ولئن كان المشركون يتشكَّكون فيما يتوعدهم الله به من عذاب في الدنيا، أو في الآخرة، ويتحدَّون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستعجلونه ما حذَّرهم منه، فإن مواقيت ذلك بيد الله وحده، لا يَعْجَلُ لعَجَلَةِ أحدٍ، أو يبطِّئ لتَبْطِئَةِ أحدٍ، وقد جعل سبحانه للحياة قَدرًا لا بد لها من بلوغه، ولئن أخلَّ بعض عباده بوحدتهم الإيمانية، فآمن بعضهم، وكفر بعضهم، فإن القضاء بينهم وفيهم، ولهم أو عليهم، مرصود بأمر الله وإرادته لِوقتٍ يعلمه ويقدِّره، ولا يطَّلع عليه أحدًا؛ لذلك قال تعالى عقبه: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [يونس: 19]؛ أي: لولا وعدٌ ألزم به الله تعالى نفسه كي تستمر الحياة في الأرض إلى أجَلِها، وكلمة حقٍّ فاصلة منه تعالى، جعلت القضاء بين الناس في الآخرة، ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 19]، لَحَكَم الله فيما اختلف فيه الناس من أمر الإيمان، ربوبيةً وألوهيةً، ونبوة ووحيًا، ومبدأً ومعادًا، ومبعثًا وحسابًا وجزاءً، وعجَّل لهم في الدنيا العقوبةَ، فاختُزلت الحياة في الأرض قبل ما قدَّره الله لها من عِدة[7] تبلغها؛ بقوله عز وجل: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 46 - 49].
وإذ أبطل الوحي الكريم ادعاءهم أن الإسلام أخلَّ بوحدتهم، ردَّ على شبهة أخرى يلوكها جُهَّالهم ومُتَعَنِّتُوهم؛ كما هو حال ملاحدة عصرنا بقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ [يونس: 20]، يسألون تعنُّتًا ومماراةً أن تنزَّلَ عليه صلى الله عليه وسلم آية من الله، وقد نزل عليه القرآن، وهو أعظم آية، ورأوا آياتٍ أخرى كونية رأيَ العين؛ كانشقاق القمر وغيره، والمجادِل الحنِقُ لا يكفُّه عن جدله دليلٌ أو حُجَّة؛ لذلك قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿ فَقُلْ ﴾ [يونس: 20] يا محمدُ ﴿ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ [يونس: 20]، إنما الآيات التي تسألونها من الغيب الذي هو بيد الله، ولا أعلمه، ثم بالتفات بياني من صيغة الغيبة إلى صيغة الخطاب المباشر، مهدِّدًا ومخوِّفًا من نتيجة ما يسألونه تحدِّيًا واستهانة بما نزل بالمشركين قبلهم، أمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ [يونس: 20]؛ أي: انتظروا الآية التي سألتموها كما سألها وانتظرها من كان قبلكم، فنزلت عليهم بالعذاب؛ وقال فيهم تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يونس: 13]، ولتأكيد هذا التهديد، وجَعْلِهِ قريبًا منهم، قل لهم يا محمد: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ [يونس: 20]، إني معكم كذلك ممن ينتظر ما تطلبونه، وقد كانت قريشٌ - بدعائه صلى الله عليه وسلم عليها إذ آذته، فاضطُرَّ إلى الخروج إلى الطائف - قد أصابها القحط سبع سنين، فأكلوا الكلاب والحَشْرَ والعِظام ولِحاء الشجر، وجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدعاء لقومه، فدعا لهم فأمطرت السماء، وانتعش الزرع والضرع، وتناست قريش هذه الآية، وعادوا إلى ما ألِفوه من عناد وتشكيك، وبهتان وعدوان، فندَّد القرآن بهذا السلوك الجاهل الذي مَرَدوا عليه، مبيِّنًا أنه في الناس دائمًا كلما أسلموا قِيَادَهم للشيطان، وتلاعبت بهم الأهواء؛ وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ ﴾ [يونس: 21]، كفار مكة ومَن في حكمهم من الناس في كل عصر ﴿ رَحْمَةً ﴾ [يونس: 21]؛ رخاءً في المعيشة، وسلامة في النفس والأهل والولد، ﴿ مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ ﴾ [يونس: 21]، من بعد ابتلاء لهم؛ مرضًا كان أو قلة ذات يد، أو مطلق ضائقة في النفس أو الأهل أو الولد، ﴿ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ﴾ [يونس: 21]؛ أي: كلما خرجوا من ضائقة، وتنسَّموا ريحَ أمنٍ أو رخاء، انتفشوا، وظنُّوا أنهم ملكوا أمرهم، وأمَّنوا حاضرهم ومستقبلهم، ثم أقبلوا فجأة على آيات الله يجادلون فيها، ويحاولون نقضها والمكر بمن أُرسِل بها، هذا دأبهم يواظبون عليه في كل عصر، وفي كل ظرف؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: 12]، وقال عز وجل: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الروم: 36، 37]؛ ولذلك أمر الحق تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وكشف شبهاتهم، وقال له: ﴿ قُلِ ﴾ [يونس: 21]، لهم يا محمد ﴿ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ [يونس: 21]، إن الله سبحانه أسرع إلى إحباط ما تكيدونه وتمكرونه، وإلى إحصاء أعمالكم ومعاقبتكم عليها، فلا تفرحوا بما تسوِّله لكم شياطينكم، وتزيِّنه لكم أهواؤكم، فإن كيدكم ضعيف لأنه من وحي شيطانكم، و﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [الفاتحة: 76]، ومكركم من أهوائكم المريضة الضالة، التي غَفَلت عن قدرة الله المحيطة بكم علمًا وحكمة، وعن رسله المكلَّفين بكم إحصاء وشهادة، ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ [يونس: 21]، والرسل في الآية الكريمة جمع مفرده رسول، قرأها أبو عمرو بإسكان السين ﴿ رُسْلَنَا ﴾، وقرأها الباقون بالضم ﴿ رُسُلَنَا ﴾، وهم الملائكة الموكَّلون بإحصاء أعمال المرء وكتابتها إلى يوم وفاته؛ بقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12]، ثم تُعرَض عليه يوم الدين، فيُسأل عما قدَّم وما أخَّر؛ ولذلك يحتاط المؤمن فلا يرتكب سوءًا يُكتب عليه، ولا يقول سوءًا يُحسب عليه، ولا يشتغل بفضول كلامٍ لا يدري ما حكم الله فيه؛ رُوِيَ أن التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله قال: "يا بن أخي، إن من كان قبلكم كان يكره فضول الكلام، ما عدا كتاب الله تعالى أن تقرأه، أو أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، وأن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين، كرامًا كاتبين، وأن ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 17، 18]؟ أمَا يستحيي أحدكم لو نشر صحيفته التي أملى صدر نهاره، وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟".
إن كفران المعروف ونسيان فضلِ ذوي الفضل كان متمكِّنًا من نفوس المشركين، وهو خاصية لصيقة بذوي المشاعر المادية الجافة، ومن لا يؤمنون بالغيب؛ لذلك تظهر في كثير منهم مختلف الأمراض السلوكية؛ كالخيانة والغدر، والمكر والعقوق، وكان الوحي يُصِرُّ على استئصال هذه المثالب من نفوسهم بتذكيرهم بأصل خلقهم أمةً واحدة، وأصل وحدتهم الإيمانية على الأرض؛ بقوله عز وجل ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [يونس: 19]، وبضربه الأمثال لهم بِلُجوئهم الاضطراري إليه سبحانه، وهم مقيمون ببيوتهم في حالات الشدائد والضوائق، مرضًا أو خوفًا أو فقرًا، فيكشفها عنهم؛ بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ [يونس: 21].
