
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثالث
الحلقة (216)
صـ 353 إلى صـ 360
إلى السفه والحمق فكيف يحسن منهم أن ينسبوا إلى الله ذلك في الأزل؟ (1) ".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها أن يقال: هذا قول الكلابية وهم طائفة من الذين يقولون: (2 كلام الله غير مخلوق، وهؤلاء طائفة من الذين يقولون بإمامة الخلفاء الثلاثة، فقولهم سواء كان حقا أو باطلا لا يقتضي صحة مذهب الرافضة، ولا بطلان قول أهل السنة والجماعة، فهذا القول الذي ذكره إذا كان باطلا فأكثر القائلين بإمامة الخلفاء الثلاثة لا يقولون به، لا من يقول 2) (2) : القرآن مخلوق، كالمعتزلة، ولا (3) من يقول: هو كلام الله غير مخلوق، كالكرامية والسالمية والسلف وأهل الحديث من أهل (4) المذاهب الأربعة وغيرهم، فليس في ذكر مثل هذا (5) حصول مقصود الرافضي.
الوجه الثاني أن يقال: (6) أكثر أئمة الشيعة يقولون: " القرآن غير مخلوق " وهو الثابت عن أئمة أهل البيت. وحينئذ فهذا قول من أقوال هؤلاء، فإن لم يكن حقا أمكن أن يقال: بغيره من أقوالهم.
_________
(1) م: فكيف لحيوان أن ينسبوا ذلك إلى الله في الأزل، وهو تحريف، ك ص [0 - 9] 2 (م) ص 93 (م) فكيف يحسن منهم أن ينسبوا الله تعالى إليه في الأزل.
(2) (2 - 2) ساقط من (أ) ، (ب) وسقطت كلمات قليلة من هذه العبارات من (م) .
(3) ب فقط: كالمعتزلة لا.
(4) أهل: ساقطة من (ن) ، (م) .
(5) هذا: ساقطة من (أ) ، وفي (ب) هؤلاء.
(6) ن، م: نقول
==============================
الوجه الثالث أن يقال: إن كان (1) الكلابية والأشعرية إنما قالوا هذا لموافقتهم المعتزلة في الأصل الذي اضطرهم إلى ذلك، فإنهم وافقوهم كما تقدم على صحة دليل حدوث الأجسام، فلزمهم أن يقولوا بحدوث ما لا يخلو عن الحوادث. ثم قالوا: وما يقوم به الحوادث لا يخلو منها.
فإذا قيل: الجسم لم يخل عن الحركة والسكون، فإن الجسم إما أن يكون متحركا وإما أن يكون ساكنا.
قالوا: والسكون الأزلي يمتنع زواله ; لأنه موجود أزلي (2) وكل موجود أزلي يمتنع زواله، وكل جسم يجوز عليه الحركة، فإذا جاز عليه الحركة وهو (3) أزلي وجب (4) أن تكون حركته أزلية، لامتناع زوال السكون الأزلي (5) ولو جاز أن تكون حركته أزلية (6) لزم حوادث لا أول لها، وذلك ممتنع، فلزم من ذلك أن الباري لا تقوم به الحوادث ; لأنها (7) لو قامت به لم يخل منها ; لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها.
وقد علموا بالأدلة اليقينية أن الكلام يقوم بالمتكلم، كما يقوم العلم
_________
(1) إن كان: ساقطة من (أ) ، (ب) ، وفي (ن) : إن.
(2) أزلي: ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) ن: فهو.
(4) م: لزم.
(5) أ، ب: الأول.
(6) أ، ب: ولو جاز عليه الحركة.
(7) أ: لكنها، ب: لكونه
=============================
بالعالم والقدرة بالقادر، والحركة بالمتحرك، وأن الكلام الذي يخلقه الله في غيره ليس كلاما له، بل لذلك المحل الذي خلقه فيه. فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، ولم يعد (1) على غيره، واشتق لذلك المحل منه اسم (2) ولم يشتق لغيره.
فلو (3) كان الكلام المخلوق في غيره كلاما له، لزم أربعة أمور باطلة: [ثبوت حكم الصفة والاسم المشتق منها لغير الله، وانتفاء الحكم والاسم عن الله لازمان عقليان ولازمان سمعيان يلزمان] (4) بكون (5) الكلام (6) صفة لذلك المحل لا لله، فيكون هو المنادي بما يقوم به (7) فتكون الشجرة التي خلق فيها (8) نداء موسى هي القائلة " إنني (9) أنا الله، لا يكون الله هو المنادي بذلك، ويلزم أن تسمى هي متكلمة منادية لموسى، ويلزم أن لا يكون الله متكلما ولا مناديا ولا مناجيا (10) .
