
03-12-2024, 09:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ التَّوْبَةِ
المجلد التاسع
الحلقة( 325)
من صــ 71 الى صـ 85
(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75)
قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة وهكذا قوله تعالى {للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك وصبر على ما أصابه من قول أو فعل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
سُورَةُ التَّوْبَةِ
(فصل في التعريف بالسورة الكريمة)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
وقد أنزل الله " سورة براءة " التي تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس قال: هي الفاضحة ما زالت تنزل (ومنهم (ومنهم حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها.
وعن المقداد بن الأسود قال: هي " سورة البحوث " لأنها بحثت عن سرائر المنافقين.
وعن قتادة قال: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين. وعن ابن عباس قال: هي المبعثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان. وعن ابن عمر: أنها المقشقشة. لأنها تبرئ من مرض النفاق. يقال: تقشقش المريض إذا برأ: قال الأصمعي: وكان يقال لسورتي الإخلاص: المقشقشتان؛ لأنهما يبرئان من النفاق.
وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك عام تسع من الهجرة وقد عز الإسلام وظهر. فكشف الله فيها أحوال المنافقين ووصفهم فيها بالجبن وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله والشح على المال.
وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل. قال النبي صلى الله عليه وسلم {شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع} حديث صحيح؛ ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار كما دل عليه قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} وقال تعالى. {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}.
وأما وصفهم بالجبن والفزع فقال تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون}. فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا إنهم من المؤمنين فما هم منهم؛ ولكن يفزعون من العدو. فـ {لو يجدون ملجأ} يلجئون إليه من المعاقل والحصون التي يفر إليها من يترك الجهاد أو (مغارات وهي جمع مغارة. ومغارات سميت بذلك لأن الداخل يغور فيها أي يستتر؛ كما يغور الماء. أو مدخلا وهو الذي يتكلف الدخول إليه إما لضيق بابه أو لغير ذلك. أي مكانا يدخلون إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة (لولوا عن الجهاد {إليه وهم يجمحون} أي يسرعون إسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح الذي إذا حمل لا يرده اللجام. وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا وفيما قبلها من الحوادث وبعدها.
وقال في وصفهم بالشح: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون}. فهذه حال من أنفق كارها فكيف بمن ترك النفقة رأسا وقال: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} وقال: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون}.
وقال في السورة: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون}. فانتظمت هذه الآية حال من أخذ المال بغير حقه أو منعه من مستحقه من جميع الناس؛ فإن الأحبار هم العلماء والرهبان هم العباد. وقد أخبر أن كثيرا منهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون - أي يعرضون ويمنعون.
يقال: صد عن الحق صدودا وصد غيره صدا. وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل: من وقف أو عطية على الدين كالصلاة والنذور التي تنذر لأهل الدين ومن الأموال المشتركة كأموال بيت المال ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين. ثم قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله. والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل الله سواء كان ملكا أو مقدما أو غنيا أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب فما كنز من الأموال المشتركة التي يستحقها عموم الأمة - ومستحقها: مصالحهم - أولى وأحرى.
(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وهذه الأشهر عند جمهور العلماء هي المذكورة في قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} [التوبة: 2].
فإن المشركين كانوا على نوعين: نوعا لهم عهد مطلق غير مؤقت، وهو عقد جائز غير لازم، ونوعا لهم عهد مؤقت، فأمر الله رسوله أن ينبذ إلى المشركين أهل العهد المطلق ; لأن هذا العهد جائز غير لازم، وأمره أن يسيرهم أربعة أشهر، ومن كان له عهد مؤقت فهو عهد لازم، فأمره الله أن يوفي له إذا كان مؤقتا، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الهدنة لا تجوز إلا مؤقتة، وذهب بعضهم إلى أنه يجوز للإمام أن يفسخ الهدنة مع قيامهم بالواجب، والصواب هو القول الثالث، وهو أنها تجوز مطلقة ومؤقتة.
فأما المطلقة فجائزة غير لازمة، يخير بين إمضائها وبين نقضها. والمؤقتة لازمة.
