عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-09-2024, 09:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,641
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخصائص الفريدة للعقيدة الإسلامية وآثارها العجيبة في الفرد والمجتمع


أولًا: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الخَالِقُ: فَخَالِقُ الكَونِ وَالحَيَاةِ وَالإِنسَانِ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، المُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ فِي كُلِّ شَيءٍ، فَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ: عَالِمٌ بِطَبِيعَةِ الإِنسَانِ وَمُيُولِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُ وَمَا يَضُرُّهُ لِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَهُوَ صَاحِبُ الحَقِّ فِي وَضْعِ النِّظَامِ الَّذِي تَسِيرُ عَلَيهِ حَيَاةُ الإِنسَانِ لِتَتَّفِقَ مَعَ فِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيهَا. وَاللهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَظْهَرُ وَحْدَانِيَّتُهُ مِنْ خِلَالِ وِحْدَةِ نِظَامِ الكَونِ الَّذِي خَلَقَهُ، لَا يُشَارِكَهُ فِي مُلكِهِ أَحَدٌ. فَهُوَ الإِلَهُ والرَّبُّ وَالمُسْتَحِقُّ لِلعِبَادَةِ، وَهُوَ المُعْطِي وَهُوَ المَانِعُ....

ثَانِيًا: النَّظْرَةُ إِلَى الكَوْنِ: وَالعَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ تُعَرِّفُ الإِنسَانَ بِحَقِيقَةِ الكَونِ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ للهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فِيهِ الأَحيَاءُ وَفِيهِ الجَمَادَاتُ، وَمِنْهُ المُشَاهَدُ الَّذِي نَرَاهُ وَنَحِسُّهُ، وَمِنْهُ الغَيْبَ الَّذي لَا نَطَّلِعُ عَلَيهِ، إِلَّا بِعِلْمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالعَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ أَبَانَتْ لِلإِنسَانِ خَصَائِصَ هَذَا الكَونِ وَقَوَانِينَهُ وَنَوَامِيسَهُ، فَالكَونُ لَم يُخْلَقْ عَبَثًَا، وَإِنَّمَا خُلِقَ لِغَايَةٍ، وَهُنَاكَ أَسبَابٌ وَمُسَبِّبَاتٌ، وَهُنَاكَ حَرَكَةٌ وَقَوَانِينُ، وَالكَونُ لَهُ مَصِيرٌ يَنْتَهِي إِلَيه.

وَأَوْضَحَتْ العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ صِلَةَ الكَونِ بِخَالِقِهِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ يَسِيْرُ عَلَى قَوَانِينَ أَوْجَدَهَا الخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالظَّوَاهِرُ الكَونِيَّةُ شَاهِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَكُلُّ قَوَانِينِ الكَونِ وَخَصَائِصَهُ وَنَوَامِيسَهُ، إِنَّمَا وُجِدَتْ لِتُهَيئَ الحَيَاةَ لِلإِنسَانَ عَلَى هَذَا الكَوْن.

وَتُشِيرُ العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ أَيْضًَا إلى أَنَّ كُلًّا مِنَ الكَونِ وَالإِنسَانِ صَادِرٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ إِرَادَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ثَالِثًا: مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ لِحَقِيقَةِ ذَاتِهِ: فَالعَقِيدَةُ الإِسْلَامِيَّةُ تُعَرِّفُ الإِنْسَانَ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ تَعْرِيفًَا شَامِلًَا؛ فَالإِنسَانُ جِسْمٌ وَعَقْلٌ وَرُوْحٌ، وَقَدْ كَشَفَتِ العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ عَن مَصْدَرِ خَلْقِ هَذَا الإِنسَانِ، وَأَوضَحَتْ غَايَةَ وُجُودِهِ، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

وَفَصَّلَ تِلْكَ الغَايَة َفِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَاتُواْ الزَّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 77-78].

