عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 07-12-2024, 10:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي





ما يلزم المؤجر عند التأجير


وقوله: [وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال والمحامل، والرفع والحط، ولزوم البعير، ومفاتيح الدار وعمارتها] .
عقد الإجارة عقد بين طرفين، وكل واحد من الطرفين ملزم بالتزامات، وينبغي أن يوفي كل مسلم لأخيه ما التزمه، فالمؤجر التزم بتأجير الدار مثلا، حيث قال له: أجرتك هذه العمارة سنة بعشرة آلاف ريال.
فالواجب: أن يمكنه من الانتفاع بهذه العمارة، وأن يمكنه من سكناها، وأن يهيئ كل الأسباب التي تعين على الانتفاع بهذه العمارة.
وفرع العلماء على هذا الأصل: أنه ينبغي أن تكون العمارة بحالة يتمكن من خلالها المستأجر من أخذ المنفعة.
ونصوا على أنه يبني ما انهدم منها إذا انهدم، فمثلا لو أنه استأجرها سنة، وأثناء السنة سقط جدار في البيت بدون تفريط من المستأجر، وبدون تسبب من المستأجر، فنقول للمؤجر: ابن هذا الجدار وأعده كما كان.
ولو أن الأرض تغيرت بدون إضرار من المستأجر فنلزم المؤجر بإصلاحها، وهكذا إذا تعطلت مرافق الماء، أو مرافق الكهرباء، فإنه يطالب بإصلاحها ولكن بشرط: ألا تكون قد تعطلت بسبب من المستأجر، أما إذا كان بتفريط من المستأجر، وهو الذي كسر هذه الأدوات أو أخل بها فلا، فإنه يطالب بضمان؛ لأن اليد يد أمانة.
وهكذا بالنسبة لإجارة الدواب كما ذكر المصنف رحمه الله من الرحل على الدابة والزمام، لأنه لا يمكن أن يقود البعير إلا إذا كان بزمامه، وكذلك الرحل والشداد -الذي يسمى في عرف اليوم (الشداد) شداد البعير- وشد المتاع أيضا.
وإذا كان قد استأجر صاحب سيارة من أجل أن يركب للحج، فيطالب بكل شيء جرى عرف السيارات بتهيئته في إجارة الحج، فلو أنه استأجره لنقله من المدينة إلى مكة ومعه عفشه أو متاعه، وهذا العفش والمتاع جرت العادة أن يوضع على سطح السيارة وأن يشد ويغطى، فنقول: يلزمك شداد ويلزمك شده وتغطيته؛ لأنه لو لم يغط ربما استضر بالمطر، ولو لم يغط ربما مع الهواء يطير، وربما يتفسخ ويتضرر، فنقول: يلزمك شداده ويلزمك غطاؤه؛ لأن العرف جار بهذا.
فإذا: الشريعة تقول: كلا الطرفين ينبغي عليه أن يوفي بالتزاماته، وتتفرع على هذا جميع مسائل الانتفاع والارتفاق بالعيون المؤجرة والأشخاص والدواب، وكلها ينبغي للمؤجر أن يفي للمستأجر بجميع الالتزامات، وأنه يمكنه من الأعيان على وجه يستطيع أن يحصل المنفعة التي استأجر من أجلها، سواء كانت للسكنى أو للركوب أو لغير ذلك من المنافع.
فلو أن رجلا استأجر رجلا من أجل أن يوصله إلى مكان فركب معه، نقول: كل شيء يتعلق بمركبه، ينبغي أن يهيئه وأن يحافظ عليه، وأن يكون على وجه لا يضر فيه أخاه، وأن يمكن الذي دفع الأجرة له أن يكون على الوجه المعروف، ولا يضر به، فلو أن المركب الذي يركب عليه تعطل، أو المركب الذي يركب عليه لا يستطيع أن يرتاح فيه فيستضر أثناء مشي الدابة أو السيارة، نقول: يلزمك أن تهيئ له مركبا لا يستضر به.
