
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثالث
الحلقة (212)
صـ 321 إلى صـ 328
وأما امتناع اختلافهما وإن لم يكن لازما فهو أظهر، فإنه عند الاختلاف يحصل التمانع. وهذه المعاني كيفما عبرت عنها تجدها معاني صحيحة: يمتنع وجود اثنين متفقين أو مختلفين، إلا أن يكون كل منهما قادرا عند انفراده، وإذا كان كل منهما قادرا عند الانفراد كان (1) لكل منهما فعل ومفعول يختص به منفردا عن الآخر، فلا يكونان متفقين في كل فعل وكل (2) مفعول، ولا يمكن أن يتفقا في شيء واحد أصلا ; لأن ذلك الفعل الحادث لا يكون ما يقوم بأحدهما نفس ما يقوم بالآخر (3) ، فإن هذا ممتنع لذاته.
والمخلوق المنفصل لا يكون نفس أثر هذا فيه هو نفس أثر الآخر فيه، بل لا بد من أثرين فإن كان أحدهما شرطا في الآخر كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر، فلا يكون قادرا عند الانفراد (4) ، وإن لم يكن كذلك كان مفعول هذا ليس هو مفعول الآخر ولا بلازم (5) له، فلا يكون هناك اتفاق في مفعول واحد أصلا.
وهذا من جنس ما تقدم من ذهاب كل إله بما خلق، لكن الذي يختص به (6) هذا أن الشيئين اللذين يشترط في كل واحد (7) منهما أن يكون مع الآخر لا بد أن يكون لهما ثالث غيرهما يحدثهما (8) كما في
_________
(1) أ، ب: عند انفراده وكان.
(2) ن: ولا كل.
(3) بالآخر: ساقطة من (أ) .
(4) بعد كلمة الانفراد توجد عدة أسطر معادة في نسخة (ن) .
(5) ن: ولا يلازم له، أ: ولا ملازم له، ب: ولا ملازما له.
(6) به: ساقطة من (ن) .
(7) واحد: ساقطة من (ن) .
(8) يحدثهما ساقطة من (أ) ، (ب) وفي (ن) محدثهما
============================
الأجيرين لمعلم واحد، والمفتيين الراجعين إلى النصوص، والمتشاورين الراجعين (1) إلى أمر يوجب اجتماعهما، فلا بد أن يكون بين المتشاركين ثالث يجمعهما.
وأما الخالقان فلا شيء فوقهما. ولو قيل: إنهما (2) يفعلان ما هو (3) المصلحة أو غير ذلك فكل (4) هذه المحدثات تابعة لهما وعنهما (5) ، ولا يكون شيء إلا بعلمهما (6) وقدرتهما، بخلاف المخلوق الذي يحدث أمورا بدونه فيعاونه على ما هو المصلحة له.
وإذا قيل: علما (7) ما سيكون، فالعلم بالحادث تابع للمعلوم الحادث، والحادث (8 تابع لإرادة محدثه 8) (8) ، والإرادة تابعة لهما (9) .
وأما الخالقان فإنه لا بد أن تكون إرادة كل منهما من لوازم نفسه أو تكون نفسه مستقلة بإرادته. وحينئذ (10) لا تكون إرادته موقوفة على شرط إرادة غيره، فإنها إذا توقفت على ذلك لم يكن مستقلا بالإرادة (11) ولا كانت
_________
(1) الراجعين: ساقطة من (ن) .
(2) ن: أيهما، وهو تحريف.
(3) ن: ما فيه.
(4) ع: وكل.
(5) ن: المخلوقات تابعة لما عنهما.
(6) ع: ولا يكون الشيء إلا بعلمهما، ن: ولا يكون شيء إلا بفعلهما.
(7) أ، ب: العلما، وهو تحريف.
(8) (8 - 8) ساقط من (أ) ، (ب) .
(9) أ، ب: تابع لهما.
(10) وحينئذ: ساقطة من (ن) .
(11) ع: بالإرادات
===============================
من لوازم نفسه ; لأنه إذا كان هذا لا يريد ويفعل إلا مع إرادة الآخر وفعله كانت إرادة كل منهما وفعله جزءا من المقتضي لكون الآخر مريدا فاعلا.
