملة لجميع أنواع الإجارات، فلو سألك الطبيب والمهندس والخياط والنجار والحداد عن أي صفقة من صفقات الإجارة أتمها وأوجبها مع الطرف الثاني: هل له حق الرجوع أو ليس له حق الرجوع؟ تقول: الأصل أنك ملزم والطرف الثاني ملزم بإتمام هذا العقد الذي اتفقتما عليه، وليس لك حق الرجوع إلا بإذن صاحبك، إلا فيما يستثنى من الأسباب الموجبة للفسخ كما سيأتي إن شاء الله بيانها.
بقيت مسألتان: المسألة الأولى: هل لزوم الإجارة محل إجماع أم فيه خلاف؟
الجواب جماهير السلف والخلف والأئمة ودواوين العلم كلهم رحمة الله عليهم على أن عقد الإجارة عقد لازم، ولم يخالف في هذه المسألة إلا بعض الفقهاء، وهو قول للأفراد، ويحكى عن بعض أئمة التابعين، ولكنه قول شاذ لا يقدح في الإجماع، والإجماع على أن عقد الإجارة عقد لازم.
المسألة الثانية: ما هو الدليل على أن عقد الإجارة عقد لازم؟ دل على هذه المسألة دليل النقل والعقل: أما دليل النقل: فإن الله يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله أمر بالوفاء بالعقد وإتمامه، والمضي فيه على الوجه الذي اتفق عليه الطرفان، وكذلك عمم، فقال: (أوفوا بالعقود) ، ولم يستثن عقدا، فدخلت الإجارة تحت هذا العموم، ونقول: الإجارة لازمة لأنها عقد، والله فرض علينا في العقود أن نتمها ونمضيها على وجهها، فليس لأحد الطرفين الرجوع عن هذا العقد الذي اتفقا عليه.
أما دليل النظر: فالقياس الصحيح، قالوا: الإجارة عقد لازم كالبيع؛ بجامع كون كل منهما عقد معاوضة.
وتوضيح هذا القياس: أن الفرع الذي يستدل له هو الإجارة، والأصل المقيس عليه هو البيع، والحكم لزوم العقد، والعلة التي تربط بين الطرفين كالآتي: نحن متفقون جميعا على أن عقد البيع عقد لازم، ولا يجوز للمسلم إذا أتم البيع أن يتراجع عنه إذا حكم بلزومه، إلا ما يستثنى من حالات الفسخ، وإذا ثبت أن البيع لازم فالإجارة كالبيع.
وجه الشبه بين الإجارة والبيع أنك في البيع تعاوض، فتدفع المال لقاء السلعة والعين والذات، وفي الإجارة تدفع المال لقاء المنفعة، فكما أنه يجب الوفاء في ذلك العقد من عقود المعاوضات كذلك يجب الوفاء في هذا العقد من عقود المعاوضات، فالمسلم خرجت منه كلمة التزم بها أن يؤجر، فنلزمه بهذه الكلمة كما نلزمه إذا خرجت منه وهو ملتزم بالبيع، فنقول: نلزمك أن تؤجر كما يلزمك أن تبيع وتسلم المبيع.
وهكذا نقول للمستأجر: يلزمك أن تدفع الثمن وتمضي الإجارة، كما يلزم المشتري دفع الثمن وإمضاء البيع.
قوله رحمه الله: (وهي عقد لازم) .
فاللزوم هنا لكلا الطرفين كما ذكرنا، وليس من اللازم الذي يكون لأحد المتعاقدين دون الآخر.
المسألة الأخيرة: لزوم الإجارة إذا تأمله المسلم وجد فيه الخير الكثير، وعلم علم اليقين أن هذه الشريعة شريعة رحمة بالعباد، وأن الله سبحانه وتعالى دفع عن الناس الضرر، فلو كانت عقود الإجارة غير لازمة، لكان من أراد أن يؤجر عمارة في موسم أو نحوه، فجاءه رجل وأعطاه كلمة على أنه يستأجر منه، ثم بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو بعد فوات المستأجرين قال: لا أريد.
فسيكون عليه ضرر بفوات موسم التأجير! وضرر في فوات المتعاقدين والطالبين للسلعة، ثم يكون ذلك وسيلة للإضرار بمصالح الناس وأذية بعضهم لبعض، فيتربص التجار بعضهم ببعض، فيرسلون لرجل من يتم معه الإجارة وعقدها، ثم يتراجع عند فوات سوق تلك العين المؤجرة.
فعلى هذا: لا شك أن لزوم عقد الإجارة فيه حكمة عظيمة، ولو لم نقل: إن عقد الإجارة لازم لتلاعب الناس بحقوق بعضهم بعضا، ولأدى ذلك إلى استغلال الإجارة كوسيلة للضرر، وأدى ذلك إلى فوات حقوق الناس، وأدى ذلك أيضا إلى الشحناء والبغضاء والعداوة.
إلى غير ذلك مما لا تحمد عقباه.




