الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-(سؤال وجواب)
أم محمد الظن
س"ماحكم لبن الميتة وجميع أجزائها؟
1- المذهب" لبن الميتة نجس، وإن لم يتغيَّر بها؛ لأنه مائع لاقى نجساً فتنجَّس به، كما لو سقطت فيه نجاسة ـ وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة قبل أن تموت ـ لكنهم قالوا: إنها لمَّا ماتت صارت نجسةً، فيكون قد لاقى نجاسةً فتنجَّس بذلك.
2-واختار شيخ الإِسلام أنَّه طاهر[(132)] بناءً على ما اختاره من أن الشيء لا ينجس إلا بالتغيُّر[(] انظر: «مجموع الفتاوى» (21/103))]، فقال: إِن لم يكن متغيِّراً بدم الميتة، وما أشبه ذلك فهو طاهر.
س" مالذي رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالي في لبن الميتة؟
والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنَّه وإن انفصل واجتمع في الضَّرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النَّجاسة، لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير، ثم إن الذي يظهر سريان عُفونة الموت إلى هذا اللَّبن؛ لأنه ليس كالماء في قُوَّة دفع النَّجاسة عنه.
والمذهب، وإن كان فيه نَظَر من حيث قاعدة: أن ما لا يتغيَّر بالنَّجاسة فليس بنجس، وهذه قاعدة عظيمة محكمة، لكن الأخذ به هنا من باب الاحتياط، وأيضاً بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، واللَّبن في الضَّرع قد يكون داخلاً في هذا العموم.
س"ماحكم طهارة أجزاء الميتة ؟
1- المذهب: «وكل أجزائها نجسةٌ» ، كاليد، والرِّجل، والرَّأس ونحوها لعموم قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] ، والميتةُ تُطلَقُ على كلِّ الحيوان ظاهره وباطنه.
قوله: «غيرُ شَعْر ونحوه» ، كالصُّوف للغنم، والوبر للإِبل، والرِّيش للطيور، والشَّعر للمَعْز والبقر، وما أشبهها.
س"مالذي يستثني من الميتات؟
1 ـ ماميتته طاهرة كالسمك "وغيره من حيوان البحر بدون استثناء، فإن ميتته طاهرة حلال لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] ، وتقدَّم تفسير ابن عباس للصَّيد والطَّعام.
س"هل يلزم من الحل الطهارة ومن الطهارة الحل؟
ويلزم من الحِلّ الطَّهارة، ولا عكس، فيتلخَّص عندنا ثلاث قواعد:
أ ـ كُلُّ حلال طاهر.
ب ـ كُلُّ نجس حرام.
جـ ليس كُلُّ حرام نجساً.
2- ميتة الآدمي" لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ المؤمن لا ينجس».
ولأن الرَّجُل إذا مات يُغسَّل، ولو كان نجساً ما أفاد به التغسيل.
3ـ ميتة ما ليس له دم،" والمراد الدَّم الذي يسيل إِذا قُتل، أو جُرح، كالذُّباب، والجراد، والعقرب. والدَّليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدِكم فلْيغمسه ثم لينزعْه»[( رواه البخاري3320)].
وجه الدلالة"
فقوله: «فلْيغمسْه» يشمل غمسَه في الماء الحار، وإِذا غُمس في الماء الحار فإِنه يموت، فلو كان ينجس لأمر الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بإِراقته.
س" تنقسم الميتة إلى ثلاثة أقسام عددها؟
1 ـ الشَّعر: ونحوه طاهر.
2 ـ اللحم،: وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ.
3ـ الجلد: وهو طبقة بينهما، وحكمه بين القسمين السَّابقين.
س"اذكر رأي الفقهاء في جعل المصران والكرش وتراً أي_ حبالاً_ دباغ؟
1- المذهب"ذكر الفقهاء رحمهم الله، أنَّ جعلَ المُصْران والكِرْش وتَراً ـ أي حبالاً ـ دِبَاغٌ، أي بمنزلة الدِّباغ[(انظر: «الإِنصاف» (1/174).)]، وبناءً عليه لا يكون طاهراً، ويجوز استعماله في اليابسات ..
2-صاحب «الفروع» رحمه الله" وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام رحمه الله ـ ولا سيَّما في الفقه ـ يقول: «يتوجَّه لا»[( انظر: «الفروع» (1/105).)]، والمعنى: أنه يرى أن الأوجه بناءً على المذهب، أو على القول الرَّاجح عنده أنَّه ليس دباغاً،
س"ماتوجيه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالي في هذه المسألة؟
وما قاله متوجِّه؛ لأن المُصْرَان والكِرْش من صُلب الميتة، والصَّواب ما ذهب إليه صاحب «الفروع» (جعل المصران والكرش وتراً ليس دباغاً)
س" ماحكم ما أُبِيْنَ من حي ومالذي استثناه العلماء؟
قوله: «وما أُبين من حيٍّ فهو كميتته» ، هذه قاعدة فقهية.
وأُبين: أي فُصل من حيوان حيٍّ.
وقوله: «كميتته»، يعني: طهارة، ونجاسة، حِلًّا، وحُرمة، فما أُبينَ من الآدمي فهو طاهر، حرام لحرمته لا لنجاسته، وما أُبين من السَّمك فهو طاهر حلال، وما أبين من البقر فهو نجس حرام، لأنَّ ميتتها نجسة حرام، .
استثنى فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مسألتين"
الأولى: الطَّريدة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحوه، لكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم، فهذا يقطع رِجْلَه، وهذا يقطع يده، وهذا يقطع رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلا أن ذلك أُثِرَ عن الصَّحابة رضي الله عنهم[( المحلي(7\459))].
قال الإمام أحمد رحمه الله: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأساً، والحكمة في هذا ـ والله أعلم ـ: أن هذه الطَّريدة لا يُقدَرُ على ذبحها، وإِذا لم يُقدَرْ على ذبحها، فإنها تَحِلُّ بعقرها في أي موضع من بدنها، فكما أنَّ الصَّيد إِذا أصيب في أي مكان من بدنه ومات فهو حلال؛ فكذلك الطَّريدة؛ لأنها صيد إلا أنها قطعت قبل أن تموت.
قال أحمد: «فإن بقيت»، أي: قطعنا رجلها، ولكن هربت ولم ندركها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون نجسة حراماً؛ لأنها بانت من حَيٍّ ميتته نجسة.
الثانية: المِسْك وفأرته، ويكون من نوع من الغزلان يُسمَّى غزال المسك.
ُقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المِسْكِ، فإِنهم يُركِضُونه فينزل منه دم من عند سُرَّته، ثم يأتون بخيط شديد قويٍّ فيربطون هذا الدم النازل ربطاً قويًّا من أجل أن لا يتَّصل بالبدن فيتغذَّى بالدَّم، فإِذا أخذ مدَّة فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة.
وهذا الوعاء يُسمَّى فأرة المِسْك، والمِسْكُ هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حَيٍّ وهو طاهر على قول أكثر العلماء[(انظر: «الفروع» (1/249)، «المجموع شرح المهذب» (2/573).)].
ولهذا يقول المتنبي:
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم *** فإِنَّ المِسْكَ بعضُ دم الغزال.
[(ديوان المتنبي بشرح العكبري (2/21).)]
انتهي باب الآنية بحمد الله ويتبعه باب الاستنجاء