ثم عقَّب تعالى يُذكِّرهم بفضله عليهم في حالات ظَعْنِهم وأسفارهم، وتتُّبعهم مساقط الغيث من الأرض، وبوارح الريح في البحر؛ فقال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [يونس: 22]؛ أي: هو الله الذي يمكِّنكم من السير في البر والبحر بفضله، في جميع أسفاركم للتجارة وغيرها برًّا، إلى الشام شمالًا، واليمن جنوبًا، وذلَّل لكم أنعامًا تركبونها وتُحمَلون عليها؛ بقوله تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 5 - 8]، وبحرًا إلى الحبشة جنوبًا، وذلَّل لكم وسائلها، رياحًا تُسيِّر سفنكم، وتُقرِّب أبعادكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى: 32، 33].
ثم واصل الوحي الكريم تذكيرهم بفضل الله عليهم؛ بقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ﴾ [يونس: 22] السفن، ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ [يونس: 22] بركابها، ﴿ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ [يونس: 22] لينة مريحة، ﴿ وَفَرِحُوا بِهَا ﴾ [يونس: 22]، واطمأنت لها نفوسهم، ﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾ [يونس: 22]، فاجأتها ريح شديدة الهبوب، ﴿ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ [يونس: 22]، فأثارتموج البحر فأحاط بالسفينة؛ فاضطربت وفقدت توازنها، ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ [يونس: 22]، ورأوا أن الهلاك محيط بهم، وتأكَّدوا حينئذٍ أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [يونس: 22]، استرجعوا فطرتهم التي خُلِقوا عليها، وتذكَّروا ربهم الله تعالى، فَدَعَوه عازمين على توبة نصوح لا رجعة عنها، إن أنجاهم الله فبلغوا اليابسة سالمين، مؤكِّدين دعاءهم بالقسم ونون التوكيد الشديدة، ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [يونس: 22]؛ أي: نُقسِم بأن نكون دائمًا من الذين يشكرون الله، ولا ينكرون نِعَمَه، إن أنجانا من الغرق، ﴿ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ ﴾ [يونس: 23]، أنقذهم الله من الغرق وأبلغهم غايتهم، ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [يونس: 23]؛ أي: إذا هم ينسَون فضل الله عليهم، ويَمِينَهم على التوبة النصوح، ويعودون إلى ما كانواعليه من البغي على الناس بالباطل زورًا وبهتانًا.
والفعل ﴿ يَبْغُونَ ﴾ [يونس: 23]، في هذه الآية الكريمة من: بغى يَبْغِي بغيًا، أصل استعماله لمعنيين؛ أولهما الطلب، فتقول: بغيت الشيء إذا طلبته ورغِبت فيه، والثاني معناه: الترامي إلى الفساد، والاندفاع إليه، وعدم التحرج في الظلم، فتقول: بَغَى الجرح بغيًا: إذا تعفَّن أو فسد، وبغت المرأة بِغاءً: إذا زنت، وبغى القاضي على المتهم بغيًا: إذا ظلمه أو تجاوز الحق والعدل في الحكم عليه، وبغى الحاكم على الرعية: إذا طغى وتجبر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 42]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اثنان يعجِّلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين))، والبغي مطلقًا تُنكِره الفِطَرُ السليمة، وتأنَفُه الطِّباع السَّوِيَّة، بل حتى إن البدوية المنقطعة في صحرائها أكثر شعورًا بشناعته إذ عقَّها ابنٌ لها وهَجَاهَا بقوله: "يا ليتما أمنا شالت نعامتها = أيما إلى جنة أيما إلى نار"، فردَّت عليه بقولها: "حذارِ بُنيَّ البغيَ لا تقربنَّه = حذار فإن البغي وخم مراتِعُه".