وَكَذَلِكَ بَيَّنَتْ العَقِيدَةُ الإِسلَاِميِّةُ أَنَّ الإِنسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْ تُرَابٍ، وَخُلِقَ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى تِلْكَ الهَيْئَةِ، وَبَيَّنَتْ أَطْوَارَ خَلْقِ الإِنسَانِ، وَكَذَلِكَ مَكَانَتَهُ وَدَورَهُ فِي هَذَا الوُجُودِ؛ فَهُوَ الكَائِنُ الفَاعِلُ المُؤَثِّرُ - بِإِرَادَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَهُوَ المَسؤُولُ بَيْنَ يَدَيْ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ تِلْكَ الرِّسَالَةَ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ سَيَعُودُ إِلَى خَالِقِهِ لِيُحَاسِبَهُ عَلَى مَا قَدَّمَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إلى النَّار.

فَتِلْكَ صُورَةٌ وَاضِحَةٌ شَامِلَةٌ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ مُطْمَئِنًَا يَسِيرُ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِ، كَمَا قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًَّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾[الملك: 22].

7- الثَّبَاتُ:
العَقِيدَةُ الإِسْلَامِيَّةُ حَقَائِقَ قَدَّرَهَا اللهُ سَبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَاللهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ، عَلِيمٌ لَا يُحِدُّ عِلْمُهُ شَيءٌ، وَبِالتَّالِي فَهَذِهِ الحَقَائِقُ الَّتِي بَيَّنَهَا لَنَا ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ؛ فَوُجُودُ اللهِ حَقِيقَة ٌلَا تَتَغَيَّرُ وَكَونُهُ الخَاِلقَ الرَّازِقَ المُحيِي المُمِيتَ حَقِيقَةٌ كَذَلِكَ لَا تَتَغَيَّرُ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الكَونَ وَمَا فِيهِ وَتِلكَ حَقِيقَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ. وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَدَّدَ غَايَةَ الإِنسَانِ فِي الحَيَاةِ وَهِيَ العُبُودِيَّةُ للهِ وَالخِلَافَةُ فِي الأَرضِ وَحَمْلُ رِسَالَتِهِ فَتِلكَ حَقَائِقٌ لَا تَتَغَيَّرُ، وَكَونُ أَنَّ هُنَاَكَ حَيَاةً دُنيَا وَحَيَاةً أُخرَى، أَيضًَا حَقِيقَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ، وَحَقِيقَةُ أَنَّ الإِنسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْ رُوحٍ وَعَقْلٍ وَجِسْمٍ ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ، وَحَقِيقَةُ أَنَّ الخَالِقَ أَعْلَمُ مِنَ المَخْلُوقِ بِمَا يُصْلِحُهُ ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ...

وَكُلُّ الحَقَائِقِ الَّتِي أَوْضَحَتْهَا العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ لِأَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ عِلْمِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، وَوُجُودُ المَلَائِكَةِ وَالجِنِّ وَالنَّارِ وَالجَنَّةِ وَاليَومِ الآخِرِ وَكُلِّ مَا أَخبَرَ اللهُ فِي القُرآنِ الكَريِم ِكَذَلِكَ حَقَائِقُ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ.

وَأَمَّا مَا يَرَاهُ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِم مِنْ تَغْيُّرٍ وَتَبَدُّلٍ فِي الأَفكَارِ وَالعَقَائِدِ وَالتَّصَوُّرَاتِ فَتِلكَ خَاصَّةٌ بِالتَّصَوُّراتِ وَالعَقَائِدِ الَّتِي صَنَعَتْهَا البَشَرِيَّةُ - كَالوَثَنِيَّةِ وَالشُّيُوعِيَّةِ وَالقَومِيَّةِ - لِأَنَّهَا نَظَرِيَّاتٌ بَشَرِيَّةٌ، تَصَوَّرَهَا العَقْلُ المَحْدُودُ فِي فَتْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ فَتْرَةٍ تَصَوَّرَ غَيرَهَا. وَهَكَذَا يَبْقَى العَقْلُ البَشَريُّ فِي تَبَدُّلٍ وَتَغَيُّرٍ لِأَنَّ طَبِيعَةَ الإِنسَانِ كَمَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى كَذَلِكَ، أَمَّا الخَالِقُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَامِلٌ لَا يَعْتَرِيهِ - سُبْحَانَهُ - نَقْصٌ وَلَا نِسْيَانٌ وَهُوَ عَلِيمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ.