كذلك أيضا: لو كان نوع السيارة التي استأجرها والقيمة التي دفعها لسيارة ينبغي أن تكون مكيفة، فينبغي أن يهيئ مكيفا، فلو قال: المكيف عطلان.
فلهذا الرجل أن ينقص من أجرته، وتكون أجرته أجرة السيارة الذي ليس فيها هذا النوع من التكييف؛ لأن العدل والقسط أن مثل هذه السيارات يعطى له هذا النوع من الأجرة.
كذلك ذكروا في مسألة وضع الأمتعة أنهم كانوا في القديم متعارفين على أن رائد البعير أو الجمال الذي يقوم بقيادته هو الذي يضع الأمتعة وينزلها، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (كنت أخدم آل غزوان، أقودهم إذا ركبوا وأحمل نساءهم إذا نزلوا) .
وهذا يدل على أن المؤجر في الأصل يلزم بمسألة حط الرحل ورفعه على الدابة.
في زماننا: وضع الأمتعة على السيارة، لا يأتي يقول للراكب: أنت الذي تضع الأمتعة.
هذه كلها أمور مقررة، جرى العرف أن السائق هو الذي يقوم بوضع هذه الأمتعة ورصفها والقيام بها على الوجه الذي جرى به العرف.
فهذه كلها التزامات، ولكن هناك أمور لا تلزم، فمثلا: لو أنه ركب في سيارته ثم نزلوا في محطة أو استراحة، فقال له: أريد أن أجلس في هذه الاستراحة ساعة وعليك أن تدفع الأجرة لي.
نقول: صاحب السيارة ليس ملزما بهذا، لأن هذا خارج عن منفعة الركوب، وليس له علاقة بالركوب، لكن مسألة رفع وإنزال المتاع كله تابع للركوب، وعليه القيام بحفظ الدابة ورعايتها كما سيذكر المصنف رحمه الله في قيادتها والقيام برعايتها حتى يتمكن المستأجر من أخذ منفعته على الوجه المعروف.
وقوله: [ومفاتيح الدار وعمارتها] .
وبالنسبة للدور فيعطيه مفتاح الدار، فإذا أجره يقول له: هذا مفتاح الدار.
فإذا أجره وأعطاه مفتاح الدار، وكانت الدار (كوالينها) -كما هو موجود في زماننا- معطلة، فنقول: أنت ملزم بإصلاح هذه (الكوالين) ، ما لم يكن المستأجر قد دخل إلى الدار ورأى كوالينها معطلة ورضي بذلك، فليس بملزم؛ لأنه رضي بالشيء الموجود، وحينئذ إذا أراد أن يضع من عنده كوالين فليضع، ولكن إذا كان لا يعلم، وقال له: أجرتك شقة أو عمارة في الموضع الفلاني بصفة كذا وكذا، ولم يجد بها حفظا أو حدا لأبوابها، فيطالبه بها.
ونحن نقصد بذكر الأشياء الموجودة الآن لأنها تعم بها البلوى، كما لو نزل في فندق أو نزل في استراحة فلم يجد سخان الماء في زمان بارد، فنقول: أنت ملزم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن ينتفع بهذا المنزل إلا إذا كان ماؤه ميسرا، وإذا كان البيت لا سخان به فيكون في هذه الحالة قد أضر ما لم يقل له: إن هذه الاستراحة أو هذا المنزل لا سخان فيه مثلا.
فإذا: لابد أن يكون المؤجر قد هيأ جميع الأسباب للمستأجر حتى يتحصل على حقه على الوجه المعروف.
وقوله: [فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة] .
هذا ما يسمى في بزماننا بـ (البيارات) -أكرمكم الله- وهي أماكن تحفر، وكانوا في القديم قبل الصرف الصحي، تكون هناك بالوعات -أكرمكم الله- والبالوعات: مجاري الماء التي تفضي إلى البيارات ونحوها، فكان يقع الشجار بين المؤجر والمستأجر على تنظيف البيارات.
