عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 07-11-2024, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,361
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (8)
سُورَةُ بَرَاءَةٌ
من صــ 116 الى صــ 125
الحلقة (360)


السادسة والعشرون : فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه ، فمنهم من جوزه ومنهم من كرهه . قال مالك : خوف المحمدة . وحكى مطرف أنه قال : رأيت مالكا يعطي زكاته لأقاربه . وقال الواقدي قال مالك : أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول . وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن مسعود : لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة . واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها ، فذكر عن ابن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه . وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وخالفه صاحباه فقالا : يجوز . وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني ؟ فقال عليه السلام : نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة . والصدقة المطلقة هي الزكاة ، ولأنه لا نفقة للزوج عليها ، فكان بمنزلة الأجنبي . اعتل أبو حنيفة فقال : منافع الأملاك بينهما مشتركة ، حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه . والحديث محمول على التطوع . وذهب الشافعي وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك ، إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها ، وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه وينفق عليها من ماله .

السابعة والعشرون : واختلفوا أيضا في قدر المعطى ، فالغارم يعطى قدر دينه ، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما . وفي جواز إعطاء النصاب أو أقل منه خلاف ينبني على الخلاف المتقدم في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ . وروى علي بن زياد وابن نافع : ليس في ذلك حد وإنما هو على اجتهاد الوالي . وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطى الفقير قوت سنة . وروى المغيرة : يعطى دون النصاب ولا يبلغه . وقال بعض المتأخرين : إن كان في البلد زكاتان نقد وحرث أخذ ما يبلغه إلى الأخرى . قال ابن العربي : الذي أراه أن يعطى نصابا ، وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر ، فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنيا . فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره .

قلت : هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب . وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز ، وأجازه أبو يوسف ، قال : لأن بعضه لحاجته مشغول للحال ، فكان الفاضل عن حاجته للحال دون المائتين ، وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان الفاضل عن حاجته للحال قدر [ ص: 117 ] مائتين فلا يجوز . ومن متأخري الحنفية من قال : هذا إذا لم يكن له عيال ولم يكن عليه دين ، فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو أكثر ، مقدار ما لو قضى به دينه يبقى له دون المائتين . وإن كان معيلا لا بأس بأن يعطيه مقدار ما لو وزع على عياله أصاب كل واحد منهم دون المائتين ؛ لأن التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله . وهذا قول حسن .

الثامنة والعشرون : اعلم أن قوله تعالى : للفقراء مطلق ليس فيه شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم أو غيرهم ، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط : منها ألا يكونوا من بني هاشم وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته . وهذا لا خلاف فيه . وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب ؛ لأنه عليه السلام قال : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي . وقد تقدم القول فيه . ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا لبني هاشم ولا لمواليهم . وقد روي عن أبي يوسف جواز صرف صدقة الهاشمي للهاشمي ، حكاه الكيا الطبري . وشذ بعض أهل العلم فقال : إن موالي بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات . وهذا خلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع مولاه : وإن مولى القوم منهم

التاسعة والعشرون : واختلفوا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم ، فالذي عليه جمهور أهل العلم - وهو الصحيح - أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم ، لأن عليا والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدقوا وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم ، وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة . وقال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب : لا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة ولا من التطوع . وقال ابن القاسم : يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع . قال ابن القاسم : والحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لآل محمد إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع . واختار هذا القول ابن خويزمنداد ، وبه قال أبو يوسف ومحمد . قال ابن القاسم : ويعطى مواليهم من الصدقتين . وقال مالك في الواضحة : لا يعطى لآل محمد من التطوع . قال ابن القاسم : قيل له - يعني مالكا - فمواليهم ؟ قال : لا أدري ما الموالي . فاحتججت عليه بقوله عليه السلام : مولى القوم منهم . فقال قد قال : ابن [ ص: 118 ] أخت القوم منهم . قال أصبغ : وذلك في البر والحرمة .

الموفية ثلاثين : قوله تعالى فريضة من الله بالنصب على المصدر عند سيبويه . أي فرض الله الصدقات فريضة . ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي ، أي هن فريضة . قال الزجاج : ولا أعلم أنه قرئ به .

قلت : قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة ، جعلها خبرا ، كما تقول : إنما زيد خارج .

[ قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم بين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا فيقبله ، فإنه أذن سامعة . قال الجوهري : يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : هو أذن قال : مستمع وقابل . وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير ، قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له . وقيل : هو نبتل بن الحارث ، قاله ابن إسحاق . وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر الرأس واللحية ، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث . السفعة بالضم : سواد مشرب بحمرة . والرجل أسفع ، عند الجوهري . وقرئ ( أذن ) بضم الذال وسكونها .

