
03-12-2024, 08:43 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,239
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
المجلد التاسع
الحلقة( 323)
من صــ 41 الى صـ 55
ولهذا يعاقب الداعية إلى البدع بما لا يعاقب به الساكت ويعاقب من أظهر المنكر بما لا يعاقب به من استخفى به ونمسك عن عقوبة المنافق في الدين وإن كان في الدرك الأسفل من النار. وهذا لأن الأصل أن تكون العقوبة من فعل الله تعالى فإنه الذي يجزي الناس على أعمالهم في الآخرة وقد يجزيهم أيضا في الدنيا.
وأما نحن فعقوبتنا للعباد بقدر ما يحصل به أداء الواجبات وترك المحرمات بحسب إمكاننا كما قال صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقال: {والفتنة أكبر من القتل}.
ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبة التي لحق الله، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله وماله، وكذلك قاطع الطريق والزاني والسارق والشارب إذا تابوا قبل القدرة عليهم لحصول المقصود بالتوبة وأما إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة كلها؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود وحصول الفساد؛ ولأن هذه التوبة غير موثوق بها؛ ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل القدرة عليه بخلاف من أسلم بعد الأسر فإنه لا يمنع استرقاقه وإن عصم دمه. ويبنى على هذه " القاعدة ": أنه قد يقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من يكون عذابه في الآخرة أشد إذا لم يتعد ضرره إلى غيره: كالذين يؤتون الجزية عن يد وهم صاغرون والذين أظهروا الإسلام والتزموا شرائعه ظاهرا مع نفاقهم؛ لأن هذين الصنفين كفوا ضررهم في الدين والدنيا عن المسلمين ويعاقبون في الآخرة على ما اكتسبوه من الكفر والنفاق وأما من أظهر ما فيه مضرة فإنه تدفع مضرته ولو بعقابه وإن كان مسلما فاسقا أو عاصيا أو عدلا مجتهدا مخطئا بل صالحا أو عالما سواء في ذلك المقدور عليه والممتنع.
مثال المقدور عليه إنما يعاقب من أظهر الزنا والسرقة وشرب الخمر وشهادة الزور وقطع الطريق وغير ذلك لما فيه من العدوان على النفوس والأموال والأبضاع وإن كان مع هذا حال الفاسق في الآخرة خيرا من حال أهل العهد الكفار ومن حال المنافقين؛ إذ الفاسق خير من الكافر والمنافق بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم؛ وإن كان قد يكون معذورا فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد.
وكذلك يجوز قتال " البغاة ": وهم الخارجون على الإمام أو غير الإمام بتأويل سائغ مع كونهم عدولا ومع كوننا ننفذ أحكام قضائهم ونسوغ ما قبضوه. من جزية أو خراج أو غير ذلك. إذ الصحابة لا خلاف في بقائهم على العدالة وذلك أن التفسيق انتفى للتأويل السائغ.
وأما القتال: فليؤدوا ما تركوه من الواجب وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وإن كانوا متأولين. وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه وإن كانوا قوما صالحين فتدبر كيف عوقب أقوام في الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين في الدين أو الدنيا وإن كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم في الدنيا كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه إلى الإمام وإن كان قد تاب توبة نصوحا وكما يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون على نياتهم، وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم العباس وغيره، وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد. وعلى هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ولا يستفتى ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا الباب؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا؛ إذ الهجرة مقصودها أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها وإما عقوبة فاعلها ونكاله. فأما هجره بترك. . . (1) في غير هذا الموضع. ومن هذا الباب هجر الإمام أحمد للذين أجابوا في المحنة قبل القيد ولمن تاب بعد الإجابة ولمن فعل بدعة ما؛ مع أن فيهم أئمة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة؛ فإن هجره لهم والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرهم لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق.
حتى قد قيل إن اثنين منهما شهدا بدرا وقد قال الله لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد أهل العقبة فهذا " أصل عظيم " أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلا أو رجلا صالحا كما بينت من الفرق بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة؛ وبين عقوبة الآخرة والله سبحانه أعلم.
(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41)
فصل:
وقد قال الله تعالى في آية الخمس: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين} ومثل ذلك في آية الفيء. وقال في آية الصدقات: {للفقراء والمساكين والعاملين عليها} الآية فأطلق الله ذكر الأصناف؛ وليس في اللفظ ما يدل على التسوية بل على خلافها فمن أوجب باللفظ التسوية فقد قال ما يخالف الكتاب والسنة ألا ترى أن الله لما قال: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} وقال تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} وقال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} وقال تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} وقال تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} وأمثال ذلك لم تكن التسوية في شيء من هذه المواضع واجبة؟ بل ولا مستحبة في أكثر هذه المواضع سواء كان الإعطاء واجبا أو مستحبا بل بحسب المصلحة.
