عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 20-09-2024, 12:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام

كتاب قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام لمحمود محمد شاكر

صفية الشقيفي

أثر تأخر سن ابن سلام على كتاب الطبقات
قال أبو فهر محمود بن محمد شاكر بن أحمد الحسيني (ت: 1418هـ)
بقي أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي بالبصرة، عمرا طويلاً حتى بلغ الثانية والثمانين من عمره، وصارت إليه إمامة الأدب والرواية والعلم وأخبار
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 49]
العرب، إلى فنون أخرى كان يحسنها ويرويها ويأخذها الناس عنه، أجيالاً بعد أجيال من العلماء والأدباء، لأنه كان من قدماء أهل العلم والرواية، وطارت شهرته في الآفاق، ثم بدا له أن يرحل من البصرة إلى بغداد، كما رحل كثير من علماء البصرة من قبله، فرحل في سنة 222هـ، فلما نزل بغداد لقى الحفاوة كلها من الخليفة المعتصم، ومن علماء الناس صغيرهم وكبيرهم، ومن الأشراف والسادات، وقصده طلاب العلم والرواية في كل فن، وداروا به وسألوه وسمعوا منه. ولقد ألف ابن سلام الشيخ مثل هذه الحفاوة وهو بدار نشأته في البصرة، أما في بغداد، وهو حديث عهد باغتراب عن وطنه دار نشأته، فإن هذه الحفاوة قد هزته وأسعدته، وأشعرت قلبه لذة الفرح بما لقى من إكرام وإلطاف، ولما يكد حتى بطشت به علة شديدة شردت ما وجده في نفسه من السعادة بهذه الحفاوة، وجزع من حوله من أهله ومن طلبة العلم مخافة عليه لعلو سنه، وجزع هو، ورأى أن ما انفسح له من الأمل الذي أمله بالرحلة إلى بغداد، دار العلم يومئذ، قد ضاق، فلما مضت عنه شدة العلة واطمأن قلبه قليلاً، وعاده أهل العلم والرواية يحفون به ويسألونه، وعاوده أمل تقادم عهده أن يؤلف للناس كتبًا تبقى في أيديهم من بعده. وأول كتاب >طبقات فحول الشعراء<، دلل على أن الذي وصفت، أو قريبًا منه، قد كان كما وصفت، فإنه بدأ الكتاب هكذا: >ذكرنا العرب وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها ...< فكأن أهل العلم يومئذ قد ذاكروه وذاكرهم، ولعله أفضى إليهم بما في نفسه كما قال في حديثه مع ابن ماسويه الطبيب >وقضيت اشياء في نفسي<، يعني تأليف كتب تبقى في أيدي الناس، فسأله أصحابه من أهل العلم أن يفعل فاستجاب لهم. وكانت العلة الموقظة بعد الثانية والثمانين، حافزًا له على العجلة في قضاء ما في نفسه، وفي الوفاء بما وعد. ولكن يظهر أن هذه العلة قد تراخت به، تنتابه زمنًا بعد زمن، توشك أن تقطعه عن قضاء ذلك، وبدأ يكتب كتبه بأخرة، وهو يسابق الأيام مخافة أن تسبقه، غير مغتر بمقالة ابن ماسويه الطبيب: >قد رأيت في عرقك من الحرارة
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 50]
الغريزية وقوتها، ما إن سلمك الله من العوارض، بلغك عشر سنين أخرى<، وكيف يغتر، وأخوات الثمانين أشد إيقاظًا من الغفلة من بطش هذه العلة؟ ولكن يظهر أن العلة كانت تنتابه وتقطعه، فلم يستطع أن يفرغ من تأليف كتبه، إلا وقد دنا الأجل من وراء الحجب يشقها إليه، ففرغ ولما يكد، لما دلنا على ذلك خبر أبي خليفة عن الرياشي حيث قال: >لو عاش يومين لسمعته منه<، يعني كتاب الطبقات، كما سلف.
