
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثالث
الحلقة (215)
صـ 345 إلى صـ 352
إجماع (1) بل عارضوا برأيهم الفاسد (2) ما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (3) .
وأما التناقض فإن هؤلاء النفاة للرؤية يقولون: إنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه (4) ولا مباين له، ولا يقرب من شيء، ولا يقرب منه (5) شيء، ولا يراه أحد، ولا يحجب عن رؤيته (6) شيء دون شيء (7) ، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل من عنده شيء، إلى أمثال ذلك.
وإذا قيل لهم (8) : هذا مخالف للعقل، وهذا صفة المعلوم المعدوم الممتنع وجوده.
قالوا: هذا النفي من حكم الوهم.
فيقال لهم: إذا عرض على العقل موجود ليس بجسم قائم بنفسه يمكن رؤيته كان العقل قابلا لهذا لا ينكره. فإذا قيل مع ذلك: إنه يرى بلا مواجهة، فإن قيل: هذا ممكن، بطل قولهم. وإن قيل: هذا مما يمنعه العقل. قيل: منع العقل لما جعلتموه موجودا واجبا (9) أعظم.
_________
(1) ن، م: لا يستندون إلى كتاب ولا سنة ولا إجماع.
(2) أ: بروايتهم الفاسدة، ب: برويتهم الفاسدة.
(3) ن، م: عن رسل الله وأتباعهم من المهاجرين والأنصار.
(4) عبارة " ولا خارجه ": ساقطة من (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: إليه.
(6) ن فقط: ربوبيته، وهو تحريف.
(7) دون شيء: زيادة في (أ) ، (ب) .
(8) لهم: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(9) ن، م: موجودا أو واجبا
==========================
فإن (1) قلتم: إنكار ذلك من حكم الوهم.
قيل لكم: وإنكار هذا حينئذ (2) أولى أن يكون من حكم الوهم.
وإن قلتم: بل (3) هذا الإنكار من حكم العقل.
قيل لكم: وذلك الإنكار من حكم العقل بطريق الأولى.
فإنكم تقولون: حكم الوهم الباطل أن يحكم فيما ليس بمحسوس بحكم المحسوس، وحينئذ إذا قلتم: إن البارئ تعالى غير محسوس يمكن أن تقبلوا فيه الحكم الذي يمتنع في المحسوس (4) وهو امتناع الرؤية بدون (5) المقابلة.
وإن قلتم: إنه محسوس أي يمكن الإحساس به لم يبطل (6) فيه حكم الوهم، فامتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه، وحينئذ فيجوز (7) رؤيته.
وإن قلتم: إذا كان غير محسوس فهو غير مرئي.
قيل: إن أردتم بالمحسوس الحس المعتاد فالرؤية التي يثبتها
_________
(1) أ، ب: وإن.
(2) حينئذ: ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) بل: زيادة في (ن) .
(4) أ: محسوس لم يكن الإحساس لم يبطل، ب: محسوس لم يمكن الإحساس لم يبطل.
(5) ن، م: دون.
(6) ن: ممكن أن تقبلوا فيه الحكم الذي يمنع فيه المحسوس، أ: لم يمكن أن يقبلوا فيه الحكم الذي يمتنع في المحسوس، ب: لم يمكن أن يقبل فيه الحكم الذي في المحسوس.
(7) أ: فحينئذ فيجوز، ب: فحينئذ يجوز
=============================
مثبتة الرؤية (1) بلا مقابلة ليست هي الرؤية المعتادة، بل (2) هي رؤية لا نعلم صفتها، كما أثبتم وجود موجود (3) لا نعلم صفته، فكل ما تلزمونهم به من الشناعات والمناقضات يلزمكم أكثر منه.
الجواب الثالث: أن يقال: أهل الحديث والسنة المحضة متفقون على إثبات العلو والمباينة وإثبات الرؤية، وحينئذ فمن أثبت أحدهما ونفى الآخر أقرب إلى الشرع والعقل (* ممن نفاهما جميعا (4) .
فالأشعرية الذين أثبتوا الرؤية ونفوا الجهة أقرب إلى الشرع والعقل *) (5) من المعتزلة والشيعة الذين نفوهما. أما كونهم أقرب إلى الشرع فلأن (6) الآيات والأحاديث والآثار المنقولة عن الصحابة في دلالتها على العلو وعلى الرؤية (7) أعظم من أن تحصر، وليس مع نفاة الرؤية والعلو ما يصلح أن يذكر من الأدلة الشرعية، وإنما يزعمون أن عمدتهم (8) العقل.
فنقول: قول (9) الأشعرية المتناقضين خير من قول هؤلاء، وذلك
_________
(1) ن: فالرؤية التي مثبتة، م: فالرؤية التي يثبتها مثبتها.