ونحن إذا قلنا في الهدي والأضحية: يستحب أن يأكل ثلثا ويتصدق بثلث؛ فإنما ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل؛ وإلا فلو قدر كثرة الفقراء لاستحببنا الصدقة بأكثر من الثلث وكذلك إذا قدر كثرة من يهدي إليه على الفقراء؛ وكذلك الأكل. فحيث كان الأخذ بالحاجة أو المنفعة كان الاعتبار بالحاجة والمنفعة بحسب ما يقع بخلاف المواريث فإنها قسمت بالأنساب التي لا يختلف فيها أهلها فإن اسم الابن يتناول الكبير والصغير والقوي والضعيف ولم يكن الأخذ لا لحاجته ولا لمنفعته؛ بل لمجرد نسبه؛ فلهذا سوى فيها بين الجنس الواحد.
وأما هذه المواضع فالأخذ فيها بالحاجة والمنفعة؛ فلا يجوز أن تكون التسوية بين الأصناف واجبة ولا مستحبة؛ بل العطاء بحسب الحاجة والمنفعة كما كان أصل الاستحقاق معلقا بذلك والواو تقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم المذكور والمذكور أنه لا يستحق الصدقة إلا هؤلاء فيشتركون في أنها حلال لهم وليس إذا اشتركوا في الحكم المذكور وهو مطلق الحل يشتركون في التسوية فإن اللفظ لا يدل على هذا بحال. ومثله يقال في كلام الواقف والموصي وكان بعض الواقفين قد وقف على المدرس والمعيد والقيم والفقهاء والمتفقهة؛ وجرى الكلام في ذلك فقلنا: يعطي بحسب المصلحة فطلب المدرس الخمس بناء على هذا الظن؛ فقيل له: فأعطي القيم أيضا الخمس لأنه نظير المدرس فظهر بطلان حجته. آخره والحمد لله رب العالمين.
(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... (60)
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: " {ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي}. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: " {ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا}. وفي رواية: " {ومن تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها}.
وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل؛ إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته. فإنهن من الحق}. وقال: " {ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه}. وقال مكحول: كتب عمر بن الخطاب إلى الشام: أن علموا علموا أولادكم الرمي والفروسية. وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا}. {ومر على نفر من أسلم ينتضلون فقال صلى الله عليه وسلم ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم}.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه {نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني نفض كنانته يوم أحد - وقال: ارم فداك أبي وأمي} وقال علي بن أبي طالب: {ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد: قال له: ارم سعد فداك أبي وأمي}. وقال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة} وكان إذا كان في الجيش جثا بين يديه ونثر كنانته فقال: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم له السيف والقوس والرمح.
وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من رمى بسهم في سبيل الله - بلغ العدو أو لم يبلغه - كانت له عدل رقبة}. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير؛ والرامي به والممد به} وهذا لأن هذه الأعمال هي أعمال الجهاد والجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان وتطوعه أفضل من تطوع الحج وغيره كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم}.
وفي الصحيح {أن رجلا قال: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام فقال علي بن أبي طالب: الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله. فقال عمر بن الخطاب لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضيت الصلاة سألته عن ذلك. فسأله؛ فأنزل الله هذه الآية} فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن الإحسان إلى الحجاج بالسقاية؛ ولهذا قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة والعمل بالرمح والقوس في الثغور أفضل من صلاة التطوع.
وأما في الأمصار البعيدة من العدو فهو نظير صلاة التطوع. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله}. وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره فالسيف عند مواصلة العدو والطعن عند مقاربته والرمي عند بعده أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك. فكلما كان أنكى في العدو وأنفع للمسلمين فهو أفضل. وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين في العدو. ومنه ما يكون الرمي فيه أنفع ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع. وهذا مما يعلمه المقاتلون.
(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62)
[فصل البرهان الثالث والعشرون " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " والجواب عليه]
فصل
قال الرافضي: البرهان الثالث والعشرون: قوله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [سورة الأنفال: 62] من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي بن أبي طالب، وذلك قوله في كتابه: ({هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}، يعني بعلي، وهذه من أعظم الفضائل التي لم تحصل لغيره من الصحابة، فيكون هو الإمام ".
والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. وأما مجرد العزو إلى رواية أبي نعيم فليس حجة بالاتفاق. وأبو نعيم له كتاب مشهور في " فضائل الصحابة "، وقد ذكر قطعة من الفضائل في أول " الحلية "، فإن كانوا يحتجون بما رواه، فقد روى في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ما ينقض بنيانهم ويهدم أركانهم، وإن كانوا [لا] يحتجون بما رواه فلا يعتمدون على نقله، ونحن نرجع فيما رواه - هو وغيره - إلى أهل العلم بهذا الفن والطرق التي بها يعلم صدق الحديث وكذبه، من النظر في إسناده ورجاله، وهل هم ثقات سمع بعضهم من بعض أم لا؟ وننظر إلى شواهد الحديث وما يدل [عليه] على أحد الأمرين، لا فرق عندنا بين ما يروى في فضائل علي أو فضائل غيره، فما ثبت أنه صدق صدقناه، وما كان كذبا كذبناه.