لقد مَرَدَت قريش في معاملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينزل عليه من الوحي على هذا السلوك الفجِّ، كلما أصابتهم نكبة، توسَّلوا إليه أن يدعو لهم، فإن دعا لهم ورُفِعت، عادوا إلى الفساد والبغي، والظلم والتكذيب؛ ولذلك ردَّ الحق تعالى على حالهم هذا بقوله ناصحًا ومحذرًا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ [يونس: 23]، والنداء في الآية الكريمة لقريش الظالمة، وللناس جميعًا؛ تحذيرًا من الظلم، ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ [يونس: 23]؛ أي: إنما إثم ظلمكم عائد عليكم حتمًا، إن لم تذوقوا وباله في الدنيا، عُوقِبتم به في الآخرة، وقد يجمع الله للباغي وبالَ الدنيا وعذاب الآخرة بحكمته، فلا يغترَّ باغٍ بغنيمة غنِمها، أو مكسب اكتسبه، ولا يَنَمْ قرير العين بمال جمعه، أو ولد أنجبه، أو متعة حازها، فليس ذلك إلا ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [يونس: 23]، متعةً قليلًا نفعها، قصيرًا وقتها، زُيِّنت للناس اختبارًا وابتلاء، ولئن خُدِعتم بها، فأعرضتم عما جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]؛ أي: فما الْمُتَعُ التي أعجبتكم في الدنيا مقابل نعيم الآخرة إلا ضئيلة حقيرة، لا يُغفر بها ذنب، ولا يُتَّقى بها من عقوبة، ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ [يونس: 23]، بعد الموت والبعث والحساب، ﴿ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: 23]، فنعرِض عليكم صحائف أعمالكم، خيرِها وشرِّها، فتعرفونها وتُجزَون بها؛ قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]، وقال عز وجل: ﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾ [الكهف: 48].
هذه حقيقة وجود الناس كلهم في الأرض؛ اختبار دقيق لأهلها، يؤهِّلهم للجنة أو النار، ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 43]؛ أي: العالمون بحقائق ما خُلِقوا له، وما أُمروا به، وما يصيرون إليه، من عَرَف ولَزِم، فازَ، ومن عَرَف ولم يَلْزَم، خاب وخسِر، تلك قاعدة النجاة المطلقة في الدنيا، المعرفة أُسُّ الهداية، والهداية صراط الله المستقيم إلى الجنة؛ عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ((كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، فقال: انظر ما تقول؟ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: قد عَزَفَت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك لَيْلِي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغَون فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: يا حارث، عرَفتَ فالزَم؛ ثلاثًا))[8].
لذلك إقامة للحُجَّة على كفار قريش وعلى غيرهم عبر المسيرة البشرية في الأرض، وبعد أن عرَّفهم الله في هذه السورة المباركةحقيقةَ الربوبية؛ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [يونس: 3]، وحقيقة المبدأ والمعاد، والحساب والجزاء؛ بقوله عز وجل: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾ [يونس: 4]، وحقيقة سُنَّته في تعجيل العقوبة وتأجيلها؛ بقوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [يونس: 11]، وحقيقة الوحدة الإيمانية التي خُلِقُوا عليها وشذَّ بعضهم عنها؛ بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 19]، بين حقيقة الحياة الدنيا التي يتشبَّث بها بعضهم، ويتقاتل في سبيلها بعضهم، ويفتخر بها بعضهم، وضرب لتفاهتها وقصرها واغترار الناس بها مثلًا يقرِّب حقيقتها للعقول والأفئدة؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [يونس: 24]، في حقيقتها الخادعة الْمُلْتَبِسة، وزينتها ومفاتنها الغرَّارة، ﴿ كَمَاءٍ ﴾ [يونس: 24] مطر، ﴿ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [يونس: 24] بقَدَرٍ، ﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ ﴾ [يونس: 24]، فامتصه وتفاعل معه، ﴿ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ [يونس: 24]، أعشابًا وبذورًا كامنة فيها وغيرها ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾ [يونس: 24]، زروعًا