سلسلة أمراض على طريق الدعوة (5)
المراء والجدل
شريف عبدالعزيز
من أبرز الأمراض التي تعيق العمل وتوقف عجلة الإنتاج وتورث الخصومة والعداوة بين الناس عامة والدعاة خاصة ؛ مرض المراء والجدل في كل شيء وكل مسألة تهم الدعوة ، وهو ما سنحاول الوقوف عليه لمعرفة حقيقته وأبعاده ومظاهره وأسبابه وكيفية النجاة منها ومداواة آثاره .
المراء في اللغة له عدة معان ، أهمها : الشك ، فيقال : امترى في الشيء : يعني شك فيه ، ومنه قوله سبحانه في محكم التنزيل ( الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) [ البقرة 147] ، ومنها مخالفة الغير والتلوي عليه وعدم الوضوح معه ، فيقال : مارى فلان فلانا : أي خالفه ولم يكن واضحا معه ، ومنها المناظرة ، فيقال مارى فلان فلانا : أي ناظره وجادله ، ومنها قوله سبحانه ( فلا تمري فيهم إلا مراء ظاهرا ) [ الكهف 22] ، ومنها استخراج الشيء من مكمنه ، ومنه امترى الناقة : أي حلبها واستخرج ما فيها من لبن ، ومنها التزين والتجمل ، فيقال : تمّرى بالشيء : أي تزين وتجمل به .
أما الجدل في اللغة فله عدة معان ، أهمها : الصّرع والغلبة ، فيقال : جدل الرجل : أي صرعه وغلبه في الجدل ، ومنها الإتقان والحسن ، فيقال : جدل الحبل جدلا ، أي احكم فتله ، وجارية مجدولة الخلق أي حسنة الخلق ، ومنها شدة الخصومة والمناقشة ، فيقال : جادله مجادلة وجدالا أي ناقشه ومنها قوله سبحانه ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) [ العنكبوت 46] ، ومنها قوله ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) [ المجادلة 1 ] ، ومنها مقابلة الحجة بالحجة ، فيقال : جادل فلان فلانا : أي قابل حجته بحجة من عنده .
أما في الاصطلاح فالجدل والمراء : " هو كل اعتراض على كلام الآخرين بإظهار الخلل فيه ، أما من حيث الظاهر أو الباطن ، وقصد إفحام الغير ، وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ، ونسبته إلى القصور والجهل فيما يتكلم ، والمراء أعم من الجدل ، إذ جرت العادة على أن المجادلة في الأمور العلمية والدعوية ، والمراء يشمل الأمور كلها "
ومن خلال هذا التعريف يتضح لنا أن مظاهر وصور الجدل والمراء تدور على قاعدة أساسية وهي الانتقاص من الآخرين ، وتقليل مكانتهم وقدرهم وربما احترامهم ، أما في ظاهر كلامهم أو مقصده ومعناه ، ونية المتكلم ، لذلك كان حكم الإسلام في هذه الطريقة من التحاور مع الآخرين واضحا لا لبس فيه ، فهو مذموم مكروه ، وهذا ما دلت عليه نصوص الوحيين من الكتاب والسنة المطهرة :
قال تعالى ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) [ الكهف 22] ، وقال ( ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ) [ الشورى 18 ] ، وقال ( بأي آلاء ربك تتمارى ) [ النجم 55] ، قال ( قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) [ الحجر 63] وقال ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان نكير ) [ غافر 5 ] وقال ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطن أتاهم كبر مقتا عند الله ) [ غافر 35] وآيات أخرى كثيرة .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وببيت في أعلى الجنة لمنم حسن خلقه " وقال " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " وقال " أبغض الرجال الألد الخصم "
ولا يستثنى من هذا الذم كله إلا الجدال بالحسنى مع من يريد أن يعرف طريق الحق والهدى إن كان متلبسا ببدعة أو شبهة أو تأويل فاسد ، قال تعالى ( ولا تجادوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) [ العنكبوت 46] وقال ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل 125] .