[فصل قال الرافضي الحادي عشر أن رسول الله أنفذه لأداء سورة براءة ثم رده والرد عليه]
(فصل)
قال الرافضي: " الحادي عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - أنفذه لأداء سورة براءة، ثم أنفذ عليا، وأمره برده، وأن يتولى هو ذلك، ومن لا يصلح لأداء سورة أو بعضها، فكيف يصلح للإمامة العامة المتضمنة لأداء الأحكام إلى جميع الأمة؟! "
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم، وبالتواتر العام ; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع، لم يرده ولا رجع، بل هو الذي أقام للناس الحج ذلك العام، وعلي من جملة رعيته، يصلي خلفه، ويدفع بدفعه، ويأتمر بأمره كسائر من معه.
وهذا من العلم المتواتر عند أهل العلم: لم يختلف اثنان في أن أبا بكر هو الذي أقام الحج ذلك العام بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم. فكيف يقال: إنه أمره برده؟!
ولكن أردفه بعلي لينبذ إلى المشركين عهدهم ; لأن عادتهم كانت جارية أن لا يعقد العقود ولا يحلها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته، فلم يكونوا يقبلون ذلك من كل أحد.
وفي الصحيحين م: وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع، في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: " أن: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» "، وفي رواية: «ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي، وأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن علي معنا في أهل منى يوم النحر ببراءة، وبأن لا يحج (* بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان». قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج *) عام حجة الوداع - التي حج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشرك.
قال أبو محمد بن حزم: " وما حصل في حجة الصديق كان من أعظم فضائله ; لأنه هو الذي خطب بالناس في ذلك الموسم والجمع العظيم، والناس منصتون لخطبته، يصلون خلفه، وعلي من جملتهم. وفي السورة فضل أبي بكر وذكر الغار، فقرأها علي على الناس، فهذا مبالغة في فضل أبي بكر، وحجة قاطعة ".
وتأميره لأبي بكر على علي هذا كان بعد قوله: " «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»؟ "، ولا ريب أن هذا الرافضي ونحوه من شيوخ الرافضة من أجهل الناس بأحوال الرسول وسيرته وأموره ووقائعه، يجهلون من ذلك ما هو متواتر معلوم لمن له أدنى معرفة بالسيرة، ويجيئون إلى ما وقع فيقبلونه، ويزيدون فيه وينقصون.
وهذا القدر، وإن كان الرافضي لم يفعله، فهو فعل شيوخه وسلفه الذين قلدهم، ولم يحقق ما قالوه، ويراجع ما هو المعلوم عند أهل العلم المتواتر عندهم، المعلوم لعامتهم وخاصتهم.
الثاني: قوله: " الإمامة العامة متضمنة لأداء جميع الأحكام إلى الأمة ".
قول باطل ; فالأحكام كلها قد تلقتها الأمة عن نبيها، لا تحتاج فيها إلى الإمام، إلا كما تحتاج إلى نظائره من العلماء، وكانت عامة الشريعة التي يحتاج الناس إليها عند الصحابة معلومة، ولم يتنازعوا زمن الصديق في شيء منها، إلا واتفقوا بعد النزاع بالعلم الذي كان يظهره بعضهم لبعض، وكان الصديق يعلم عامة الشريعة، وإذا خفي عنه الشيء اليسير سأل عنه الصحابة ممن كان عنده علم ذلك، كما «سألهم عن ميراث الجدة، فأخبره من أخبره منهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس».
الثالث: أن القرآن بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل أحد من المسلمين، فيمتنع أن يقال: إن أبا بكر لم يكن يصلح لتبليغه.
الرابع: أنه لا يجوز أن يظن أن تبليغ القرآن يختص بعلي ; فإن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد، بل لا بد أن يكون منقولا بالتواتر.
الخامس: أن الموسم ذلك العام كان يحج فيه المسلمون والمشركون، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر أن ينادي في الموسم: " «أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» " كما ثبت في الصحيحين. فأي حاجة كانت بالمشركين إلى أن يبلغوا القرآن.
(وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)
وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -:
عن قوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} فسماه هنا كلام الله وقال في مكان آخر: {إنه لقول رسول كريم} فما معنى ذلك؟ فإن طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون أن هذا حجة لهم ثم يقولون: أنتم تعتقدون أن موسى - صلوات الله عليه - سمع كلام الله عز وجل حقيقة من الله من غير واسطة وتقولون: إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات مختلفة فما الفرق بين هذا وهذا؟ وتقولون: إن القرآن صفة لله تعالى وأن صفات الله تعالى قديمة؛ فإن قلتم إن هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية وإن قلتم: غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن نطلب منكم في ذلك جوابا نعتمد عليه إن شاء الله تعالى.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، هذه الآية حق كما ذكر الله وليست إحدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا في واحدة منهما حجة لقول باطل وإن كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس على قول باطل وذلك أن قوله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} فيه دلالة على أنه يسمع كلام الله من التالي المبلغ وأن ما يقرؤه المسلمون هو كلام الله كما في حديث جابر في السنن: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي} وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما خرج على المشركين فقرأ عليهم: {الم} {غلبت الروم} {في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا بكلام صاحبي؛ ولكنه كلام الله. وقد قال تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} {وجعلت له مالا ممدودا} {وبنين شهودا} {ومهدت له تمهيدا} {ثم يطمع أن أزيد} {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} {سأرهقه صعودا} {إنه فكر وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} "
فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد الذي أصلاه الله سقر. ومن المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} إذا سمعه الناس من المبلغ قالوا: هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو قال المبلغ هذا كلامي وقولي لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله مبتدئا منشئا؛ لا لمن أداه راويا مبلغا. فإذا كان مثل هذا معلوما في تبليغ كلام المخلوق فكيف لا يعقل في تبليغ كلام الخالق الذي هو أولى أن لا يجعل كلاما لغير الخالق جل وعلا. وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال: {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}.
فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس وكلاهما مبلغ له كما قال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وقال: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه ولا معانيه قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} إلى قوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}.
كان بعض المشركين يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من بعض الأعاجم الذين بمكة إما عبد ابن الحضرمي وإما غيره كما ذكر ذلك المفسرون فقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه} أي يضيفون إليه التعليم لسان {أعجمي وهذا لسان عربي مبين} فكيف يتصور أن يعلمه أعجمي وهذا الكلام عربي؟ وقد أخبر أنه نزله روح القدس من ربك بالحق فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذي تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث لحروفه ونظمه؛ إذ يمكن لو كان كذلك أن يكون تلقى من الأعجمي معانيه وألف هو حروفه وبيان أن هذا الذي تعلمه من غيره نزل به روح القدس من ربك بالحق يدل على أن القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه.
ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الناس أو أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد قول لبيد:ألا كل شيء ما خلا الله باطل أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا أو قوله: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع وهذا الشعر قاله منشئه لفظه ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ومعناه القائم بنفسه ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه علم أنه شعر ذلك المنشئ وكلامه ونظمه وقوله مع أن هذا الثاني أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه وقام بقلبه من المعنى نظير ما قام بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد هو الصوت المسموع من المنشئ والشعر شعر المنشئ لا شعر المنشد - والمحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا روى قوله: {إنما الأعمال بالنيات} بلغه بحركته وصوته مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بحركته وصوته وليس صوت المبلغ صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المبلغ له عنه. فإذا كان هذا معلوما معقولا فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارئ إذا قرأ {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} {مالك يوم الدين} أن يقال هذا الكلام كلام البارئ وإن كان الصوت صوت القارئ.
فمن ظن أن الأصوات المسموعة من القراء صوت الله فهو ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين؛ بل قد أنكر الإمام أحمد وغيره على من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق وبدعوه كما جهموا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فكيف من قال لفظي به قديم أو صوتي به قديم؟ فابتداع هذا وضلاله أوضح. فمن قال إن لفظه بالقرآن غير مخلوق أو صوته أو فعله أو شيئا من ذلك فهو ضال مبتدع.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|