والذي اختاره جمهور العلماء رحمهم الله: أن البيارات -في الأصل- ينبغي أن تكون نظيفة حتى يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين، فإذا استلمها نظيفة مفرغة ثم ملأها المستأجر، فنقول للمستأجر: أنت الملزم بتفريغها وتسليمها كما استلمتها، لكن في زماننا الآن يوجد الصرف الصحي، فإذا كان للصرف الصحي مال وكلفة، فيدفع المؤجر الكلفة قبل دخول المستأجر، ثم إذا دخل المستأجر فيلزمه المؤجر بدفع قيمة الصرف خلال مدة الإجارة، وقس على ذلك بقية الحقوق المتعلقة بالاستهلاك.



الأسئلة





هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر












السؤال ما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان؟
الجواب إن العشر الأواخر هي أفضل ما في هذا الشهر؛ لأن فيها ليلة القدر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحيا ليالي العشر، والتفضيل للعشر من جهة الليالي لا من جهة الأيام، بمعنى: أن الفضيلة في العشر من جهة إدراك ليلة القدر، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله: إن أيام عشر من ذي الحجة أفضل من العشر الأواخر؛ لأن فضيلتها شاملة لليل والنهار، ولذلك لما أقسم الله عز وجل وقال: {والفجر * وليال عشر} [الفجر:1 - 2] خص الفضيلة بالليالي العشر، وجعلت فضيلة العشر الأواخر من جهة الليل؛ ولذلك شد النبي صلى الله عليه وسلم مئزرة وأحيا ليله، فالعشر الأواخر فضلها بالليل، فيحرص المسلم على إحياء هذا الليل؛ طلبا والتماسا لليلة القدر.
وقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هديه في هذه العشر، فقد كان عليه الصلاة والسلام يبين فضلها ويرغب فيها كما ثبت في الحديث الصحيح؛ أنه جاءه جبريل حينما اعتكف العشر الوسطى من رمضان، وقال: (يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك) أي: إن ليلة القدر التي تطلبها ليست في النصف الأوسط من رمضان وإنما هي في العشر الأواخر، فاعتكف عليه الصلاة والسلام العشر الأواخر.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام: أنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، فيدخل عليه الصلاة والسلام إلى مسجده، ويدخل قبته بعد فجره صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لابد للنفس من راحة.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام البقاء في هذه العشر تامة، أي: يعتكفها تامة، وهذا أفضل وأكمل، وأما لو اعتكف بعضها وترك البعض فإنه لا بأس بذلك، وهذا شبه إجماع بين العلماء رحمهم الله أنه لا بأس باعتكاف العشر كاملة أو اعتكاف بعضها أو الاعتكاف في سائر أيام السنة، أما الأفضل والأكمل فأن يعتكف العشر تامة كاملة تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأفضل ما في هذه العشر الليالي الوتر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (تحروها، فمن كان متحرها فليتحرها في الوتر من العشر الأواخر) .
وكان مما نص العلماء رحمة الله عليهم من فضله وما ينبغي على المعتكف أن يشتغل به: كثرة تلاوة القرآن، وإذا كان بالليل فإن الأفضل له والأكمل أن يتلو القرآن وهو قائم في صلاته، بأن يجعل تلاوة القرآن في ليله في الصلاة.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم السنة والفضل لمن أدرك ليلة القدر أن يكون من دعائه أن يلتمس عفو الله عز وجل، فإن أعظم نعمة ينعم الله بها على العبد بعد الإيمان والتوحيد أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! ماذا أقول لو أني أريتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) فاستفتح عليه الصلاة والسلام بتمجيد ربه والثناء عليه بما هو أهله، وجعل الثناء مجانسا للمسألة والحاجة، فقال: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) .