قل أذن خير لكم أي هو أذن خير لا أذن شر ، أي يسمع الخير ولا يسمع الشر . وقرأ قل أذن خير لكم بالرفع والتنوين ، الحسن وعاصم في رواية أبي بكر . والباقون بالإضافة ، وقرأ حمزة ( ورحمة ) بالخفض . والباقون بالرفع عطف على ( أذن ) ، والتقدير : قل هو أذن خير وهو رحمة ، أي هو مستمع خير لا مستمع شر ، أي هو مستمع ما يحب استماعه ، وهو رحمة . ومن خفض فعلى العطف على ( خير ) . قال [ ص: 119 ] النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد ؛ لأنه قد تباعد ما بين الاسمين ، وهذا يقبح في المخفوض . المهدوي : ومن جر الرحمة فعلى العطف على ( خير ) والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة ؛ لأن الرحمة من الخير . ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين ؛ لأن المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين ; فاللام زائدة في قول الكوفيين . ومثله ( لربهم يرهبون ) أي يرهبون ربهم . وقال أبو علي : كقوله ( ردف لكم ) وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل ، التقدير : إيمانه للمؤمنين ، أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار . أو يكون محمولا على المعنى ، فإن معنى يؤمن يصدق ، فعدي باللام كما عدي في قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه .

[ قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا ، فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت ، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه فتكلموا وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير . فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم شر من الحمير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب . فأنزل الله هذه الآية وفيها يحلفون بالله لكم ليرضوكم .

الثانية : قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه ابتداء وخبر . ومذهب سيبويه أن التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ، ثم حذف ، كما قال بعضهم :


نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
وقال محمد بن يزيد : ليس في الكلام محذوف ، والتقدير ، والله أحق أن يرضوه ورسوله ، على التقديم والتأخير . وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه ، والله افتتاح كلام ، كما تقول : ما شاء الله وشئت . قال النحاس : قول سيبويه أولاها ؛ لأنه قد صح عن [ ص: 120 ] النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال : ما شاء الله وشئت ، ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير ، ومعناه صحيح .

قلت : وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ، ألا ترى أنه قال : من يطع الرسول فقد أطاع الله . وكان الربيع بن خيثم إذا مر بهذه الآية وقف ، ثم يقول : حرف وأيما حرف فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير .

الثالثة : قال علماؤنا : تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا . واليمين حق للمدعي . وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ما تقدم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق . وقد مضى القول في الأيمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة .

[ قوله تعالى ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم قوله تعالى ألم يعلموا يعني المنافقين . وقرأ ابن هرمز والحسن " تعلموا " بالتاء على الخطاب .

( أنه ) في موضع نصب ب " يعلموا " ، والهاء كناية عن الحديث .

( من يحادد الله ورسوله ) في موضع رفع بالابتداء . والمحادة : وقوع هذا في حد وذاك في حد ، كالمشاقة . يقال : حاد فلان فلانا ، أي صار في حد غير حده .

فأن له نار جهنم يقال : ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ ، فكان يجب أن يكون " فإن " بكسر الهمزة . وقد أجاز الخليل وسيبويه " فإن له نار جهنم " بالكسر . قال سيبويه : وهو جيد وأنشد :

[ ص: 121 ]
وعلمي بأسدام المياه فلم تزل قلائص تخدي في طريق طلائح وأني إذا ملت ركابي مناخها
فإني على حظي من الأمر جامح
إلا أن قراءة العامة ( فأن ) بفتح الهمزة . فقال الخليل أيضا وسيبويه : إن ( أن ) الثانية مبدلة من الأولى . وزعم المبرد أن هذا القول مردود ، وأن الصحيح ما قاله الجرمي ، قال : ( إن ) الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام ، ونظيره ( وهم في الآخرة هم الأخسرون ) . وكذا ( فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها ) . وقال الأخفش : المعنى فوجوب النار له . وأنكره المبرد وقال : هذا خطأ من أجل أن ( أن ) المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر . وقال علي بن سليمان : المعنى فالواجب أن له نار جهنم ، فإن الثانية خبر ابتداء محذوف . وقيل : التقدير فله أن له نار جهنم . ف " إن " مرفوعة بالاستقرار على إضمار المجرور بين الفاء و " أن " .

[ قوله تعالى يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى يحذر المنافقون خبر وليس بأمر . ويدل على أنه خبر أن ما بعده ( إن الله مخرج ما تحذرون ) لأنهم كفروا عنادا . وقال السدي : قال بعض المنافقين والله وددت لو أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا ، فنزلت الآية . يحذر أي يتحرز . وقال الزجاج : معناه ليحذر ، فهو أمر ، كما يقال : يفعل ذلك .

الثانية : قوله تعالى أن تنزل عليهم ( أن ) في موضع نصب ، أي من أن تنزل . ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفض على حذف ( من ) . ويجوز أن تكون في موضع نصب مفعولة ل ( يحذر ) ؛ لأن سيبويه أجاز : حذرت زيدا ، وأنشد :


حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار
ولم يجزه المبرد ؛ لأن الحذر شيء في الهيئة . ومعنى ( عليهم ) أي على المؤمنين . ( سورة ) في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساويهم ومثالبهم ، ولهذا سميت الفاضحة والمثيرة والمبعثرة ، كما تقدم أول السورة . وقال الحسن : كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته .

[ ص: 122 ] الثالثة : قوله تعالى : قل استهزئوا هذا أمر وعيد وتهديد .

