عرض مشاركة واحدة
  #326  
قديم 03-12-2024, 08:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ التَّوْبَةِ
المجلد التاسع
الحلقة( 326)

من صــ 86 الى صـ 100






وهؤلاء قد يحتجون بقوله {حتى يسمع كلام الله} ويقولون هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ونحن لا نسمع إلا صوت القارئ وهذا جهل منهم فإن سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون تارة من المتكلم به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ومن قال: إن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو إنا نسمع كلامه كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا. ولو قال قائل: إنا نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه الصحابة منه لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول أنا أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى وإن كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه موسى فليس صوت المخلوقين صوتا للخالق. وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه بالوحي حتى يسمع أهل السموات والأرض صوته كجر السلسلة على الصفا وأمثال ذلك مما جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها أن صفة المخلوق هي صفة الخالق؛ بل ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق فليس كلامه مثل كلامه ولا معناه مثل معناه ولا حرفه مثل حرفه ولا صوته مثل صوته كما أنه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل قدرته ولا سمعه مثل سمعه ولا بصره مثل بصره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ولما استقر في فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام من المتكلم به ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق في سماع كلام الله من المبلغين عنه أوضح من أن يحتاج إلى الإطناب. وقد بين أئمة السنة والعلم - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتابه في خلق الأفعال وغيرهما من أئمة السنة - من الفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت العباد بالقرآن وغيره ما لا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل والدين.
وقال أيضا شيخ الإسلام - قدس الله روحه -:
فصل:

قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} وهو منزل من الله كما قال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}. فأخبر سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقا. وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} وقال تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} ونحو ذلك وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق}.
فأخبر سبحانه أنه منزل من الله ولم يخبر عن شيء أنه منزل من الله إلا كلامه؛ بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك. ولهذا كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود؛ فإن من قال إنه مخلوق يقول إنه خلق في بعض المخلوقات القائمة بنفسها فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من الله فإخبار الله تعالى أنه منزل من الله يناقض أن يكون قد نزل من غير الله؛ ولهذا فسر الإمام أحمد قوله " منه بدأ " أي هو المتكلم به وقال أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن عنه. و " أيضا " فلو كان مخلوقا في غيره لم يكن كلامه؛ بل كان يكون كلاما لذلك المخلوق فيه وكذلك سائر ما وصف به نفسه من الإرادة والمحبة والمشيئة والرضى والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور لو كان مخلوقا في غيره لم يكن الرب تعالى متصفا به بل كان يكون صفة لذلك المحل؛ فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك المحل ولم يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفا بصفة موجودة قائمة بغيره؛ لأن ذلك فطري فما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به. وهذا مبسوط في مواضع أخر.
ولم يقل السلف: إن النبي سمعه من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته} وفي الصحيحين عن {ابن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ علي القرآن قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت إلى هذه الآية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: حسبك فنظرت فإذا عيناه تذرفان من البكاء}.
والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل وهو الذي نزل عليه به وجبريل سمعه من الله تعالى كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة قال تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين} {على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان عربي مبين} وقال تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس - وهو الروح الأمين وهو جبريل - من الله بالحق ولم يقل أحد من السلف: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه من الله وإنما قال ذلك بعض المتأخرين.
وقوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن علينا بيانه} هو كقوله تعالى: {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} وقوله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} ونحو ذلك مما يكون الرب فعله بملائكته. فإن لفظ (نحن هو للواحد المطاع الذي له أعوان يطيعونه فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع المخلوق أعوانه فهو سبحانه أحق باسم " نحن " و " فعلنا " ونحو ذلك من كل ما يستعمل. وفي الصحيحين عن {ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما}.
وقال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله {لا تحرك به لسانك لتعجل به} {إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه لك في صدرك وتقرؤه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} فإذا قرأه رسولنا وفي لفظ: فإذا قرأه جبريل فاستمع له وأنصت {ثم إن علينا بيانه} أي نقرؤه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه ".

وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده في قوله {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فبين سبحانه أن التكليم تارة يكون وحيا وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى وتارة يرسل رسولا فيوحي الرسول بإذن الله ما يشاء وقال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} فإذا أرسل الله تعالى رسولا كان ذلك مما يكلم به عباده فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى: {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم} وإنما نبأهم بواسطة الرسول والرسول مبلغ به كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وقال تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار} وقال صلى الله عليه وسلم لما خطب المسلمين: {ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع} وقال صلى الله عليه وسلم {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه}

وفي السنن عن جابر قال {كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي} وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم لم يقل واحدا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من " الأئمة الأربعة " ولا غيرهم؛ بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله ولما ظهر من قال إنه مخلوق قالوا ردا لكلامه: إنه غير مخلوق ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس فإن أحدا من المسلمين لم يقل إنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم وإنما قالوا إنه مخلوق خلقه الله في غيره فرد السلف هذا القول كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة وقالوا: منه بدأ وإليه يعود.
وأول من عرف أنه قال مخلوق: الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان وأول من عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول. فمنهم من قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يتعدد ولا يتبعض والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل هو مخلوق خلقه في غيره. وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار فإنه من المعلوم بصريح العقل أن معنى " آية الكرسي " ليس معنى " آية الدين " ولا معنى {قل هو الله أحد} معنى {تبت يدا أبي لهب وتب} فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه. ومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا بها. وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح يا إبراهيم يا أيها المزمل يا أيها المدثر كما قد بسطت أقوالهم في غير هذا الموضع ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل أحد من السلف: إن هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له ولا قال أحد منهم إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق فضلا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله وكلام الله غير مخلوق.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تسافروا
بالقرآن إلى أرض العدو} وقال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق والصوت الذي يقرأ به هو صوت العبد والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الباري والصوت الذي يقرأ به العبد صوت القارئ كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا والقرآن كلام الله ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة: يحسنه الإنسان بصوته كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم {لو علمت إنك تسمع لحبرته لك تحبيرا}.

فكان ما قاله أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقا للكتاب والسنة وقد قال تعالى: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} وقال تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} وقال تعالى: " {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} ففرق سبحانه بين المداد الذي يكتب به كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق وكلمات الله غير مخلوقة.
وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} فالأبحر إذا قدرت مدادا تنفد وكلمات الله لا تنفد؛ ولهذا قال أئمة السنة لم يزل الله متكلما كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما.

هذا وقد أخبر سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع فقال تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} وذكر سبحانه نداءه لموسى عليه السلام في سورة " طه " و " مريم " و " الطس الثلاث " وفي سورة " والنازعات " وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} وقال تعالى: {هل أتاك حديث موسى} {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى}
وقال تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا}واستفاضت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ينادي بصوت: نادى موسى وينادي عباده يوم القيامة بصوت ويتكلم بالوحي بصوت ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف كما لم يقل أحد منهم إن الصوت الذي سمعه موسى قديم ولا إن ذلك النداء قديم ولا قال أحد منهم: إن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذي تكلم الله به؛ بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي يتكلم الله به وبين أصوات العباد. وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت من الجهمية كما قال الإمام أحمد لما سئل عمن قال إن الله لا يتكلم بصوت فقال: هؤلاء جهمية إنما يدورون على التعطيل.
(فصل)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة " ويحكم أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلاما لم يخرج من إل " أي من رب. وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج ومنه بدا. أنه فارق ذاته وحل بغيره فإن كلام المخلوق إذ تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ذاتهم.

و " أيضا " فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق والناس إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم بلغوه عنه كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} وقال صلى الله عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج وذكروا قوله {ولكن حق القول مني} فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات. و " من " هي لابتداء الغاية فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم يكن صفة لله كقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وقوله في المسيح: {وروح منه} وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله}.
وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله {ولكن حق القول مني}. وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه وأنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ممن يقول: إنه لم ينزل منه قال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وروح القدس هو جبريل كما قال في الآية الأخرى {نزل به الروح الأمين} {على قلبك} وقال {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} وقال هنا {نزله روح القدس من ربك} فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك وكذلك سائر آيات القرآن كقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقوله {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} وقوله {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} وقوله {الم} {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} وقوله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}.
فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله فمن قال: إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله مكذب لكتاب الله. متبع لغير سبيل المؤمنين. ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض المخلوفات كالمطر بأن قال: {أنزل من السماء ماء}؟ فذكر المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء والقرآن أخبر أنه منزل منه.

وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله {وأنزلنا الحديد} لأن الحديد ينزل من رءوس الجبال لا ينزل من السماء وكذلك الحيوان؛ فإن الذكر ينزل الماء في الإناث. فلم يقل فيه من السماء ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة.
فيكون بنو إسرائيل قد قرءوا الألواح التي كتبها الله وأما المسلمون فأخذوه عن محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن اللوح فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد صلى الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة وفرقه عليهم لأجل ذلك. فقال: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]