فيستشعر المسلم أن هذه العشر ليال مفضلة، وأنه لا ينبغي له أن يكون أخسر الناس صفقة من رحمة الله عز وجل، فإن الغبن غبن الآخرة، وأما غبن الدنيا فإنه يسير، والله يجبر كسرها، ولكن ليس لكسر الآخرة من جبران، ولذلك كان من سؤال المسلم: اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني، فالإنسان يستشعر أن هذه العشر أيام نفحات ورحمات وبركات ودرجات ومغفرات، وغير ذلك مما ينزل الله عز وجل من الخيرات.
فاستشعر ألا تكون أخسر الناس صفقة في جنب الله عز وجل، بل عليك أن تحسن الظن بالله، وأن تقبل عليه بصدق ورغبة وقوة يقين في الله جل جلاله، فإن الله يحب من عبده أن يحسن الظن به، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عن أعز المواطن وأشدها كربا على العبد وهي حالة الموت-: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) .
فالأفضل أن تدخل العشر على الإنسان وهو يحسن الظن بالله عز وجل، أنه لا أرحم ولا أكرم منه سبحانه، وأنه سبحانه وتعالى ربما يغفر للإنسان في لحظة من لحظات الخشوع، ولربما دمعة تغسل ذنوب العبد، فهذه شربة ماء لكلب من بغي من بغايا بني إسرائيل غفر الله بها ذنوبها، وغصن شوك يزحزح عن طريق المسلمين غفر الله به الذنب وأدخل به الجنة، والله كريم.
فينبغي أن تدخل العشر على المسلم وهو يحسن الظن بالله، بأنه لا أكرم لا أعظم من الله سبحانه وتعالى في بره وإحسانه ورحمته، ويثني على الله بما هو أهله، ويتذكر العبد أنه مسيء ومخطئ ومذنب، وأنه لا ملجأ ولا منجى له من الله إلا إليه.
أما الأمر الثاني: فيوصى المسلم في اتباعه لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص، فإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر فليدخل المعتكف وهو يريد وجه الله، ولا يعلم أحدا بأنه معتكف، ويحرص على ألا يراه أحد من الناس، وألا يشعر الناس أنه معتكف؛ حتى يكون أبلغ في إخلاصه وإرادته لوجه ربه، وأن يكون كل ما يصدر منه من قول وعمل وتلاوة وركوع وخشوع وخضوع وسجود وإنابة وغير ذلك من ذكر الله عز وجل، خالصا لوجه الله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب، فإذا بلغ هذه المرتبة المنيفة تقبل الله أقواله وتقبل الله طاعته، ووجد لاعتكافه لذة وحلاوة وطلاوة، ووجد له أثرا في قلبه، وبارك الله له في ساعات ليله ونهاره.
كذلك أيضا: ينبغي عليه أن يهيئ الأسباب لعمارة الوقت بذكر الله عز وجل، فهو يتصور لو أن هذه الليلة التي اعتكفها هي آخر ليلة يعتكفها، ويتصور هل يدرك رمضان آخر أم لا يدركه، ولو أدرك رمضان الآخر هل يكون مشغولا أو غير مشغول، فيحس أن الله أنعم عليه بنعمة إذ فرغه لهذا الخير، فيحرص على ألا يغبن في هذه المهلة، وأن يغتنم كل دقيقة وكل ثانية وكل لحظة.
كذلك أيضا: ينبغي عليه أن يحرص في حال اعتكافه على كمال المراتب، وأكمل ما يكون الإنسان في ذكره لربه في الخشوع، والخشوع سر بين العبد وبين ربه في قلبه، فإنه إذا خشع قلبه لله سبحانه وتعالى سكنت جوارحه واستكانت وتذللت لله سبحانه؛ فأحب الله مقامه، وهذا من مقامات العبودية لله، وهو مقام الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ووعدهم بجنات عدن، ووعدهم بالمنازل الحسنى في الآخرة.
فإن كمال العبادة أن يكون المرء حريصا على الإخلاص وكثرة الذكر، وإذا صحب هذين الأمرين خشوع صادق فإنه بخير المنازل.