وهذه العجلة التي استظهرتها ووصفتها بينة في مواضع من كتابه >طبقات فحول الشعراء< التي سلمت وبقيت في أيدينا من كتبه، فقد وجدت فيه أشياء قد سقطت عنه أو منه، وهو في هذه العجلة من أمره، وأنه في هذه العجلة من أمره زاد أشياء لا ذكر لها في عرض كتابه، ومثال ذلك: أن ابن سلام في رسالة كتابه قال: >فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا، فألفنا من تشابه شعره منهم إلى نظرائه، فوجدناهم عشر طبقات، أربعة رهط كل طبقة متكافئين معتدلين<، يعني عشر طبقات من أهل الجاهلية، وعشر طبقات من أهل الإسلام. فهؤلاء ثمانون شاعرًا. هذا ما قصده ابن سلام حين بدأ كتابه، ولكنه لم يكد يفرغ من أمر شعراء الجاهلية، حتى بدا له أن يقحم بين الأربعين من شعراء الجاهلية، والأربعين من شعراء الإسلام، طبقات أخرى لم يذكرها في عرض كتابه، كما حدده حين بدأ تأليف كتابه، فقال في آخر طبقات الجاهلية: >انقضى خبر الطبقات العشر<. وكان حق ما حدده أن يقول بعده:
>طبقات الإسلام: كل طبقة أربعة رهط متكافئين معتدلين = الطبقة الأولى< كما هو نص عنوانه في أول طبقات الإسلام، ولكنه لم يفعل ذلك، فإنه حين فرغ من الجاهلية فقال: >انقضى خبر العشر الطبقات<، اخترم سياق كتابه كما عرضه فابتدأ قائلاً:
>وصيرنا أصحاب المراثي طبقة عبد العشر الطبقات< ومضى في ذكر أصحاب المراثي.
فأتى بجديد، ثم مضى غير مبال باقتحام هذا الموضع فيما حدده في أول
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 51]
كتابه، فابتدأ في ذكر >شعراء القرى العربية<، فذكر شعراء المدينة، ثم شعراء مكة، ثم شعراء الطائف، ثم شعراء البحرين، ثم شعراء يهود، وانتهى هذا الاقتحام، وبدأ في تمام ما كان حدده في رسالة كتابه. وهذا في ترقيم نسختنا من رقم: 267 إلى آخر رقم: 386 (ص203 – 296) وهو استطراد طويل كما ترى، وسار فيه على غير نهجه في جعل كل طبقة أربعة شعراء، فجعل >طبقة أصحاب المرائي<، أربعة، وشعراء المدينة خمسة، وشعراء مكة تسعة، وشعراء الطائف خمسة، وشعراء البحرين ثلاثة، وشعراء يهود ثمانية، فهؤلاء أربعة وثلاثون شاعرًا، زادهم على الثمانين، على ما رسمه وبينه في أول كتابه.
