
24-10-2024, 06:30 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,491
الدولة :
|
|
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ
الحديث 10: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا...))
عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت
عناصر الخطبة:
• رواية الحديث.
• المعنى الإجمالي للحديث.
• المستفادات من الحديث والربط بالواقع.
الخطبةالأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، وإن الله أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغْبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرام، ومَشْرَبُه حرام، ومَلْبَسُه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟))[1].
عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه ينص على أهمية أن تكون الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله عز وجل طيبةً، وأنه شرطٌ في قبول الأعمال الصالحة، كما حثَّ على الأكل والشرب واللُّبس من الحلال الطيب، وحثَّ على البعد عن الحرام الخبيث؛ لأنه سبب في عدم استجابة الدعاء، فما هي الفوائد التي نفيدها من هذا الحديث العظيم؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي:
1- تنزيه الله تعالى عن النقائص: الله منزَّه عن النقائص والعيوب كلها؛ فنزَّه نفسه عن الولد فقال: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3]، ونزَّه نفسه عن النوم؛ فقال: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]، وهنا في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب)) تنزيه لله عن جميع النقائص؛ لأن الطيب هو الطاهر المقدَّس المنزَّه عن العيوب والنقائص كلها، فالعمى نقص والله بصير، والجهل نقص والله عليم، والضعف نقص والله قويٌّ، والبخل نقص والله كريم، وهكذا.
2- الطِّيبة شرط في قبول الأعمال كلها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل إلا طيبًا))، فالله لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا الطيب؛ وذلك لوقوع صاحبها بمحظور أو تقصير لشرط أو ركن من العمل الذي يتقرب به إلى الله عز وجل، ونَفْيُ القَبول يأتي بمعنى نفي الأجر والثواب، ويأتي بمعنى نفي صحة العمل وبطلانه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُقبَل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))[2]؛ أي: لا تصح منه، وفي الحديث الذي بين أيدينا نفي حصول الأجر والثواب والرضا، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به؛ وعليه من تصدَّق بالمال المستفاد من السرقة أو الغش، أو الربا أو تجارة المخدرات، أو غيرها من الطرق المحرَّمة، نقول له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا))، وقوله: ((من تصدق بعِدلِ تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبه، كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل))[3].
ولذلك يرى الإمام الشافعي رحمه الله أن المال الحرام يُحفظ حتى يُعرف صاحبه، ولا يُتصدق به، ويرى غيره أنه يُتخلص منه بإنفاقه في وجوه البر وأعمال الخير، ومصالح المسلمين، هذا إذا لم يُعرف له صاحبُ حقٍّ، مع التوبة الصادقة في عدم العَودِ إلى أكل الحرام.
3- الأمر بالكسب الطيب والأكل من الحلال: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن الله أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]))، وأتعجب ممن يستهويه الحرام ودائرته ضيقة وقليلة، ولا يبحث عن الحلال على رغم أن دائرته واسعة وكثيرة، لماذا لا يتحرَّى العبدُ الحلالَ في عمله، فيدخل مع الوقت ويؤدي عمله أحسن قيام، ويخرج في الوقت فيُطعم أبناءه ونفسه من الحلال؟ لماذا بعض الموظفين والعمال يسرقون من وقت العمل، مع ضمان أجرهم كاملًا؟ نقول: ما تسرقونه يجعل أجركم فيه شُبهة من الحرام، لماذا يُصِرُّ البعض على أخذ رُشوة وهي مال حرام، ويُطعم بها أبناءه وعياله؟ لماذا بعض أصحاب المهن - ميكانيكي، بناء، نجار، حداد، رصاص، صباغ، وغيرهم - لا يُتقنون أعمالهم، ويخالفون المتعاقد عليه في العقد، مع أخذهم لأجرتهم كاملة؟ إنما يأكلون السُّحت، فهؤلاء وأمثالهم يصدُق عليهم قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ [يونس: 59]، فالواجب تحرِّي أكلِ الحلال في العمل والمطعم، والمشرب والملبس، فاللهم ارزقنا أكل الحلال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد:
4- فمن مواقف السلف في تحري أكل الحلال:
قال صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام))[4]، وبذلك حرَص السلف على الأكل من الحلال وتجنُّب الحرام؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إنْ كنَّا نترك تسعة أعشار الحلال؛ مخافة الوقوع في الحرام"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخَراج، وكان أبو بكر يأكل من خَراجِهِ، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكَهانة، إلا أني خدعتُه، فلقِيَني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه"[5]، وكانت المرأة من السلف إذا خرج زوجها لطلب الرزق تأخذ بثوبه وتقول: "يا عبدالله، اتَّقِ الله فينا، فوالله إنَّا لَنصبرُ على الجوع، ولا نصبر على النار"، وهناك اليوم من نسائنا من تدفع زوجها بكثرة طلباتها إلى الاستدانة المحرَّمة، أو تلمُّس اكتساب المال بطرق غير مشروعة، إرضاءً لها، نتيجة ضعف الوازع الديني لديه، فهل لنا من معتبر في تحري سلفنا للحلال؟
عباد الله: من المستفادات أيضًا:
5- استجابة الدعاء من آثار الرزق الحلال: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟))، فهذا في الذي يأكل الحرام، لا يُستجاب دعاؤه، ومفهومه أن من يأكل الحلال يكون مستجاب الدعاء.
فاللهم استجب دعاءنا، وطيِّب أرزاقنا، آمين.
(تتمة الدعاء).
[1] رواه مسلم، رقم: 1015.
[2] رواه مسلم، رقم: 225.
[3] رواه مسلم، رقم: 224.
[4] رواه البخاري، رقم: 2059.
[5] رواه البخاري، رقم: 3842.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|