إذا جاء يصلي وراء الإمام فليستشعر أنه ينافس غيره، ويسأل الله أن يكون أخشع الناس عند سماع هذا القرآن، وإذا جاء يصلي وهو وحده يسأل الله عز وجل أن يكون أخشع الناس في مقامه في تلك الساعة وتلك اللحظة، فيسأل الله عز وجل منازل العلى في طاعته، ويهيئ لنفسه الأسباب من الاستكانة والذلة.
وكذلك: عليه إذا أدى العبادة ألا يفرح وألا يغتر، فإن الأمور مدارها على القبول، وألا يحس أنه يدل على الله بطاعته، فكل كلمة يقولها وكل طاعة يتقرب بها إلى الله فالفضل فيها كله لله سبحانه وتعالى، فكلما انتهى من طاعة أثنى على الله بما هو أهله، وعليه أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من أوفر عباده حظا في هذه العشر وفي كل فضل، وفي كل رحمة ينزلها، وفي كل بركة يقسمها، وألا يحول بيننا وبين فضله ورحمته بما يكون من ذنوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.



حكم الاشتراط في الاعتكاف


السؤال هل يصح الاشتراط في الاعتكاف؟
الجواب الاشتراط في الاعتكاف مذهب قياسي مبني على قياس عبادة على عبادة، حيث قالوا: يجوز الاشتراط في الاعتكاف كما يجوز الاشتراط في الحج، والاشتراط في الحج والعمرة أصله حديث ضباعة رضي الله عنها أنها قالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية.
فقال لها: أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني.
فإن لك على ربك ما اشترطت) وهذا الأصل فيه ما فيه، ولكن المنبغي والأفضل أن الإنسان يدخل المعتكف وقد هيأ لنفسه أن يعتكف اعتكافا تاما كاملا، فإن جاءه ظرف ضروري خرج لهذا الظرف الضروري وقطع اعتكافه واستأنف بعد ذلك.
أما الاشتراط فمسألة مبنية على القياس، ومن قال بها من أهل العلم فقوله صحيح على حسب قواعد العلماء بأن مذهب القياس على الأصل الصحيح صحيح، ولكن الإشكال: أن الأصل في الاعتكاف اللزوم، والأصل الذي قيس عليه وألصق به هذا الفرع مختلف فيه؛ لأن الاشتراط في الحج جاء على صورة خاصة، وخرج عن القياس، والقاعدة في الأصول: أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس.
وتوضيح ذلك: أن الأصل تمام الحج، ولذلك قال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196] فلما جاءت ضباعة رضي الله عنها وقالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية) معناه: أن حالتها حالة مرض، ومع ذلك كلفت نفسها مع وجود المرض أن تحج، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم رخصة لوجود هذا العذر، وقال لها: (أهلي واشترطي) ولذلك قوي مذهب من يقول إنه خارج عن الأصل، وهذا الذي يطمأن إليه كما قدمناه في كتاب المناسك، وذكرنا أقوال العلماء في هذا الحديث، ووجهنا هذا الحديث، وبينا أن الأقوى والأشبه في هذه الرخصة تقييدها بالنص النبوي الوارد؛ لأن القاعدة في التعليل والأقيسة: أن تفقه وتفهم المراد من نفس النص، فالنص إن جاء أصلا بذاته قست عليه غيره؛ لأن الأصل إتمام الحج، وهنا يقول لها: (محلك حيث حبسك) مع أنه في الحج والعمرة لو أحصر بالعدو فإنه يتحلل بالدم، وهنا يتحلل بدون دم، وهذا يقوي على أنه خارج عن الأصل، ولذلك مذهب طائفة من العلماء ومذهب الجمهور على أنه يتقيد بما ورد، وأنه لا يقاس عليه من لم يكن عليه حاجة من مرض ونحوه.