(2) ن: مثل، وهو تحريف.
(3) ن: كما أثبتم موجودا، م: كما أنتم موجودا.
(4) ن: من نفاتهما جميعا.
(5) ما بين النجمتين ساقط من (م) فقط.
(6) أ، ب: فإن.
(7) أ، ب: العلو والرؤية.
(8) أ، ب: أن علتهم، وهو تحريف.
(9) ن، م: وقول
===========================
أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا يشار إليه ولا يقرب منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا ترفع إليه الأيدي، ونحو ذلك - كانت الفطرة منكرة لذلك. والعقلاء جميعهم الذين لم تتغير فطرتهم ينكرون ذلك، ولا يقر بذلك إلا من لقن أقوال النفاة وحجتهم (1) وإلا فالفطر (2) السليمة متفقة على إنكار ذلك أعظم من إنكار خرق العادات ; لأن (3) العادات يجوز انخراقها باتفاق أهل الملل وموافقة عقلاء الفلاسفة لهم على ذلك.
فنقول: إن كان قول النفاة حقا مقبولا (4) في العقل فإثبات وجود الرب على العرش من غير أن يكون جسما أقرب إلى العقل وأولى بالقبول. وإذا ثبت أنه فوق العرش، فرؤية ما هو فوق الإنسان وإن لم يكن جسما أقرب إلى العقل وأولى (5) بالقبول. من إثبات قول النفاة. فتبين أن الرؤية على قول هؤلاء أقرب إلى العقل من قول (6) النفاة، وإذا قدر أن هذا خلاف المعتاد، فتجويز انخراق العادة أولى من قول النفاة (7) ، فإن قول النفاة ممتنع في فطر العقلاء لا يمكن جوازه، وأما انخراق العادة (8) فجائز.
_________
(1) أ، ب: ولا يقرون إلا (ثم بياض في النسختين) الأقول النفاة وحجتهم، ولا يقر بذلك إلا من لعن أقوال النفاة وحجتهم، والمثبت من (م) .
(2) ن، م: فالفطرة.
(3) ن، م: فإن.
(4) عبارة في العقل ساقطة من (أ) ، (ب) وفي (م) حقا موجودا في العقل.
(5) ن، م: جسما أولى.
(6) أ، ب: أقوال.
(7) ساقط من (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: العادات
===========================
الجواب الرابع: أن الأشعرية تقول (1) : إن الله قادر على أن يخلق بحضرتنا ما لا نراه ولا نسمعه من الأجسام والأصوات، وأن يرينا ما بعد منا، لا يقولون: إن هذا واقع، بل يقولون: إن الله قادر عليه وليس كل ما كان قادرا عليه يشكون في وقوعه، بل يعلمون أن هذا ليس واقعا (2) الآن، وتجويز الوقوع غير الشك في الوقوع.
وعبارة هذا الناقل تقتضي أنهم يجوزون أن يكون هذا الآن موجودا ونحن لا نراه، وهذا لا يقوله عاقل، ولكن هذا قيل لهم بطريق الإلزام. قيل [لهم] (3) : إذا جوزتم الرؤية في غير جهة، فجوزوا هذا. فقالوا: نعم نجوز. كما أنهم يقولون: رؤية الله جائزة في الدنيا، أي: هو قادر على أن يرنا نفسه، وهم يعلمون مع هذا أن أحدا من الناس لا يرى الله في الدنيا إلا ما تنوزع فيه من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه، ومن شك منهم في وقوع الرؤية في الدنيا فلجهله (4) بالأدلة النافية لذلك.
وقد ذكر الأشعري في وقوع الرؤية بالأبصار في الدنيا لغير النبي - صلى تعالى عليه وسلم - قولين؛ لكن الذي عليه أهل السنة قاطبة (5) أن الله لم يره أحد بعينيه (6) في الدنيا.
وقد ذكر الإمام أحمد (7) وغيره اتفاق السلف على هذا
_________
(1) ن، م: يقولون.
(2) أ، ب: ليس بواقع.
(3) لهم: ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) أ، ب: فلجهلهم.
(5) قاطبة: ساقطة من (ن) ، (م) .
(6) بعينيه: ساقطة من (ن) ، (م) .
(7) ن، م: وذكر أحمد
=========================
[النفي] (1) وأنهم لم يتنازعوا إلا في النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة. وقد ثبت في صحيح مسلم (2) وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «واعلموا أن أحدا منكم لن يرى (3) ربه حتى يموت» ". مضى هذا الحديث من قبل في هذا الكتاب 2 - 516، 612.
وقد سأل موسى - عليه السلام - (4) الرؤية فمنعها، فلا يكون آحاد الناس أفضل من موسى. وفي الجملة ليس كل ما قال قائل: " إنه ممكن مقدور " يشك في وقوعه.