وفاكهة وأعشابًا، ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ [يونس: 24]، إذا تزخرفت الأرض بما نبت فيها، ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ [يونس: 24]، في نظر أهلها، ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ [يونس: 24]، وأيقنوا أنهم قادرون على الاحتفاظ بها وتطويرها، وتنميتها واستدامتها، متمكِّنون من التمتع بثمراتها، وادخار غلَّاتها، ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾ [يونس: 24] المقدَّر لها بالاندثار، جائحة ريح، أو نار، أو قحط بجفاف، وانقطاع مطر، أو زلازل وخسف، وما في حكمهما، ﴿ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ﴾ [يونس: 24]؛ كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأعراف: 97، 98]؛ أي: وقتما يشاء الله ليلًا أو نهارًا، صبحًا أو عشيًّا، ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾ [يونس: 24]، كالزرع المحصود لم يبقَ منه إلا تَبْنُه، أو الأرض الجرداء انتُزعت أصول نباتاتها، ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ [يونس: 24]، والفعل ﴿ تَغْنَ ﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة لِما تقدمه من الحرف الجازم ﴿ لَمْ ﴾، من أصل "غَنِيَ يَغْنَى" مكسور عين الماضي من باب "سلِم يسلَم"، ويدل على الكفاية في المال أو العلم وغيرهما، ومنه الغَناء بفتح الغين؛ أي الكفاية والاكتفاء، ومنه يُقال: لا يُغني فلان غَناء فلان؛ أي: لا يكفي كفايته؛ومنه قول طرفة بن العبد: "ولا تجعليني كامرئ ليس همه = كهمِّي ولا يُغني غَنائي ومشهدي"؛ أي: لا تسوِّي بيني وبين رجل لا يكون همُّه طلب المعالي كهمِّي، ولا يكفي ويغني عند الحاجة إليه في أخطر المهام، ومنه يُقال: "رجل لا غَناء فيه"؛ أي: لا فائدة منه تُرجى، كذلك الأرض التي يصيبها الإعصار تصبح ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ [يونس: 24]؛ أي: كأنها لم تكن لها كفايةُ نفعٍ بزرعٍ وغيره من قبل، ﴿ كَذَلِكَ ﴾ [يونس: 24]، بمثل هذه الأمثال والحِكَمِ ﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ [يونس: 24]، نبيِّن آيات الله وحسن تصريفه لها في أنفسكم وفي الكون كله ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [يونس: 24]، في الحياة الدنيا ويتدبرونها، ويعرفون سرعة تغيرها، وقرب زوالها، هذه حقيقة الحياة الدنيا، أوجزها رب العزة تعالى بأشد العبارات بيانًا، وأكَّدها بحرف التوكيد والحصر ﴿ إِنَّمَا ﴾ [يونس: 24]، فلا ينصرف الذهن عن غير معانيها.
إنها الحياة في بُعْدِها الدنيوي، وحقائق وجود الإنسان فيها، ليس من عذر لمن جهلها أو تجاهلها، كلها بيِّنة المعالم واضحتها، جعلها الله من يوم خلقها فيه بقدر معلوم، وهيئة موزونة، كجميع ما خلق في الكون، ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ [الملك: 3]، الحياة في علم الله منضبطة بحساب دقيق متوازن، جمعًا وطرحًا، وضربًا وقسمة، نتائجه حقيقية؛ لأن مفرداتها وأعدادها حقيقية، تكشفها لنا كتبنا يوم تُعرَض علينا يوم الدين؛ ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [الإسراء: 71]، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7 - 12]، أسأل الله تعالى العفو والعافية وحسن العاقبة، إنه سميع مجيب.
[1] جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري، هو وأبوه صحابيان جليلان رضي الله عنهما، استُشهد أبوه في غزوة أحد، وأمه نسيبة بنت عقبة بن عدي الأنصارية، فيه نزلت آية الكلالة؛ إذ مرِض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى له أنه إن مات فسيورث كلالة؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النساء: 176].
[2] عُتبة بن ربيعة العبشمي القرشي الكناني، من كبار حُكَماء قريش في الجاهلية، انتهت إليه سيادة بني عبد شمس، أدَرك البعثة النبوية فلم يُسلم، وقُتِل في غزوة بدر مشركًا.
[3] عن أبي أمامة، صحيح، الألباني.
[4] مختصر مسلم.
[5] جمع: قارون.
[6] صحيح، مختصر مسلم.
[7] عِدَة: مصدر وَعَدَ يَعِدُ وعدًا وعِدَة.
[8] الحديث رُوِيَ مرسلًا ورُوِيَ ضعيفًا.