والمراء والجدل من الأمور المركوزة في النفس البشرية ، قل من يسلم منها ، لأنها تحتاج إلى مجاهدة ومكابدة للنفس والذات ، فهو يترك على الناس والدعوة آثارا خطيرة ويورث أضرارا عظيمة أبرزها : قسوة القلب ، فالجدل والمراء مبني على الكلام الكثير عديم الفائدة ، ولا طائل من ورائه سوى إفحام الخصم ، والغالبة عليه ولو بالباطل ، وكثرة الكلام الفارغ عديم الفائدة بغير ذكر الله يورث قسوة القلب وفي الحديث " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي " ، ومنها أيضا القطيعة والشقاق ؛ فإن المراء والجدل يجعل المرء كثير المشاحنات مع غيره ، وكثير الرفض لكلام الآخرين ، ودائم التسفيه والتحقير لرأي غيره ، مما يوجب البغض والقطيعة والتآمر من الآخرين ، وطبيعة البشر أنهم يكرهون ويبغضون من يسفه كلامهم ويحقر منها ، قال الإمام مالك رحمه الله " المراء يقسي القلب ، ويورث الضغائن " ، ومن آثاره الخطيرة أيضا ضياع الهيبة وسقوط المروءة ، لأن الجدل والمراء يدفع لئن يقدم المتجادل لئن يكشف كل الأسرار ويهتك كل الخصوصيات ، من أجل تحقيق الغلبة بأي سبيل ولو كانت غير مشروعة ، وربما أقدم على الكذب والشتم والسب ، فتضيع هيبته وكرامته ومكانته ، ومنها أيضا الفرقة والتمزق في الصف الدعوي بسبب كثرة المخاصمات والمجادلات ، ومنها ترك العمل والانشغال بالجدليات والمناظرات العقيمة ، وقديما قالوا " ما ترك قوم العمل إلا ضربهم الله بالجدل " . وغير ذلك من آثار المراء والجدل .
ومن أهم الأسباب التي تدفع المرء لئن يدخل من مجادلات ومراء ومناقشات عقيمة مع الآخرين :
أولا : عدم الالتزام بآداب النصيحة
فإن من لم يلتزم بآداب النصيحة مع المتكلم ، من الإسرار بها وانتقاء الأسلوب المناسب ومراعاة الإخلاص، فإن ذلك يدفع من يتلقى النصيحة لرفضها والمكابرة فيها ، حيث يتولد في نفس المنصوح نوعا من العزة بالإثم ، يترجم في شكل جدال ومراء لا ينتهي ، حيث يؤكد على أهمية وخطورة مراعاة آداب النصيحة ، وأنها ربما ترقى لدرجات الواجبات لأن تركها وتجاهلها يولد أنواعا مختلفة من الشرور والإحن .
ثانيا : تضخيم الذات
فبعض الدعاة قد لنفسه فضلا وعلما ومنزلة لا يشعر بها كثير من الناس ، قد يري نفسه في منزلة ومكانة لا يليق بها في أوساط الدعاة ، أو أنه جدير أن يرقى لمصاف الكبار ، وهو لم يرش بعد ، فيحاول أن يثبت نفسه ، فيضخم ذاته بمعارضة الآخرين ، والجدل والمراء في كل قضية تظهر على الساحة ، ولا عجب لو رأينا بعض الدعاة دائم التطبيق لقاعدة " خالف تعرف " حتى ولو كان فيما أجمع عليه الناس ورضيه الدعاة والمصلحون ، ليذكر اسمه ويرى مكانه ، في زمن يبحث فيه الإعلام عن أمثال هؤلاء ، وقديما عندما بال الإعرابي في زمزم وتعجب الناس من صنيعه قال " أحببت أن أذكر ولو باللعن " .