وهذا دور في جزء العلة. والدور في جزء المقتضي ممتنع كالدور في نفس المقتضي، وإذا (1) جوز في المتضايفين كالأبوة والبنوة أن يتلازما فلأن المقتضي التام لهما غيرهما (2) فلو كانت الإرادتان والفعلان متلازمين (3) لكان المقتضي التام لهما غير هذا وغير هذا.
وذلك ممتنع، إذ لا شيء فوقهما يجعلهما كذلك، فيلزم أن لا يكون كل (4) واحد منهما مريدا ولا فاعلا.
وهذه كلها أمور معقولة محققة مبرهنة، كلما تصورها المتصور تصورا صحيحا علم صحتها وهي مبسوطة في غير هذا الموضع.
فتبين (5) أنه لو قدر إلهان متكافئان (6) في القدرة لم يفعلا شيئا لا حال الاتفاق ولا حال الاختلاف، فلا بد حينئذ إذا قدر إلهان أن يكون أحدهما أقدر من الآخر، والأقدر عال على من دونه في القدرة بالضرورة، فلو كان ثم آلهة لوجب علو بعضهم على بعض، (7 ولو علا بعضهم على بعض 7) (7) لم
_________
(1) ن: فإذا، ب: وإنما.
(2) ن: والبنوة أن يتلازما فلأن المقتضي به لهما غيرهما، أ: والبنوة متلازمين فلأن المقتضي التام لهما غيرهما، ب: والبنوة وكل متلازمين لأن المقتضي التام لهما غيرهما
(3) ن: فلو كانت الإرادة، فإن الفعل متلازمين، وهو تحريف.
(4) كل: ساقطة من (ن) ، (م) .
(5) أ، ب: فتعين.
(6) أ: إلها لكان متكافيا، ب: إلهان وكانا متكافئين، وكلاهما تحريف.
(7) (7 - 7) ساقط من (أ) ، (ب)
===============================
يكن (1) المستقل بالفعل إلا العالي (2) وحده، فإن المقهور (3) إن كان محتاجا في فعله إلى إعانة الأول (4) كان عاجزا بدون الإعانة، وكانت قدرته من غيره، وما كان هكذا (5) لم يكن إلها بنفسه. والله تعالى (6) لم يجعل من مخلوقاته إلها (7) ، (8 فامتنع أن يكون المقهور (8) إلها 8) (9) ، وإن كان المقهور يستقل بفعل (10) بدون الإعانة من العالي (11) لم يمكن العالي (12) إذا أن يمنعه مما هو مستقل به، فيكون العالي عاجزا عن منع المقهور، فلا يكون عاليا، وقد فرض أنه عال. هذا خلف، وهو (13) جمع بين النقيضين.
فتبين أنه مع علو بعضهم على بعض لا يكون المغلوب إلها بوجه، بل يمتنع أن يكون إلها مع إعانة الآخر له، ويمتنع أن يكون إلها منفردا غنيا عن الآخر، إذ كان الغني عن غيره لا يعلو غيره عليه ولا يقدر (14) أن
_________
(1) أ: لم يكن ; ب: ولم يكن.
(2) ن: الأعلى.
(3) أ: فإن فلان المقهور، ب: فإن الثاني المقهور.
(4) ن: إذ كان وحده يحتاج فعله إلى إعانة الأول.
(5) عند عبارة " وما كان هكذا "، تعود نسخة (م) .
(6) تعالى: زيادة في (أ) ، (ب) .
(7) أ، ب: لم يجعل إلها من مخلوقاته.
(8) المقهور: ساقطة من (ن) .
(9) (8 - 8) ساقط من (م) .
(10) أ: وإن كان المقهور مستقل بفعل، ب: وإن كان المقهور مستقلا يفعل.
(11) ن، ع: بدون إعانة العالي، م: دون إرادة العالي.
(12) أ: لم يكن العالي، ب: لم يكن للعالي.
(13) أ، ب: وهذا.
