
03-12-2024, 08:33 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,644
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
المجلد التاسع
الحلقة( 322)
من صــ 26 الى صـ 40
(وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35)
{وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال السلف من الصحابة والتابعين: " المكاء " كالصفير ونحوه من التصويت مثل الغناء. و " التصدية ": التصفيق باليد. فقد أخبر الله عن المشركين أنهم كانوا يجعلون التصدية والغناء لهم صلاة وعبادة وقربة يعتاضون به عن الصلاة التي شرعها الله ورسوله. وأما المسلمون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فصلاتهم وعبادتهم القرآن واستماعه والركوع والسجود وذكر الله ودعاؤه ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله فمن اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة فقد ضاهى المشركين في ذلك وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين: المهاجرين والأنصار. فإن كان يفعله في بيوت الله فقد زاد في مشابهته أكبر وأكبر واشتغل به عن الصلاة وذكر الله ودعائه فقد عظمت مشابهته لهم.
وصار له كفل عظيم من الذم الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده أو لحسنات ماحية أو غير ذلك. فيما يفرق فيه بين المسلم والكافر. لكن مفارقته للمشركين في غير هذا لا يمنع أن يكون مذموما خارجا عن الشريعة داخلا في البدعة التي ضاهى بها المشركين فينبغي للمؤمن أن يتفطن له لهذا ويفرق بين سماع المؤمنين الذي أمر الله به ورسوله وسماع المشركين الذي نهى الله عنه ورسوله.
(قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (38)
وسئل:
عن اليهودي أو النصراني إذا أسلم، هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام؟
فأجاب:
إذا أسلم باطنا وظاهرا غفر له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع وأما الذنوب التي لم يتب منها مثل: أن يكن مصرا على ذنب أو ظلم أو فاحشة ولم يتب منها بالإسلام. فقد قال بعض الناس: إنه يغفر له بالإسلام. والصحيح: أنه إنما يغفر له ما تاب منه. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل: {أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} و " حسن الإسلام " أن يلتزم فعل ما أمر الله به وترك ما نهي عنه. وهذا معنى التوبة العامة فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها. وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص: {أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله} " فإن اللام لتعريف العهد والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن.
وقوله: " {ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} " أي: إذا أصر على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يؤاخذ بالأول والآخر. وهذا موجب النصوص والعدل فإن من تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب ولم يجب أن يغفر له غيره. والمسلم تائب من الكفر كما قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقوله: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} أي إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر لهم ما قد سلف. فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه. من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه. وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد من غير خلاف نعلمه لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}
ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يجب ما قبله " رواه مسلم ولقوله صلى الله عليه وسلم: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية " متفق عليه.
ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالا يعرفون فلم يطلب أحدا منه بقود ولا دية ولا كفارة.
أسلم وحشي قاتل حمزة وابن العاص قاتل ابن قوقل وعقبة بن الحارث قاتل خبيب بن عدي ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنه أسلم وقد علم أنه قتل رجلا بعينه من المسلمين فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على أحد منهم قصاصا بل قال صلى الله عليه وسلم: " يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه كلاهما يدخل الجنة يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل فيسلم ويقتل في سبيل الله فيدخل الجنة " متفق عليه.
وكذلك أيضا لم يضمن النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم مالا أتلفه للمسلمين ولا أقام على أحد حد زنا أو سرقة أو شرب أو قذف سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافا لا في روايته ولا في الفتوى به.
بل لو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه مما لا يملك به مسلم من مسلم لكونه محرما في دين الإسلام كان له ملكا ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص قول أحمد وقول الجماهير من أصحابه بناء على أن الإسلام أو العهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له لأنه خرج عن مالكه المسلم في سبيل الله ووجب أجره على الله وآخذه هذا مستحلا له وقد غفر له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم فلم يضمنه بالرد إلى مالكه كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والأموال ولا يقضي ما تركه من العبادات لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد فلما رجع عن الاعتقاد غفر له ما تبعه من الذنوب فصار ما بيده من المال لا تبعة عليه فيه فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها من ربا وغيره.
ومن العلماء من قال: يرده على مالكه المسلم وهو قول الشافعي وأبي الخطاب من الحنبلية بناء على أن اغتنامهم فعل محرم فلا يملكون به مال المسلم كالغصب ولأنه لو أخذه المسلم منهم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يسرقه فإنه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما اتفق الناس فيما نعلمه عليه ولو كانوا قد ملكوه كملكه الغانم منهم ولم يرده.