وربما يقود تضخيم الذات إلى الوقوع لما هو أعظم من ذلك وهو الغرور والعجب بالنفس والتكبر على خلق الله ، ولو نظرت لكثير ممن يجادلون بغير الحق لوجدت هذا الداء الوبيل في قلوبهم معشعشا ، وإبليس هو أول من جادل ومارى في الحق عندما أمره ربه عز وجل بالسجود لآدم عليه السلام ، فرفض الأمر ، وجادل بقوله ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) [ ص 76] ، قال تعالى في موضع آخر كاشفا العلاقة بين الجدل والكبر ( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) [غافر56] .
ثالثا : رفض الهزيمة
النفس البشرية بطبيعتها تحب الانتصار وتكره الهزيمة ، وهذه الطبيعة البشرية إذا تجاوزت حدها المعتاد فإنها تتحول إلى حائط صد مستمر نحو الإقرار بالخطأ والاعتراف بالهزيمة ، وللأسف الشديد هذا هو حال كثير من الناس ، فتجدهم يتخذون الكثير من الوسائل لتبرير مواقفهم وأرائهم ، وعلى رأس هذه الوسائل المراء والجدل ، لذلك كان الإسلام حريصا على تربية أتباعه على قبول الحق والإنصاف ولو من النفس ، قال تعالى ( يا أيها الذين كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .. ) [ النساء 135] ، وقال ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى .. ) [ المائدة 8] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار " ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يري الرأي فيراجعه فيه أصحابه وزوجاته ، فيرجع إلى قولهم ، وربما كان رأيه الصواب ورأي من يراجع أقل صوابا ، كما حدث يوم أحد ، ومع ذلك يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قولهم ليؤدبهم ويعلمهم قبول الرأي الآخر .
رابعا : الاشتغال بعلوم الجدل والمناظرة
البناء العلمي للطلبة والدعاة من الأمور الأساسية في استقامة سير الدعاة والعلماء ، فالعلم هو الأساس المتين الذي ينطلق منه الدعاة ، وقاعدة الانطلاق الصحيح نحو التمكين ، ولو حدث أي خلل في هذه القاعدة فإن تأثيره السلبي سيمتد طوال مسيرة الداعية ، ستجلى في مواقفه وأرائه وقراراته التي سيشوبها دوما هذا الخلل ، ولو نظرت إلى الداعية المصاب بداء الجدل والمراء ، لوجدته في مرحلة الطلب قد أهمل علوم الكتاب والسنة ، وتوسع في علوم الجدل والمناظرة والمنطق والفلسفة وغيرها من علوم الكلام ، وهي علوم لا تقوم إلا على الجدل والشك والمراء وإفناء الأعمار في إثبات وجود الصانع ! ولعل هذا الخلل هو الذي أوجد في الإسلام عشرات الفرق الضالة والمذاهب المخالفة لأهل السنة والجماعة مثل المعتزلة والجبرية والقدرية والصوفية والشيعة بفرقها الكثيرة ، لذلك نهى كثير من أهل العلم عن تعلم هذه العلوم السقيمة التي تقتل الروح وتسلب الإيمان وتورث اللجاج و الخصومة والجدل والشك في كل شيء .
خامسا : غياب التقوى
فالقلب إذا كان فارغا من التقوى ومن معرفة الله عز وجل ، خالطته الأسقام والأحوال الرديئة ، وتاه في زحمة الشهوات ، فالتقوى تحمل النفس على قبول الحق والإذعان له والوقوف عنده ، وترك الجدل والمراء فيما استبان الحق فيه ، لذلك كان من الخطورة بمكان ترك مراقبة القلب وأحواله وتقلباته ، في الوقت الذي فيه عدو متربص ـ الشيطان ـ لا يكف عن التزيين والتضليل والإغواء ، وفي الوقت التي تطالب النفس فيه بحظها ونصيبها من شهوات الدنيا ، ومن ذات المنطلق حض الإسلام على استثمار الفراغ وتنويع العبادات ومحاسبة النفس باستمرار ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله .. ) [ الحشر 18 ] .