_________
(1) ب، م: ولم تعد، والكلمة غير منقوطة في (أ) .
(2) اسم: ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) أ، ب: ولو.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(5) ب فقط: كون.
(6) ن، م: أربعة أمور باطلة لزم أن يكون الكلام.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(8) م: خلق الله فيها.
(9) إنني: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(10) ن، م: لموسى ولا يكون الله مناديا ولا مناجيا
============================
وهذا خلاف ما علم بالاضطرار من دين المسلمين، [وهذا قد بسط في غير هذا الموضع] (1) .
وقالوا أيضا: لو لم يكن متكلما في الأزل لزم اتصافه بنقيض الكلام من السكوت أو الخرس (2) وقالوا أيضا (3) : لو كان كلامه مخلوقا لكان إن خلقه في محل كان كلاما لذلك المحل، وإن خلقه قائما بنفسه لزم أن تقوم الصفة والعرض بنفسها، وإن خلقه في نفسه لزم أن تكون نفسه محلا للمخلوقات.
(4 وهذه اللوازم الثلاثة باطلة تبطل كونه مخلوقا 4) (4) ، كما هو مبسوط (5) في غير هذا الموضع.
فلما ثبت عندهم أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، وقد وافقوا المعتزلة على أن الحوادث لا تقوم بالقديم (6) ، لزم من هذين الأصلين أن يكون الكلام قديما.
قالوا: وقدم الأصوات ممتنع ; لأن الصوت لا يبقى زمانين، فتعين أن يكون القديم معنى ليس بحرف ولا صوت، وإذا كان كذلك كان معنى واحدا ; لأنه لو زاد على واحد لم يكن له حد محدود، ويمتنع وجود معان لا نهاية لها.
_________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(2) ن، م: من السكوت والخرس.
(3) أيضا: ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) (4 - 4) مكان هذه العبارات في (ن) ، (م) : إلى غير ذلك من الأدلة.
(5) ن، م: المبسوط.
(6) ن: بالقدم
===============================
فهذا أصل قولهم، فهم يقولون: نحن وافقناكم على امتناع أن يقوم (1) بالرب ما هو مراد له مقدور، وخالفناكم في كون كلامه مخلوقا منفصلا عنه، فلزم ما ذكرتموه من مناقضتنا (2) ، فإن كان الجمع بين هذين ممكنا لم نكن متناقضين، وإن تعذر ذلك لزم خطؤنا (3) في إحدى المسألتين، ولم يتعين الخطأ فيما خالفناكم فيه، بل قد نكون مخطئين (4) فيما وافقناكم فيه (5) من كون الرب لا يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام يقوم به، مع أن إثبات هذا القول هو قول جمهور (6) أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من المرجئة والكرامية والشيعة وغيرهم، بل لعله قول أكثر أهل الطوائف.
وإن لزم خطؤنا (7) في إحدى المسألتين لا بعينها لا يلزم صوابكم أنتم (8) ، بل نحن إذا اضطررنا إلى موافقة إحدى الطائفتين، كانت موافقتنا لمن يقول: إن الرب يتكلم بكلام يقوم به (9) بمشيئته وقدرته خيرا من موافقتنا لمن يقول: إن كلامه إنما هو ما يخلقه في غيره، فإن فساد
_________
(1) ن، م: أن يقول.
(2) أ، ب: من تناقضنا.
(3) أ: خطاؤنا، ن، م: خطأنا، وهو خطأ.
(4) أ: تكونوا مخطئين.
(5) ن، م: عليه.
(6) أ: مع إثبات هذا القول قول الجمهور. ب: مع ثبوت هذا القول عن جمهور.
(7) ن، م: وإذا لزم خطأنا ; أ: وإن لزم خطأنا، وهو خطأ.
(8) ن، م: لم يلزم صوابكم.
(9) به: ساقطة من (أ) ، (ب)
===============================
هذا القول في الشرع والعقل (1) أظهر من فساد القول بكونه يتكلم بكلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته.
ثم القائلون بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام يقوم به وهم جمهور المسلمين اختلفوا على قولين: منهم قال: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته (2) بكلام (3) بعد أن لم يكن الكلام موجودا فيه، كما تقوله الكرامية وموافقوهم.