ومع ذلك، ففي هذا الاستطراد المقحم على نهج الكتاب، إخلال شديد بطريقته التي سار عليها في ذكر طبقات شعراء الجاهلية الأربعين، وطبقات شعراء الإسلام الأربعين، من وجوه كثيرة سوى عدد الشعراء الأربعة في كل طبقة ذكرها. وهذا عندي دال على أن ابن سلام رحمه الله قد أقحم هذا القدر كله من الشعراء، بعد أن فرغ من النسخة الأولى من كتابه، والتي كانت مقصورة على ما نهجه في رسالة كتابه، من ذكر طبقات عشر لفحول الجاهلية، وطبقات عشر لفحول الإسلام. فلما عاد إلى كتابه الكتاب على الوجه الذي بينه أقحم هؤلاء الشعراء إقحامًا في النسخة الآخرة (وهي التي في أيدينا اليوم) ونسى أن يغير ما كتبه في رسالة كتابه، وكان قد أسن وقارب التسعين أو جاوزها، وأقحم أشياء أخرى سنعود إلى ذكرها بعد قليل). [قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 49-52]

الخلل الظاهر في رسالة ابن سلام نتيجة لكتابتها مرتين
قال أبو فهر محمود بن محمد شاكر بن أحمد الحسيني (ت: 1418هـ) ومما يدل على أنه كان ينسى، وأن المرض كان يقطع عليه ما يكتب أنه في هذا الجزء الذي أقحمه، لم يقتصر على تغيير منهجه في ذكر أربعة شعراء في كل طبقة، فزاد العدد أو نقصه، ليس هذا فحسب، بل إنه وقع في شيء آخر يدل على أثر المرض في تقديره وضبطه، كان ملتزمًا بأن يذكر في أول كل طبقة أسماء شعراء هذه الطبقة الأربعة، فكان هنا في هذا الجزء المقحم ملتزمًا أيضًا بذكر أسماء شعراء كل قسم في أول كلامه، فذكر في شعراء مكة تسعة، نسى أن يذكر لاثنين منهما بعد ذلك خبرًا أو شعرًا، وهما مسافر بن أبي عمرو، والممزق
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 52]
عبد الله بن حذافة السهمي، مع خطأ غريب في اسمه، ذكرته في تعليقي على الكتاب = ثم في شعراء الطائف ذكر خمسة شعراء، ولكنه سقط عنه كنانة بن عبد ياليل، فلم يذكر له بعد ذلك أيضًا خبرًا ولا شعرًا، هذا مع قلة الأخبار عن كل شاعر منهم ذكره، وقلة ما ذكر له من الشعر، فإنه كان خليقًا أن لا ينسى إذن. فمن أجل ذلك كله رأيت أن ابن سلام كان يومئذ قد بلغ منه السن، وعوقه المرض وأنساه، وأنه أدخل هذا القسم وأقحمه في موضعه بين الجاهليين والإسلاميين، لأنه كان في عجلة من أمره، وهو يعيد كتابة النسخة الثانية من كتابه هذا (في آخر عمره)، أي حين رجع إلى كتاب رسالة الكتاب).
فمن أجل ذلك أستطيع الآن أن أقول، وأنا مطمئن كل الاطمئنان: أن صنيع ابن سلام حين انتهى من الفقرة الثانية من كتابه في أصله الأول من نسخته الأولى، فقال ...>فبدأنا بالشعر< كان كلامه متصلاً بالفقرة الحادية والثلاثين حيث يقول: >ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، فنزلناهم منازلهم، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة، وما قال في العلماء ...<. فلما أعاد كتابة هذا في النسخة الثانية، بدا له على عجلٍ أن يقحم في كلامه هنا خاطرًا جديدًا في الحديث عن >المصنوع المفتعل الموضوع<، ففصل بين الكلامين المتعانقين تعانقًا تامًا، بما أثبته من أول الفقرة الثالثة، إلى آخر الفقرة الثلاثين، وجعل هذا الاستطراد المقحم قسمين: أولهما عن >المصنوع< من الفقرة الثالثة إلى الفقرة الثالثة عشرة، وثانيهما عن أهل العلم والرواية الصحيحة من العلماء، من الفقرة الرابعة عشرة إلى آخر الفقرة الثلاثين. وهذا الإقحام الجديد على رقعة الكتاب، والإقحام الذي قبله، ربما زاده بهاءً وحسنًا، ولكنهما على كل حال أحدثا في نسجه بعض الاضطراب، ولكنه اضطراب غير معيب، إلا في مطلع الفقرة الثالثة، الذي قذف بنا في حيرة غريبة جدًا، كما رأيت آنفًا من قريب.