حكم منع المؤجر تسليم العين المؤجرة بعد الاتفاق


قال رحمه الله: [فإن أجره شيئا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له] .
الفاء: للتفريع، (فإن أجره شيئا ومنعه كل المدة أو بعضها) .
في الإجارة طرفان: مؤجر ومستأجر، فأنت إذا قلت: إن عقد الإجارة عقد لازم ينبغي أن تفرع على هذه القاعدة وهذا الأصل؛ أن تفرع اللازم الذي يتعلق بالمؤجر، وأن تفرع اللازم الذي يتعلق بالمستأجر، فابتدأ رحمه الله بالمؤجر.
فقال: (فإن منعه) أي: منع المالك من الانتفاع من العين المؤجرة، ولا يمنع إلا إذا أخلف وعده بإتمام الصفقة، فهو يمتنع من إتمام العقد ويقول: هذه العمارة اتفقت معك أنها بمليون ولا أريد أن أعطيكها، أو لا تستلم العمارة، أو ليس لك عندي شيء، أو لا أعطيك مفاتيحها.
فمنعه أن يستوفي حقه، فإذا منع المؤجر فهو بالإجماع يعتبر ظالما.
وإذا ثبت عند القاضي أن شخصا أتم عقد إجارة وتلاعب وأخلف وعده، فإن من حق القاضي أن يعزره، ثم التعزير يتفاوت على حسب الضرر الذي يلحق، فالإجارات التي فيها مصالح عظيمة وأضرار كبيرة يعزر فيها أكثر من الإجارات التافهة واليسيرة.
فإذا: إن منعه يأثم؛ لأن الله فرض عليه وأوجب عليه بعدما أتم العقد أن يمضي، وأن يفي بما التزم به وما أخذه من العهد على نفسه.
ثم يبقى
السؤال إذا حكمنا بكونه آثما فالإثم مسئولية الآخرة، فيبقى النظر عن مسئولية الدنيا من حيث فوات المصلحة، وامتناع صاحب العين من تمكين المستأجر من حقه، فنقول: نحكم بإثمه، ونحكم بقهره على هذا العقد إن كان في بداية المدة.
مثال ذلك: لو أن رجلا استأجر عمارة بمائة ألف لشهر ذي الحجة، فلما جاء المستأجر يريد أن يستأجر منعه في يوم بداية العقد، أي: جاءه المستأجر وقال له: أعطني المفتاح في ليلة واحد ذي الحجة حتى أستفيد من العمارة التي استأجرتها.
فقال: ليس لك عندي شيء.
فمن ناحية شرعية يفرض عليه، ويلزم بتمكين المستأجر من حقه، ولا يقف القضاء عند قوله: هذا آثم وظالم، بل يفرض عليه ويقول له: أنت تمنع صاحب الحق من حقه؛ لأن منفعة سكنى العمارة خلال الشهر ليست بملك لك، فقد بعتها وأصبحت ملكا للغير، فأنت بامتناعك من تسليم المفتاح والتمكين من الإجارة منعت حق غيرك، وهذا ليس بملك لك، وقد خرجت عن ملكيتك خلال شهر ذي الحجة.
فإذا: (الفاء) : للتفريع، يتفرع على قولنا باللزوم أننا نلزمه ونقهره بالقوة على دفع العين لكي ينتفع بها المستأجر، سواء كانت أرضا أو دارا أو سيارة أو أي شيء اتفق عليه، فنلزمه بذلك.
فإذا منعه لم يخل هذا الفعل من أحوال: الحالة الأولى: أن يمنعه قبل ابتداء العقد ويقول له: ليس لك عندي شيء، وأنا راجع عن الإجارة.
فحينئذ إذا رفع إلى القضاء يفرض عليه القضاء التمكين، ويمكن تلافي هذا الخطأ بإلزامه في مدة الإجارة.
فإذا اشتكى إلى القاضي وأحضر القاضي خصمه وألزمه، وابتدأت الإجارة وأخذ حقه كاملا فلا إشكال؛ لأنه منع من حقه وتوصل إلى حقه بالقضاء.
الحالة الثانية: أن يقول له: لا تأخذ شيئا، وليس لك عندي شيء، والعقد الذي بيني وبينك لاغ.
فألغى العقد من طرف واحد، فالرجل حاول معه وأراد أن يقنعه فلم يستطع حتى مضى شهر ذي الحجة، فإذا مضى شهر ذي الحجة لم يستحق هذا المانع شيئا من الأجرة؛ لأن الأجرة مركبة على المنفعة، وقد منع المنفعة.