فنحن نجيء بالصدق ونصدق به، لا نكذب، ولا نكذب صادقا. وهذا معروف عند أئمة السنة. وأما من افترى على الله كذبا أو كذب بالحق، فعلينا أن نكذبه في كذبه وتكذيبه للحق، كأتباع مسيلمة
الكذاب والمكذبين بالحق الذي جاء به الرسول واتبعه عليه المؤمنون به: صديقه الأكبر وسائر المؤمنين.
ولهذا نقول في الوجه الثاني: إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وهذا الحديث - وأمثاله - مما جزمنا أنه كذب موضوع نشهد أنه كذب موضوع، فنحن والله الذي لا إله إلا هو - نعلم علما ضروريا في قلوبنا، لا سبيل لنا إلى دفعه، أن هذا الحديث [كذب] ما حدث به أبو هريرة، وهكذا نظائره مما نقول فيه مثل ذلك.
وكل من كان عارفا بعلم الحديث وبدين الإسلام يعرف، وكل من لم يكن له بذلك علم لا يدخل معنا، كما أن أهل الخبرة بالصرف يحلفون على ما يعلمون أنه مغشوش، وإن كان من لا خبرة له لا يميز بين المغشوش والصحيح.
الثالث: أن الله تعالى قال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} [سورة الأنفال: 62 - 63]. وهذا نص في أن المؤمنين عدد مؤلف بين قلوبهم، وعلي واحد [منهم] ليس له قلوب يؤلف بينها.
والمؤمنون صيغة جمع، فهذا نص صريح لا يحتمل أنه أراد به واحدا
معينا، وكيف يجوز أن يقال: المراد بهذا علي وحده؟
الوجه الرابع: أن يقال: من المعلوم بالضرورة والتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان قيام دينه بمجرد موافقة علي، فإن عليا كان من أول من أسلم، فكان الإسلام ضعيفا، فلولا أن الله هدى من هداه إلى الإيمان والهجرة والنصرة، لم يحصل بعلي وحده شيء من التأييد، ولم يكن إيمان الناس وهجرتهم ولا نصرتهم على يد علي، ولم يكن علي منتصبا: لا بمكة ولا بالمدينة للدعوة إلى الإيمان، كما كان أبو بكر منتصبا لذلك، ولم ينقل أنه أسلم على يد علي أحد من السابقين الأولين، لا من المهاجرين ولا من الأنصار، بل لا نعرف أنه أسلم على يد علي أحد من الصحابة، لكن لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قد يكون قد أسلم على يديه من أسلم، إن كان وقع ذلك وليس أولئك من الصحابة، وإنما أسلم أكابر الصحابة على يد أبي بكر، ولا كان يدعو المشركين ويناظرهم، كما كان أبو بكر يدعوهم ويناظرهم، ولا كان المشركون يخافونه، كما يخافون أبا بكر وعمر.
بل قد ثبت في الصحاح والمساند والمغازي، واتفق عليه الناس، أنه «لما كان يوم أحد وانهزم المسلمون، صعد أبو سفيان على الجبل وقال: أفي القوم محمد؟ [أفي القوم محمد؟] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تجيبوه ". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا تجيبوه " فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا تجيبوه ". فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر - رضي الله عنه - نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء، وقد بقي لك ما يسوءك. فقال: يوم بيوم بدر. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. ثم أخذ أبو سفيان يرتجز ويقول:
اعل هبل. . اعل هبل.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألا تجيبوه؟ " فقالوا: وما نقول؟ قال: " قولوا: الله أعلى وأجل " فقال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألا تجيبوه " فقالوا: وما نقول؟ قال: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم " فقال: ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني».
فهذا جيش المشركين إذ ذاك لا يسأل إلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلو كان القوم خائفين من علي أو عثمان أو طلحة أو الزبير أو نحوهم، أو كان للرسول تأييد بهؤلاء، كتأييده بأبي بكر وعمر، لكان يسأل عنهم كما يسأل عن هؤلاء، فإن المقتضي للسؤال قائم، والمانع
منتف، ومع وجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب معه وجود الفعل.
الوجه الخامس: أنه لم يكن لعلي في الإسلام أثر حسن، إلا ولغيره من الصحابة مثله، ولبعضهم آثار أعظم من آثاره. وهذا معلوم لمن عرف السيرة الصحيحة الثابتة بالنقل. وأما من يأخذ بنقل الكذابين وأحاديث الطرقية، فباب الكذب مفتوح، وهذا الكذب يتعلق بالكذب على الله، {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} [سورة العنكبوت: 68].
ومجموع المغازي التي كان فيها القتال مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع مغاز، والمغازي كلها بضع وعشرون غزاة، وأما السرايا فقد قيل: إنها تبلغ سبعين.
__________
Q (1) خرم بالأصل مقدار نصف سطر
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 83):
ومن الظاهر أن آخر الكلام الذي سقط قوله [كما قد بسط] يعني (في غير هذا الموضع)، وقد بسط الشيخ الكلام على هذا الأصل، وبين نوعي الهجر بالتفصيل في: 28/ 203 - 210.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|