إن الله مخرج ما تحذرون أي مظهر ما تحذرون ظهوره . قال ابن عباس : أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلا ، ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ورحمة ؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين والناس يعير بعضهم بعضا . فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال : إن الله مخرج ما تحذرون . وقيل : إخراج الله أنه عرف نبيه عليه السلام أحوالهم وأسماءهم لا أنها نزلت في القرآن ، ولقد قال الله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول وهو نوع إلهام . وكان من المنافقين من يتردد ولا يقطع بتكذيب محمد عليه السلام ولا بصدقه . وكان فيهم من يعرف صدقه ويعاند .

قوله تعالى : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون فيه ثلاث مسائل :

الأولى : هذه الآية نزلت في غزوة تبوك . قال الطبري وغيره عن قتادة : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا : انظروا ، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر! فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدثون به ، فقال : احبسوا علي الركب - ثم أتاهم فقال - قلتم كذا وكذا . فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب يريدون كنا غير مجدين . وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال : رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي بن سلول . وكذا ذكر القشيري عن ابن عمر . قال ابن عطية : وذلك خطأ ؛ لأنه لم يشهد تبوك . قال القشيري : وقيل إنما قال عليه السلام هذا لوديعة بن ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك . والخوض : الدخول في الماء ، ثم استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى .

الثانية : قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا ، وهو كيفما كان كفر ، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة . فإن التحقيق أخو [ ص: 123 ] العلم والحق ، والهزل أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .

الثالثة : واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال : لا يلزم مطلقا . يلزم مطلقا . التفرقة بين البيع وغيره . فيلزم في النكاح والطلاق ، وهو قول الشافعي في الطلاق قولا واحدا . ولا يلزم في البيع . قال مالك في كتاب محمد : يلزم نكاح الهازل . وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية : لا يلزم . وقال علي بن زياد : يفسخ قبل وبعد . وللشافعي في بيع الهازل قولان . وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان . وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء . وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم ، وإن اختلفا غلب الجد الهزل . وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة . قال الترمذي : حديث حسن غريب ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم .

قلت : كذا في الحديث " والرجعة " وفي موطإ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ثلاث ليس فيهم لعب النكاح والطلاق والعتق . وكذا روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء ، كلهم قال : ثلاث لا لعب فيهن ولا رجوع فيهن واللاعب فيهن جاد النكاح والطلاق والعتق وعن سعيد بن المسيب عن عمر قال : أربع جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور وعن الضحاك قال : ثلاث لا لعب فيهن ، النكاح والطلاق والنذور .

[ قوله تعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين [ ص: 124 ] قوله تعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم على جهة التوبيخ ، كأنه يقول : لا تفعلوا ما لا ينفع ، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب . واعتذر بمعنى أعذر ، أي صار ذا عذر . قال لبيد :


ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
والاعتذار : محو أثر الموجدة ، يقال : اعتذرت المنازل درست . والاعتذار الدروس . قال الشاعر :


أم كنت تعرف آيات فقد جعلت أطلال إلفك بالودكاء تعتذر
وقال ابن الأعرابي : أصله القطع . واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة . ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان . ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها .

إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين قيل : كانوا ثلاثة نفر ، هزئ اثنان وضحك واحد ، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم . والطائفة الجماعة ، ويقال للواحد على معنى نفس طائفة . وقال ابن الأنباري : يطلق لفظ الجمع على الواحد ، كقولك : خرج فلان على البغال . قال : ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا ، والهاء للمبالغة . واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال . فقيل : مخشي بن حمير ، قاله ابن إسحاق . وقال ابن هشام : ويقال فيه ابن مخشي . وقال خليفة بن خياط في تاريخه : اسمه مخاشن بن حمير . وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن بن خمير . وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة ، وكان تاب وسمي عبد الرحمن ، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره . واختلف هل كان منافقا أو مسلما . فقيل : كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا . وقيل : كان مسلما ، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم .

[ قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون قوله تعالى ( المنافقون والمنافقات ) ابتداء . ( بعضهم ) ابتداء ثان . ويجوز أن يكون [ ص: 125 ] بدلا ، ويكون الخبر ( من بعض ) . ومعنى ( بعضهم من بعض ) أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدين . وقال الزجاج ، هذا متصل بقوله : ( يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ) أي ليسوا من المؤمنين ، ولكن بعضهم من بعض .

أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف . وقبض أيديهم عبارة عن ترك الجهاد ، وفيما يجب عليهم من حق . والنسيان : الترك هنا ، أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك . وقيل : إنهم تركوا أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه . وقال قتادة : " نسيهم " أي من الخير ، فأما من الشر فلم ينسهم . والفسق : الخروج عن الطاعة والدين . وقد تقدم .

[ قوله تعالى وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم قوله تعالى وعد الله المنافقين يقال : وعد الله بالخير وعدا . ووعد بالشر وعيدا ( خالدين ) نصب على الحال والعامل محذ الوف ، أي يصلونها خالدين .

هي حسبهم ابتداء وخبر ، أي هي كفاية ووفاء لجزاء أعمالهم . واللعن : البعد ، أي من رحمة الله ، وقد تقدم .

ولهم عذاب مقيم أي واصب دائم .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]