ولذلك لو جئنا نقيس الاعتكاف، فالاعتكاف من حيث هو عبادة خاصة لها أصل شرعي قصد منه تهذيب النفس وقيامها على محبة الله ومرضاته على وجه تام كامل لتحصيل فضيلة ليلة القدر، فهو إذا جاء يشترط ويخرج في الليل أثناء الاشتراط خالف المقصود؛ لأن المقصود لزوم المساجد للعبادة.
أنا أقول هذا كمسلك أصولي، أي: الكلام على المسألة كمسألة أصولية، لكن لو أنك سألت عالما وقال بالاشتراط ورأيت قوله؛ فلا بأس أن تعمل به، لكن فيما يظهر من ناحية الأدلة ومن ناحية النظر في النصوص الواردة أن مذهب الاشتراط مذهب قياسي بلا إشكال، قاسوا الاعتكاف على الحج والعمرة، والحج والعمرة نفس الاشتراط فيه خلاف.
ثم إذا قلنا في الحج والعمرة بجواز الاشتراط فقد سلكوا مسلكين: مسلك يقول: أنا أقتصر على النص، فالنص جاء في ضباعة، وهي مريضة، فالمريض الذي عنده مرض ودخل الحج والعمرة وهو مريض يشترط، أما من كان صحيحا فإنه لا يشترط، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى ذي الحليفة بعد قضية ضباعة، وأهل مع الصحابة وما قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني، ولم يقل لمن أراد النسك: اشترطوا على أنفسكم: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني.
ما قاله إلا لامرأة شاكية عندها عذر، فنعمل كل نص كما ورد.
نقول: الأصل إتمام الحج والعمرة، ونفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نشترط إلا عند وجود العذر، والقاعدة: أنه إذا جاء النص على وجه خاص خارج عن القياس والأصل وفيه ما يشعر بتخصيص الحكم به؛ وجب تخصيص الحكم به.
فأنت إذا رأيت الاشتراط تخفيف ومخالف للأصل الملزم بالإتمام، ومسقط للدم الواجب عند الحصر، فذلك كله خلاف نصوص واردة، أما الإتمام الذي ألزمنا به فلنصه تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196] وهذا لا يتم؛ لأنه إذا قال: إن حبسني حابس.
فإنه يريد أن يتحلل مباشرة.
ثانيا: أنه لا يتم للمرض، والأصل في المرض: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى} [البقرة:196] له فديته، وله ارتفاقه في المرض، فجاء لأن وجود هذا المرض الذي يحول بينه وبين إتمام الحج أن يشترط ويحج، فخالف الأصول، فإذا جئنا نقيس فينبغي أن نقيس على أصل لذاته يمكن القياس عليه، أما بالنسبة لأصل مختلف في عمومه لذاته، أي: حتى في نفس العبادة التي هو فيها مختلف فيه هل هو عام بحيث يشترط في كل حج وعمرة، ولكل شخص أن يشترط؟ أم هو خاص بمن كان عنده حاجة وضرورة ودخل الحج والعمرة؟ ولو أردت أن تحرر القياس صحيحا فتقول: ممكن أن يشترط المعتكف إذا كان عنده مرض أو عنده ضرورة، حتى يكون هناك نوع من التوافق في تركيب الفرع على الأصل، أما أن يأتي الرجل السوي ويقول: أشترط أن أخرج للاتصال على والدتي، وأشترط أني بعد المغرب أتصل على أهلي، وأشترط أنني كذا وأنني كذا! هذا كله خلاف الأصل.
قد كان عليه الصلاة والسلام يمر على المريض ولا يعرج عليه كما في حديث عائشة رضي الله عنها، وكان عليه الصلاة والسلام لا يخرج إلا لحاجة.