والآن، وقد فرغنا من إعادة النظر في بناء كتاب ابن سلام >طبقات فحول الشعراء<، يكاد يكون من المقطوع به عندي أن ابن سلام حين عاد إلى كتابه
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 53]
نسخته الأخيرة، وهي التي بين أيدينا اليوم، قد أقحم على أصلها الأول زيادات لم تكن في سياق منهج الكتاب، وأنه كتب هذه الزيادات بأخرة قبيل وقاته، وأن بلوغه التسعين من نوبة العلة مرة بعد مرة، قد جعلاه على عجل من أمره في إقحامها إقحامًا يفصل فصلاً ظاهرًا بينًا بين كلامين كانا في أصله الأول متتابعين متصلين. وإذن، فلا غرابة في أن يكون هذا الإقحام العجل عند إعادة الكتابة، مما يحدث اضطرابًا وخللاً في سياق حديثه على وجهه الذي كان أثبته أولاً، وكان ينبغي أن يظل عليه، لولا أن عجل مع الخاطر الملح عليه إلحاحًا حمله على إثباته، ومع العجلة الزلل ومع الزلل تفلت الروابط واضطرابها، ومع التفلت الخطأ، وإذا نحن في تيه متراكبة ظلماته نقول: >سواء بصيرات العيون وعورها< من شدة الحيرة ومخافة الضلال! وإذا كنت قد اتهمت ابن سلام بالخطأ في عبارته فلم أتهمه إلا ومعي حجتي، ولم أقدم على ذلك إلا ومعي عذره، ولا أواجهه إلا ومعي اعتذاري إليه، فإنه إمام من أئمتنا، ونحن عيال عليه، مقرون بفضله وعلمه وتقدمه وجلالته وسناء مرتبته.
ويعجبني حديث أبي بكر بن دريد قال: >أخبرنا عمرو أخو هلال الرأي، قال: جاء رجل إلى أبي زيد الأنصاري، فسأله عن مسألة من النحو فأجابه، فقال الرجل: إن سيبويه لا يرضى بهذا! فقال أبو زيد: اسكت يا صبي، لقد جلست هذا المجلس قبل أن يولد سيبويه بثلاثين سنة!<، فعلق على هذا الخبر أو أحمد العسكري، (الحسن بن عبد الله بن سعيد / 293 – 382هـ) فقال: >وهذا جوابٌ غير مرضيِّ، وكان يجب أن يتصرف مع الحجة لا مع كبر السن<، وصدق أبو أحمد، ونعم ما قال. ونحن بحمد الله، نتصرف مع الحجة، لا مع هيبة أبي عبد الله بن سلام وجلالة قدره، معترفين له بالسبق والإمامة والإحسان كل الإحسان فيما بقى لنا من علمه، وليس يعيبه أن يستدرك عليه من لا يلحق بغباره رحمه الله، وغفر لنا وله.
بقى بعد هذا أن نلتمس السبب الذي من أجله استحسن ابن سلام أن
[قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 54]
يقحم بين قوله: >فبدأنا بالشعر< وبين صلة كلامه في أصله الأول: >ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام ...< إلى آخر كلامه، فهتك من أجل ذلك حبل الفاء العاطفة المعقبة في >ففصلنا ...<، وبتكه بتكًا، ثم وضعه بعد الفقرة الثلاثين غريبًا عنها، وبقيت الفاء بلا معنى، لأن قبلها مباشرة: >وكان الأصمعي وأبو عبيدة من أهل العلم، وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي الكوفي، ففصلنا الشعراء ...<. فأي خاطر كان يجول في نفسه، أثاره وهاجه وأغراه بأن لا يبالي بسياق كلامه، وحمله، وهو يكتب النسخة الثانية، أن يقحم بين الفقرة الثانية والفقرة الحادية والثلاثين، ثمانية وعشرين فقرة، إقحام متعجل لا يكاد يصبر؟
والإجابة على هذا السؤال تتطلب بيانًا لا بد منه. وأخشى أن يكون ترك الإبانة عنه، مما يجعل الحديث عنه غير مقنع ولا واضح، لأن هذا أمر يتعلق بالسرائر المضمرة في النفس، لا بالكلام المسطور في الصحف. وقد وجدته، بعد الفحص، محالاً أن ألتمسه في صحف هذا الكتاب. وسأوجزه إيجازًا شديدًا) [قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 52-55]





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.63%)]