قد يقول لك قائل: إنه إذا منعه ومضت المدة نلزمه بدفع الأجرة، فكون هذا خان وامتنع فعلى الآخر أن يفي ولا يمتنع: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) وقد التزم أن يعطيه مائة ألف على شهر ذي الحجة.
نقول: التزم المائة ألف لقاء منفعة، والمنفعة المشتراة غير موجودة، كما لو باعه شيئا ولم يعطه إياه، فإذا: لما كانت مستحقه لشيء ومبنية على شيء، فإنها تفوت بفواته، هذا إذا منعه المدة كلها.
الحالة الثالثة: أن يمنعه بعض المدة، فقال له: لا أؤجرك، والعقد الذي بيني وبينك لاغ، فمضى من الشهر عشرة أيام وبقي عشرون يوما سكنا، فيستحق أجرة العشرين يوما.
ولو منعه عشرين يوما وتمكن من حقه في العشر الأواخر من الشهر يكون له ثلث الأجرة، ولو منعه خمسة عشر يوما وتمكن من حقه في الخمسة عشر يوما، أو سلم له واقتنع بعد نصف الشهر وسلمه المفتاح، نقول: له أجرة نصف الشهر.
وهذا يختلف تبعا لأحوال الناس: إما أن يمنعه كلية، ولكنه يتمكن من حقه من ابتداء المدة، ويستوفي حقه كاملا، فلا إشكال، وإما أن يمنعه ولا يتمكن من حقه بالكلية فلا يستحق الأجرة، وإما أن يمنعه عن بعض الأيام دون بعضها، وحينئذ يستحق بقدر ما أخذ من الأيام، ويستحق الأجرة بقدر ما استفاد المستأجر من الأيام، إن كان نصف الشهر فنصف الأجرة وهكذا.
لكن هنا مسألة: لو أنه اتفق معه على أن يؤجره شهر ذي الحجة، وكل يوم من شهر ذي الحجة بألف، فاتفق معه على شهر ذي الحجة، ولكن لم يقل: كل يوم بألف، بل قال له: هذه ثلاثون ألفا لقاء شهر ذي الحجة، وتم العقد على هذا، ثم شاء الله عز وجل أنه منعه من الخمسة عشر يوما الأولى، ثم مكنه من بقية الشهر، وكان الشهر ناقصا، فهل يستحق الخمسة عشر ألفا أو يستحق الأربعة عشر ألفا؟
الجواب يستحق أربعة عشر ألفا، ولا يستحق الخمسة عشر؛ لأن نقصان الشهر إلى تسع وعشرين يوما في صورة التمام والكمال، ولا تكون في صورة البعض، ولذلك قال بعض العلماء: إنه في هذه الحالة لا يستحق إلا عن أربعة عشر يوما؛ لأنها تجزأت بتجزؤ المنفعة المستوفاة، فله حق كل يوم بحسبه، لكن لو أنه أوجب الصفقة عن الشهر كاملا، ومكنه من الانتفاع ولم يمنعه، وظهر أن الشهر تسعة وعشرون يوما، فهذا استحقاق مبني على الشهر المسمى، وليس على أجزاء الشهر، وفرق بين الاتفاق على الأجزاء وبين الاتفاق على الكل، وكذلك لو صام شهرين متتابعين وابتدأ من أول الشهر، فإنه قد يصوم كلا من الشهرين تسعة وعشرين يوما، فتصح كفارة له عما أوجب الله سبحانه وتعالى، لكن لو ابتدأ أثناء الشهر وابتدأ في اليوم الثاني فلابد وأن يصوم ستين يوما قولا واحدا عند العلماء.
ففي هذه الحالة يكون المؤجر هو الذي أدخل على نفسه النقص.
وقال بعض العلماء: بل يستحق خمسة عشر ألفا، ووجه ذلك أن العقد تم على الشهر نفسه، فإن كان قد مكنه من النصف كان نصف المسمى لنفس المدة التي استوفي فيها، ويكون له نصف الشهر؛ لأن العقد باسم الشهر نفسه.
ولكن القول الأول أوجه وأصح؛ لأنه حينما منعه أضر بمصلحة نفسه، وانتقل إلى التجزئة بحسابها، وهذا أصل عند العلماء كما ذكروها في الفسوخات، وذكروها في الأمور الطارئة التي توجب زوال عقد الإجارة.