(14) ن، م: إذ لو كان الغني عن غيره لا يعلو غيره عليه ولا يقدر، أ: إذا كان الغني عن غيره لا يعلو غيره عليه ولا يقدر، ب: إذا الغني عن غيره لا يقدر
===================================
يعلو غيره عليه، [ومتى قدر أن يعلو عليه (1) كان مفتقرا إليه (2) محتاجا إلى امتناعه من علوه عليه، وانكفافه عن ذلك العلو، ومن غلبه غيره (3) لا يكون عزيزا منيعا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟ .
والعرب تقول: عز يعز بالفتح (4) إذا قوي وصلب (5) ، وعز يعز بالكسر (6) إذا امتنع، وعز يعز بالضم (7) إذا غلب، فإذا (8) قويت الحركة قوي المعنى، والضم أقوى من الكسر، والكسر أقوى من الفتح.
فإذا كان مغلوبا (9) لم يكن منيعا، وإذا لم يكن منيعا (10) لم يكن قويا بطريق الأولى، ومن لا يكون قويا لا يكون (11) ربا فاعلا.
فتبين أنه لو كان معه إله لعلا بعضهم على بعض، كما تبين (12) أنه كان يذهب كل إله بما خلق.
وهذا (13) بعض تقرير البرهانين (14) اللذين في القرآن. ومما يوضح ذلك أنك
_________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، وفي (أ) : ومتى إن قدر عليه، وفي (ب) : ومتى قدر عليه، وفي (م) : ولا يقدر أن يعلو عليه.
(2) أ، ب: فقيرا إليه.
(3) ن، م: وانكفافه عليه من ذلك الامتناع ومن عليه غيره، وهو تحريف.
(4) بالفتح: ساقطة من (ن) ، (م) .
(5) ن، م: وغلب.
(6) بالكسر: ساقطة من (ن) ، (م) .
(7) بالضم: ساقطة من (ن) ، (م) .
(8) ن، م، ع: إذا.
(9) ن، م معلوما، وهو تحريف.
(10) ن، م: ممتنعا.
(11) أ، ب: لم يكن.
(12) ن، ع: كما بين.
(13) ع: فهذا.
(14) ن: الزمانين
==============================
لا تجد في الوجود شريكين متكافئين إن لم يكن فوقهما ثالث يرجعان إليه، فإذا قدر ملكان متكافئان في الملك لم يرجع أحدهما إلى الآخر ولا ثالث لهما (1) يرجعان إليه كان ذلك ممتنعا.
بل إذا قدر طباخان (2) لقدر واحدة (3) متكافئان في العمل، لا يرجع أحدهما إلى الآخر، ولا فوقهما ثالث يرجعان إليه، لم يمكن ذلك (4) .
وكذلك البانيان لدار واحدة، وكذلك الغارسان لشجرة واحدة، وكذلك كل آمرين بمأمور واحد (5) كالطبيبين والمفتيين، وكذلك الخياطان لثوب واحد.
فلا يتصور في جميع هذه المشاركات اتفاق اثنين، إلا أن يكون أحدهما فوق الآخر، وأن يكون (6) لهما ثالث فوقهما، وذلك لأن فعل كل واحد (7) منهما إذا كان مشروطا بفعل الآخر لم يرد هذا ولم يأمر ولم يفعل حتى يريد هذا ويأمر ويفعل الآخر (8) كذلك، فلا يريد واحد منهما ولا يأمر ولا يفعل، فلا (9) يفعلان شيئا.
فاشتراك اثنين متكافئين ليس فوقهما ثالث ممتنع، وإذا اشترك شريكان
_________
(1) ن، م: ولا لهما ثالث.
(2) م: طيافان، ب: صانعان، وسقطت الكلمة من (أ) .
(3) ن، م: واحد.
(4) ن، م، أ: لم يكن ذلك.
(5) م: آمر بأمر واحد، ن: آمرين بأمر واحد، أ: آمرين بما هو واحد، ب: آمرين لمأمور واحد.
(6) ب فقط: أو يكون.
(7) واحد: ساقطة من (ن) ، (م) .
(8) الآخر: كذا في (أ) فقط، وفي سائر النسخ: والآخر.