فالأشعرية ومن وافقهم (5) من أتباع الشافعي ومالك (6) وأحمد - وإن كانوا يقولون بجواز أمور ممتنعة في العادة في الرؤية - فيقولون: إنه لا حجاب بين الله وبين العبد إلا عدم خلق الرؤية في العين (7) ، وكذلك يقولون في سائر المرئيات.
فكانوا ينفون أن يكون في العين قوة امتازت بها فحصلت بها الرؤية، ويمنعون أن يكون بين الأسباب ومسبباتها ملازمة، وأن يكون بين (8)
_________
(1) النفي: ساقطة من (ن) ، (م) .
(2) ن، م: وسلم في صحيح مسلم.
(3) أ، ب: لم ير.
(4) عليه السلام: زيادة في (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: يشك في وقوعه الأشعرية ومن وافقهم، م: فشك في وقوعه الأشعري ومن وافقهم.
(6) ن، م: مالك والشافعي.
(7) أ، ب: بالعين.
(8) ن، م: وبين
============================
الموانع وممنوعاتها ممانعة، ويجعلون ذلك كله عادة محضة (1) استندت إلى محض المشيئة، ويجوزون خرقها بمحض المشيئة.
فهم يقولون: إنا نعلم انتفاء كثير مما يعلم (2) إمكانه كما نعلم أن البحر لم ينقلب دما، ولا الجبال ياقوتا، ولا الحيوانات أشجارا، بل يجعلون العلم بمثل هذا من العقل الذي يتميز به (3) العاقل عن المجنون، وهم وإن كانوا يتناقضون [وفي قولهم ما هو باطل عقلا ونقلا] (4) فأقوالهم في القدر والصفات والرؤية (5) خير من أقوال المعتزلة وموافقيهم من الشيعة (6) وإن كان الصواب هو ما عليه السلف وأئمة السنة وهو (7) قول الأئمة الأربعة وجمهور كبار أصحابهم (8) [والنصوص المأثورة في ذلك عن الأئمة المذكورين في غير هذا الموضع] (9) .
والبيان التام هو (10) ما بينه الرسول [صلى الله عليه وسلم] (11) ؛ فإنه أعلم
_________
(1) محضة: ساقطة من (ن) ، (م) .
(2) ن: نعلم.
(3) أ، ب، م: يميز به.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) ، وفي (أ) ، (ب) يتناقضون في قولهم، وزدت الواو حتى يستقيم الكلام.
(5) أ، ب: والربوبية، وهو تحريف.
(6) من الشيعة: ساقطة من (ن) ، (م)
(7) ن، م: الصواب ما عليه السلف وهو.
(8) أ، ب: وجمهور الأكابر من الصحابة، وهو خطأ.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(10) هو: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(11) صلى الله عليه وسلم: ساقطة من (ن)
=============================
الخلق بالحق وأنصح الخلق للخلق (1) ، وأفصح الخلق في بيان الحق، فما بينه (2) من أسماء الله وصفاته وعلوه ورؤيته هو الغاية في هذا الباب، [والله الموفق للصواب] (3) .
[فصل كلام الرافضي على مقالة الأشاعرة في كلام الله تعالى والرد عليه]
فصل
قال الرافضي (4) : وذهبت الأشاعرة (5) إلى أن الله أمرنا ونهانا في الأزل (6) - ولا مخلوق عنده - قائلا: {ياأيها النبي اتق الله} [سورة الأحزاب: 1] {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله} [سورة البقرة: 278] {ياأيها الناس اتقوا ربكم} [سورة النساء: 1] (7) ، ولو جلس شخص في مكان خال (8) ولا غلام عنده فقال: يا سالم قم، يا غانم كل، يا نجاح (9) ادخل، قيل: (10) لمن تنادي؟ قال: لعبيد أريد أن (11) أشتريهم بعد عشرين سنة (12) ، نسبه كل عاقل
_________
(1) عبارة وأنصح الخلق للخلق ساقطة من (م) ، وسقطت للخلق من (أ) ، (ب) .
(2) ن: فيما بينه
(3) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) الكلام التالي في (ك) ص 92 (م) 93 (م) .
(5) أ، ب، ن: الأشاعرة أيضا، ك: وذهبوا.
(6) ك: إلى أنه تعالى آمر وناه في الأزل.
(7) في (أ) ، (ب) جاءت آية سورة النساء قبل آيتي سورة الأحزاب والبقرة.
(8) ك: شخص في منزله.
(9) م: كل ما تحتاج، ك: كل ويا نجاح.
(10) ن: قال، م: فقيل.
(11) أريد أن: ساقطة من (أ) ، (ب) ، (ن) ، (م) وزدتها من (ك) .
(12) م: أسير بهم عشرين سنة، وهو تحريف
============================