حكم رجوع المستأجر عن الإجارة بعد البدء في العقد


وقوله: [وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه الأجرة] .
هذا من دقة المصنف رحمه الله: فإنه فرع الأحكام في لزوم عقد الإجارة على المؤجر وعلى المستأجر.
قد يقع الامتناع ويقع النقض للعهد والعقد المتفق عليه بين الطرفين من الشخص المستأجر، فلو أن رجلا جاء واستأجر بيتك، وقال: أجرني بيتك هذا بعشرة آلاف في شهر رمضان.
فقلت له: قبلت.
وتم العقد بين الطرفين على أنه يستأجر شهر رمضان بعشرة آلاف، فامتنع من سكنى البيت، قال: العقد الذي بيني وبينك لاغ.
حتى مضى شهر رمضان كاملا وقد سلمته المفاتيح ومكنته، أو مكنته من تسلمها، وقلت له: العقد الذي بيني وبينك كما هو، وهذا بيتك في شهر رمضان، تريد تأتي فهذا حقك، وتريد تتخلف فإن البيت باسمك ولا أؤجره لأحد، ولست بمسئول عنه؛ لأنني بعت منفعته ولا آخذ حق الغير.
فبقيت على التزامك.
إن كان هذا الشخص الآخر امتنع بالكلية وقد مكنته فإنه يلزم بدفع الأجرة كاملة؛ لأن الله فرض عليه العقد، وأنت قد مكنته من حقه، فتستحق الأجرة كاملة، وهو الذي أدخل الضرر على نفسه بامتناعه من الإجارة، وهو الذي فوت على نفسه مصلحة الارتفاق بهذه العين المؤجرة، فعليه أن يتحمل مسئولية نفسه.
أما لو أنه أثناء العقد استأجر شهر رمضان، فامتنع من أول الشهر وجاء في نصفه الثاني، أو العكس: سكن أول رمضان -النصف الأول- ثم جاء في النصف وقال: ما أريد بقية الشهر.
وليس ثم عيب يوجب الفسخ، وليس هناك أمر يستحق به ما قاله، ففي هذه الحالة نقول: أنت ملزم بالعقد على مدته التامة الكاملة، وليس من حقك الفسخ؛ فإن بدأ فيدفع الأجرة كاملة.




أمور ينفسخ بها عقد الإجارة


قال رحمه الله: [وتنفسخ بتلف العين المؤجرة، وبموت المرتضع، والراكب إن لم يخلف بدلا، وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه، لا بموت المتعاقدين أو أحدهما، ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه] .

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]