ومنهم من يقول (4) : لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء، كما تقوله أئمة أهل (5) السنة والحديث، كعبد الله بن المبارك (6) ، وأحمد بن حنبل، وغيرهما من أئمة أهل السنة (7) .
والكلابية (8) يقولون: لو اضطررنا إلى موافقة من يقول: كلامه مخلوق ومن يقول: كلامه قائم بذاته، وجنس الكلام حادث في ذاته (9) بعد أن لم يكن، كان كلام (10) هؤلاء أخفى فسادا من قول المعتزلة، وقول
_________
(1) ن، م: في العقل والشرع.
(2) ساقط من (أ) ، (ب) .
(3) بكلام، ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) أ، ب: قال.
(5) أهل: ساقطة من (ن) ، (م) .
(6) ن، م: كابن المبارك.
(7) ن، م: وغيرهما وهو قول، وبعدها بياض في النسختين.
(8) ن: فالكلابية، م: فالكلامية، وهو تحريف.
(9) أ: قائم في ذاته، ب: قائم بذاته.
(10) ن، م: قول
=================================
المعتزلة أظهر فسادا، فإن الحجة النافية لهذا وهو أن القابل للشيء (1) لا يخلو منه ومن (2) ضده حجة ضعيفة اعترف بضعفها حذاق الطوائف واعترف منصفوهم (3) أنه لا يقوم لهم دليل عقلي - بل ولا سمعي - على نفي قيام (4) الحوادث به، إلا ما ينفي الصفات مطلقا، وذلك في غاية الفساد، فكيف يمكن أن يصير (5) إلى القول الآخر، قول السلف وأهل الحديث؟ .
وبالجملة فكون الرب لم يزل متكلما إذا شاء، كما هو قول أهل الحديث مبني على مقدمتين: على أنه تقوم به (6) الأمور الاختيارية وأن كلامه لا نهاية له.
قال الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [سورة الكهف: 109] وقال: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [سورة لقمان: 27] .
وقد قال: غير واحد من العلماء: إن مثل هذا الكلام (7) يراد به الدلالة
_________
(1) ن، م: لهذا، وهذا قول القائل للشيء، وهو تحريف.
(2) ب: أو من.
(3) أ، ب: متصوفهم.
(4) ن: ولا سمعي عقلي يغني قيام، م: ولا سمعي عقلي يعني قيام، وكلاهما تحريف.
(5) يصير: ساقطة من (ن) فقط.
(6) أ: لا يقوم به، وهو خطأ، ب: يقوم به.
(7) أ: إن مثل هذا كلام الله، ب: إن مثل هذا من كلام الله
=========================
على أن كلام (1) الله لا ينقضي ولا ينفد، بل لا نهاية له (2) ومن قال: إنه يتكلم (3) بمشيئته وقدرته بكلام يقوم بذاته، يقولون: إنه لا نهاية له (4) في المستقبل.
وأما في الماضي فلهم قولان: منهم من يقول: لها بداية في الماضي (5) ، وأئمتهم يقولون: لا بداية لها في الماضي (6) [كما لا نهاية لها في المستقبل] (7) وهذا يستلزم وجود ما لا نهاية له أزلا وأبدا من الكلمات.
والكلام صفة كمال (8) ، والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل لا يعقل متكلم إلا كذلك. ولا يكون الكلام صفة كمال إلا إذا قام بالمتكلم. وأما الأمور المنفصلة عن الذات فلا يتصف بها ألبتة، فضلا عن أن تكون صفة كمال أو نقص.
قالوا: ولم نعرف عن أحد من السلف لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا غيرهم من أئمة المسلمين من أنكر هذا الأصل، ولا قال: إنه يمتنع وجود كلمات لا نهاية لها لا في الماضي ولا في المستقبل، ولا قالوا: ما يستلزم امتناع هذا.
_________
(1) ن، م: كلمات.
(2) ن، م: لها.
(3) ن، م: متكلم، ب: لا يتكلم.
(4) ن، م: لها.
(5) أ: لا نهاية لها بذاته، ب: لا نهاية له بذاته، وهو خطأ.
(6) أ: لا نهاية لها في الماضي، ب: لا نهاية له في الماضي، وهو خطأ.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) ، وفي (ب) : كما لا نهاية له في المستقبل.
(8) ن، م: صفة لله
===========================