(9) ع: ولا
==============================
شرعيان (1) كان ما يفعلانه من الأفعال راجعا إلى أمر (2) الشارع الذي هو (3) فوقهما، أو راجعا (4) إلى قول أهل الخبرة بالتجارة التي اشتركا فيها، فعليهما أن يريدا (5) ذلك، فإن (6) تنازعا فصل بينهما الشارع أو أهل الخبرة الذين عليهما أن يرجعا إليهم (7) وعلى ذلك تشاركا وتشارطا. وأما إن (8) لم يرجعا إلى ثالث أو لم يكن (9) أحدهما تابعا للآخر فيمتنع اشتراكهما، لكن قد يرجع هذا إلى هذا تارة، وهذا إلى هذا تارة كالمتعارضين، وحينئذ فكل واحد (10) منهما حال رجوع الآخر إليه (11) هو الأصل، والآخر فرع له.
ولهذا وجب نصب الإمارة في أقصر مدة وأقل اجتماع، كما قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يحل لثلاثة أن يكونوا (12) في سفر حتى يؤمروا أحدهم» ". رواه الإمام (13) أحمد (14) فإن الرأس (15) ضروري في الاجتماع.
_________
(1) أ: شريكين عنان ; ب: شريكان شركة عنان، وسقطت كلمة شرعيان من (ع) .
(2) أمر: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(3) هو: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(4) ن، ع: وراجعا، م: وراجعان.
(5) ب فقط: أن يديرا، وهو خطأ مطبعي.
(6) ن، م، ع: فإذا.
(7) ن فقط: إليهما، وهو خطأ.
(8) ن، م، ع: إذا.
(9) ن، م، ع: ولا يكون.
(10) واحد: ساقطة من (ن) ، (م) ، (ع) .
(11) ن، م: له.
(12) ن: لثلاثة يكونون، م: لثلاثة أن يكونون، ع: لثلاثة يكونوا.
(13) الإمام: ساقطة من (ن) ، (م) .
(14) مضى هذا الحديث من قبل في هذا الكتاب 1 - 527 - 528.
(15) ن: الترأس، م: التأمر
==============================
فلا بد (1) للناس من رأس، وإذا لم يكن لهم رأس امتنع الاجتماع، فإذا كان لهما رأسان متكافئان يشتركان في رياسة جماعة بطل الاجتماع.
وهذا مما هو مستقر (2) في فطر الناس كلهم. فإذا كان ولاة الأمر اثنين، فلابد أن يتناوبا (3) في الأمر بحيث يطيع هذا هذا (4) تارة، وهذا هذا (5) تارة، كما يوجد في أعوان الملوك ووزرائهم، إذا بدأ هذا بأمر (6) أعانه الآخر عليه، فإن (7) لم يتفقا رجع الأمر إلى من فوقهما، وإلا فالأمر الواحد لا يصدر عن اثنين معا إلا أن يكونا تابعين فيه لثالث.
فالتمانع حاصل بين الأصلين المتكافئين، سواء قدر (8) اتفاقهما أو اختلافهما، ولكن التمانع مع الاختلاف أظهر، وكذلك هما يتمانعان (9) مع الاتفاق، فإن أحدهما لا يمكنه (10) أن يفعل حتى يفعل الآخر، (10 وذاك لا يمكنه حتى يفعل الآخر 10) (11) وليس لهما ثالث يحركهما إلى الفعل، وليس تقدم أحدهما أولى من تقدم الآخر، ووقوع الفعل منهما مع كون (12) فعل كل منهما لا بد له من قدرة عليه (13) ، وهو لا يقدر إلا
_________
(1) ن، م: لا بد.
(2) ع: مما استقر.
(3) ن، م: يتقاربا، وهو تحريف.
(4) أ، ب: لهذا.
(5) أ، ب: لهذا.
(6) ن، م: إذا ابتدا، ن: اقتدا أحدهما بأمر.
(7) ع، م: وإذا، ن: وإن.
(8) قدر: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(9) أ: ممانعان، ب: متمانعان.
(10) أ، ب: لا يمكن.
(11) (10 - 10) ساقط من (أ) ، (ب) .
(12) كون: ساقطة من (ن) ، (م) .
(13) عليه، ساقطة من (أ) ، (ب)
=========================