فنحن نقول: الأصل في الاعتكاف؛ بل الاعتكاف أصله يدل على اللزوم والملازمة للعبادة، فإذا أصبح الشخص يخرج كل حين، فيخرج لقضاء حاجته، ثم يشترط فطوره، ثم يشترط سحوره، وإن تيسر بينهما أكلة بين الأكلتين فلا بأس أن يشترط، فتجد الآن الشخص ينام النهار من بعد الفجر إلى الظهر، ثم بعد الظهر إذا ذهب وتوضأ ربما أنه يجلس بين الظهر والعصر يحدث أخاه عن بعض الأمور التي وقعت له في وضوئه أو زحامه، أو ما رآه أثناء خروجه ودخوله، ثم إذا أذن العصر قرأ ما تيسر له من القرآن، وقبل المغرب ينشغل بتهيئة فطوره، ثم إذا انتهى من الفطور رغب في أن يأكل شيئا ما إن تيسر، وبعد العشاء يصلي التراويح، فإذا انتهى من التراويح أصبح محتاجا كل حين إلى الذهاب إلى دورة المياه.
وهذا واقع، حتى عدنا لا نجد للاعتكاف لذة! ثم يذهب لقضاء حاجته، ولربما يكون قد اشترط أن يأكل بين التراويح وبين التهجد شيئا يعين على التهجد، وكأنه جاء إلى أمر فيه كرب شديد أو خطب عظيم، فلا يوجد استشعار أن الاعتكاف مدرسة يراد بها تهذيب النفوس بالاستغناء بالله عز وجل.
وأبو ذر رضي الله عنه مكث أربعين يوما على ماء زمزم، فلو أننا أخذنا بالفتوى وقلنا: عنده طعام وطعم وشفاء سقم، فلا حاجة في الاعتكاف لأن يخرج للسحور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه طعام طعم وشفاء سقم) .
وإذا خرج بعد التراويح إلى طعامه وأكل ما تيسر ثم صلى التهجد فيحتاج أيضا أن يذهب لقضاء حاجته، ثم إذا انتهى من التهجد اضطجع؛ لأنه يحس بالإرهاق والتعب، ثم يؤذن الفجر! فأين الاعتكاف؟! وهذه عبادة يراد بها قوة الشكيمة في الطاعة، وأناس خرجوا من الاعتكاف وهم يحبون القرآن وختمه كل ثلاث ليال؛ لأنه في أثناء الاعتكاف وطن نفسه على ذكر الله عز وجل، وأناس يعتكفون فيخرجون من الاعتكاف بالتهذيبات: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ، والمداومة على (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، حتى أنه حفظها أثناء العشرة الأيام؛ فأصبحت ديدنه للعام.
فهذه الأوقات معينة يقصد منها تهذيب النفوس، ولا يقصد منها الجلوس مع زيد وعمرو، فقد تجد المعتكف الكامل الاعتكاف الذي يدخل وهو يحس بلذة المناجاة لله، وحلاوة الأنس بالله سبحانه وتعالى، حتى إن أكره ساعة عنده أن يأتي أحد يقطعه عن ذكره لله سبحانه وتعالى، فيقول في نفسه: طيلة العام وأنا بين الناس، أليست هذه ساعات وسويعات أتفرغ فيها لذكر الله عز وجل؟! وخاصة في الليل، ففي الليل لا أعرف أحدا، وأستغني بالله سبحانه وتعالى.
وليس معنى ذلك أنه يهين البدن، لكن ينبغي أن يهيئ الإنسان نفسه لهذه المدرسة وهذه العبادة، بحيث تكون شكيمته في الطاعة قوية، وعلى قدر الجد والاجتهاد في الطاعات والقربات تتبوأ المنزلة، فانظر إلى العلم إلى القيام إلى الصيام إلى الذكر، فأي عبادة جعل الله فيها مراتب كاملة وحصلها المكلف على أتم وجوهها فإنه يجد ثمرتها على أتم الوجوه وأكملها؛ فلذلك ينبغي لطالب العلم وعلى العامة أن يعلموا، كيف يكون الإنسان معتكفا على أتم الوجوه وأكملها، وجماع الخير كله في تقوى الله سبحانه وتعالى والأنس به جل جلاله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن اتقاه، والتمس رضاه، ووفقه فيما رجاه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصا لوجهه الكريم، وموجبا لرضوانه العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]