والأول أصح لأن المشركين كانوا يغنمون من أموال المسلمين الشيء الكثير من الكراع والسلاح وغير ذلك وقد أسلم عامة أولئك المشركين فلم يسترجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد منهم مالا مع أن بعض تلك الأموال لا بد أن يكون باقيا.
ويكفي في ذلك أن الله سبحانه قال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا} وقال: {أذن للذين يقاتلون} إلى قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} وقال: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج
أهله منه} وقال: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم}.
فبين الله سبحانه أن المسلمين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق حتى صاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء.
ثم إن المشركين استولوا على تلك الديار والأموال وكانت باقية إلى حين الفتح وقد أسلم من استولى عليها في الجاهلية ثم لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد منهم أخرج من داره بعد الفتح والإسلام دارا ولا مالا بل قيل للنبي يوم الفتح: ألا تنزل في دارك؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ ".
وسأله المهاجرون أن يرد عليهم أموالهم التي استولى عليها أهل مكة فأبى ذلك صلى الله عليه وسلم وأقرها بيد من استولى عليها بعد إسلامه.
وذلك أن عقيل بن أبي طالب بعد الهجرة استولى على دار النبي صلى الله عليه وسلم ودور إخوته من الرجال والنساء مع ما ورثه من أبيه أبي طالب قال أبو رافع: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: "فهل ترك لنا عقيل منزلا؟ " وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة.
وقد ذكر أهل العلم بالسيرة منهم أبو الوليد الأزرقي أن رباع عبد المطلب بمكة صارت لبني عبد المطلب فمنها شعب ابن يوسف وبعض دار ابن يوسف لأبي طالب والجو الذي بينه وبين دار ابن يوسف دار المولد مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما حوله لأبي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له هذه الدار ورثها من أبيه وبها ولد وكان له دار ورثها هو وولده من خديجة رضي الله تعالى عنها.
قال الأزرقي: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنيه كليهما مسكنه الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة بنت خويلد وولد فيه ولده جميعا.
قال: وكان عقيل بن أبي طالب أخذ مسكنه الذي ولد فيه وأما بيت خديجة فأخذه معتب بن أبي لهب وكان أقرب الناس إليه جوارا فباعه بعد من معاوية وقد شرح أهل السير ما ذكرنا في دور المهاجرين.
قال: الأزرقي: دار جحش بن رئاب الأسدي التي بالمعلى لم تزل في يد ولد جحش فلما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الهجرة إلى المدينة خرج آل جحش جميعا الرجال والنساء إلى المدينة مهاجرين وتركوا دارهم خالية وهم حلفاء حرب بني أمية فعمد أبو سفيان إلى دارهم هذه فباعها بأربعمائة دينار من عمرو بن علقمة العامري فلما بلغ آل جحش أن أبا سفيان باع دارهم أنشأ أبو أحمد يهجو أبا سفيان ويعيره ببيعها وذكر أبياتا.
فلما كان يوم فتح مكة أتى أبو أحمد بن جحش وقد ذهب بصره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها فقال: يا رسول الله إن أبا سفيان عمد إلى داري فباعها فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فساره بشيء فما سمع أبو أحمد ذكرها بعد ذلك فقيل لأبي أحمد بعد ذلك: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي " إن صبرت كان خيرا وكان لك بها دار في الجنة " قال: قلت: فأنا أصبر فتركها أبو أحمد.
قال: وكان لعتبة بن غزوان دار تسمى ذات الوجهين فلما هاجر أخذها يعلي بن أمية وكان استوصاه بها حين هاجر فلما كان عام الفتح وكلم بنو جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارهم فكره أن يرجعوا في شيء من أموالهم أخذت منهم في الله تعالى وهجروه لله أمسك عتبة بن غزوان عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره هذه ذات الوجهين وسكت المهاجرون فلم يتكلم أحد منهم في دار هجرها لله ورسوله وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنه الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة وهذه القصة معروفة عند أهل العلم.
قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر ببن حزم والزهير بن عكاشة بن أبي أحمد قال: أبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح عليهم في دورهم فقالوا لأبي أحمد يا أبا أحمد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره لكم أن ترجعوا في شيء من أموالكم مما أصيب في الله.
وقال ابن إسحاق أيضا في رواية زياد بن عبد الله البكائي عنه: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد منهم بمكة إلا مفتون أو محبوس ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله والى رسوله إلا أهل دور مسمون: بنو مظعون من بني جمح وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء عدي بن كعب فإن دورهم غلقت بمكة ليس فيها ساكن.
ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة؟ " فقال: بلى فقال: "ذلك لك " فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي عن أشياخه قالوا: وقام أبو أحمد بن جحش على باب المسجد على جمل له حين فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته يعني الخطبة التي خطبها وهو واقف بباب الكعبة حين دخل الكعبة فصلى فيها ثم خرج يوم الفتح فقال أبو أحمد وهو يصيح: أنشد بالله يا بني عبد مناف حلفي أنشد بالله يا بني عبد مناف داري قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فسار عثمان بشيء فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع القوم فما سمع أبو أحمد ذكرها حتى لقي الله.
فهذا نص في أن المهاجرين طلبوا استرجاع ديارهم فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها بيد من استولى عليها ومن اشتراها منه وجعل صلى الله عليه وسلم ما أخذه منهم الكفار بمنزلة ما أصيب من ديارهم وما أنفقوه من أموالهم وتلك دماء وأموال اشتراها الله وسلمت إليه ووجب أجرها على الله فلا رجعة فيها وذلك لأن المشركين يستحلون دماءنا وأموالنا وأصابوا ذلك كله استحلالا وهم آثمون في هذا الاستحلال فإذا أسلموا جب الإسلام ذلك الإثم وصاروا كأنهم ما أصابوا دما ولا مالا فما بأيديهم لا يجوز انتزاعه منهم.
فإن قيل: ففي الصحيحين عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ألا تنزل في دارك بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين.
وفي رواية للبخاري أنه قال: يا رسول أين تنزل غدا؟ وذلك زمن الفتح فقال: "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " ثم قال: " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " قيل للزهري: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب وفي رواية معمر عن الزهري أين منزلك غدا في حجتك؟ رواه البخاري.
وظاهر هذا أن الدور انتقلت إلى عقيل بطريق الإرث لا بطريق الاستيلاء ثم باعها.
قلنا: أما دار النبي صلى الله عليه وسلم التي ورثها من أبيه وداره التي هي له ولولده من زوجته المؤمنة خديجة فلا حق لعقيل فيها فعلم أنه استولى عليها وأما دور أبي طالب فإن أبا طالب توفي قبل الهجرة بسنين والمواريث لم تفرض ولم يكن نزل بعد منع المسلم من ميراث الكافر بل كل من مات بمكة من المشركين أعطي أولاده المسلمون نصيبهم من الإرث كغيرهم بل كان المشركون ينكحون المسلمات الذي هو أعظم من الإرث وإنما قطع الله الموالاة بين المسلمين والكافرين بمنع النكاح والإرث وغير ذلك بالمدينة وشرع الجهاد القاطع للعصمة.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة نظر إلى تلك الرباع فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه لم يحركه وما وجده لم يقسم قسمه على قسمة الإسلام.
وهذا الذي رواه ابن أبي نجيح يوافق الأحاديث المسندة في ذلك مثل حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على ما قسم الإسلام " رواه أبو داود وابن ماجه.
وهذا أيضا يوافق ما دل عليه كتاب الله ولا نعلم فيه خلافا فإن الحربي لو عقد عقدا فاسدا من ربا أو بيع خمر أو خنزير أو نحو ذلك ثم أسلم بعد قبض العوض لم يحرم ما بيده ولم يجب عليه رده ولو ولم يكن قبضة لم يجز له أن يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم كما دل عليه قوله تعالى: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس ولم يأمرهم برد ما قبضوه.
وكذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس كل دم أصيب في الجاهلية وكل ربا في الجاهلية حتى ربا العباس ولم يأمر برد ما كان قبض فكذلك الميراث: إذا مات الميت في الجاهلية واقتسموا تركته أمضيت القسمة فإن أسلموا قبل الاقتسام أو تحاكموا إلينا قبل القسمة قسم على قسم الإسلام فلما مات أبو طالب كان الحكم بينهم أن يرثه جميع ولده فلم يقتسموا رباعه حتى هاجر جعفر وعلي إلى المدينة فاستولى عقيل عليها وباعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لم يترك لنا عقيل منزلا إلا استولى عليه وباعه " وكان معنى هذا الكلام أنه استولى على دور كنا نستحقها إذ ذاك ولولا ذلك لم تضف الدور إليه وإلى بني عمه إذا لم يكن لهم فيها حق ثم قال بعد ذلك:
"لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن" يريد والله أعلم لو أن الرباع باقية بيده إلى الآن لم يقسم لكنا نعطي رباع أبي طالب كلها له دون إخوته لأنه ميراث لم يقسم فيقسم الآن على قسم الإسلام ومن قسم الإسلام أن لا يرث المسلم الكافر فكان نزول هذا الحكم بعد موت أبي طالب وقبل قسمة تركته بمنزله نزوله قبل موته فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا وجعفرا ليس لهما المطالبة بشيء من ميراث أبي طالب لو كان باقيا فكيف إذا أخذ منهم في سبيل الله؟ فإذا كان المشرك الحربي لا يطالب بعد إسلامه بما كان أصابه من دماء المسلمين وأموالهم وحقوق الله ولا ينتزع ما بيده من أموالهم التي غنمها منهم لم يؤاخذ أيضا بما أسلفه من سب وغيره فهذا وجه العفو عن هؤلاء.
وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحتم قتل من كان يسبه من المشركين مع العفو عمن هو مثله في الكفر كان مستقرا في نفوس أصحابه على عهده وبعد عهده يقصدون قتل الساب ويحرضون عليه وإن أمسكوا عن غيره ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله ويبذلون في ذلك نفوسهم كما تقدم من حديث الذي قال: "سبني وسب أبي وأمي وكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثم حمل عليه حتى قتل وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسب النبي صلى الله عليه وسلم وحديث الأنصاري الذي نذر أن يقتل العصماء فقتلها وحديث الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح وكف النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته ليوفي بنذره.
وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: أي عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك قال وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: " أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما" فقالا: لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله " وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان: معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.
والقصة مشهورة في فرح النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وسجوده شكرا وقوله: " هذا فرعون هذه الأمة " هذا مع نهيه عن قتل أبي البختري ابن هشام مع كونه كافرا غير ذي عهد لكفه عنه وإحسانه بالسعي في نقض صحيفة الجور ومع قوله: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني الأسرى لأطلقتهم له " يكافئ المطعم بإجارته له بمكة والمطعم كافر غير معاهد فعلم أن مؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين إهلاكه والانتقام منه بخلاف الكاف عنه وإن اشتراكا في الكفر كما كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافرا.
يؤيد ذلك أن أبا لهب كان له من القرابة ما له فلما آذاه وتخلف عن بني هاشم في نصره نزل القرآن فيه بما نزل من اللعنة والوعيد باسمه خزيا لم يفعل بغيره من الكافرين كما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما كان أبو لهب إلا من كفار قومه حتى خرج منا حين تحالفت قريش علينا فظاهرهم فسبه الله وبنو المطلب مع مساواتهم لعبد شمس ونوفل في النسب لما أعانوه ونصروه وهم كفار شكر الله ذلك لهم فجعلهم بعد الإسلام مع بني هاشم في سهم ذوي القربى وأبو طالب لما أعانه ونصره وذب عنه خفف عنه العذاب فهو من أخف أهل النار عذابا".
وقد روي أن أبا لهب يسقى في نقرة الإبهام لعتقه ثويبة إذ بشرته بولادته.
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39)
فإذا لم يكن الدين كله لله وكانت فتنة.
وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله. وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله، الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله، وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله.
وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعا، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله، ولم يكن مجاهدا في سبيل الله. فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل، وسنة وبدعة؟.
وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وكفر بعضهم بعضا، وفسق بعضهم بعضا. ولهذا قال تعالى فيهم: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة - وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [سورة البينة: 4 - 5].
وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة} [سورة البقرة: 213]، يعني:
فاختلفوا، كما في سورة يونس، وكذلك في قراءة بعض الصحابة. وهذا على قراءة الجمهور من الصحابة والتابعين: أنهم كانوا على دين الإسلام. وفي تفسير ابن عطية عن ابن عباس: أنهم كانوا على الكفر. وهذا ليس بشيء. وتفسير ابن عطية عن ابن عباس ليس بثابت عن ابن عباس، بل قد ثبت عنه أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.
وقد قال في سورة يونس: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [سورة يونس: 19] فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد، فعلم أنه كان حقا.
(فصل: ما عاد من الذنوب بإضرار الغير في دينه ودنياه فعقوبتنا له في الدنيا أكبر)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
وهنا قاعدة شريفة ينبغي التفطن لها:
وهو أن ما عاد من الذنوب بإضرار الغير في دينه ودنياه فعقوبتنا له في الدنيا أكبر وأما ما عاد من الذنوب بمضرة الإنسان في نفسه فقد تكون عقوبته في الآخرة أشد وإن كنا نحن لا نعاقبه في الدنيا.
وإضرار العبد في دينه ودنياه هو ظلم الناس؛ فالظلم للغير يستحق صاحبه العقوبة في الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض ثم هو نوعان:
أحدهما: منع ما يجب لهم من الحقوق وهو التفريط.
والثاني: فعل ما يضر به وهو العدوان. فالتفريط في حقوق العباد. . . (1)
__________
Q (1) خرم في الأصل

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|