وَيُشَارُ هُنَا إِلى أَنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنْ ثَبَاتِ العَقِيدةِ وَأُصُولِهَا وَحَقَائِقِهَا، فَإِنَّ هُنَاكَ مُرُونَةً فِي فُرُوعِ الفِقْهِ الإِسلَّامِيّ وَالشَّرِيعةِ الإِسلامِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالنَّشَاطِ الفِكرِيِّ وَالاجتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ وَالاقتِصَادِيِّ وَالدَّولِيِّ لِلإِنسَانِ الفَرْدِ وَللأُمَّةِ المُسلِمَةِ.

فَالثَّبَاتُ فِي دِينِنَا لِلعَقِيدَةِ وَأُصُولِ القِيَمِ والأَخلَاقِ وَالعِبَادَاتِ وَقَوَانِينِ الإِرْثِ وَالحُدُودِ، مَا لَا يَتَأَثَّرُ بِاختِلَافِ المَكَانِ واختِلَافِ الزَّمَانِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُعَامَلَاتِ وَالقَوَانِينِ وَالأَنظِمَةِ الضَرُورِّيَّةِ لِلحَيَاةِ اليَومِيَّةِ ولِلتَّقَدُّمِ فِي وَسَائِلِ الحَيَاةِ، فَالمَجَالُ فِيِهِ مَفتُوحٌ وَالمُرُونَةُ مُتَوَفِّرَةٌ ضِمْنَ الإِطَارِ الثَابِتِ وَالمِحوَرِ الثَّابِتِ وَهُوَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الله.

وَمِمَّا يَجِبُ التَّأكِيدُ عَليهِ هُنَا أَنَّ ثَبَاتَ العَقِيدَةِ الإِسلامِيَّةِ هُوَ الَّذِي يَحفَظُ لِلأُمَّةِ هَويَّتَهَا وَشَخصِيَّتَهَا وَوِحْدَةَ كيَانِهَا وَاستِقلَالَهَا وَامتِلَاكَهَا لِمُقَدَّرَاتِهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الأُمَّة مَا تَفَكَّكَتْ وَضَعُفَتْ إِلَّا يَومَ تَرَكَتْ عَقِيدَتَهَا وَأَخَذَتْ نَظَرِيَّاتِ البَشَرِ القَاصِرَة، وَرَاحَتْ تَتَسَوَّلُ مِن هُنَا وِمِن هُنَاكَ حَتَّى أَصبَحَتْ فِي ذَيلِ القَافِلَةِ وَأَصبَحَت بِدُونِ هُوُيَّةٍ.

وَإِنّنَا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَستَأنِفَ حَيَاتَنَا عَلَى أَسَاسِ الإِسلَام مِنْ جَدِيدٍ، فَلَا بُدَّ مِنَ العَودَةِ إِلَى هَذِهِ العَقِيدَةِ، لِنَبنِيَ عَلَيهَا أَنظِمَتَنَا وَتَشرِيعَاتِنَا وَتَعَامُلَنَا مَعَ الكَونِ وَحَقَائِقَهِ. وعندئذٍ نَكُونُ أُمَّةً مُتَمَيِّزَةً تَرْتَفِعُ بِمُستَوَاهَا الفِكرِيِّ وَالعِلمِيِّ. وَتَكُونُ لَهَا السُّلطَةُ فِي الأّرضِ بِشَرِيعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

آثَارُ العَقِيدَة ِالإِسلامِيَّةِ فِي حَيَاةِ الفَرْدِ والأُمَّةِ[4]:
العَقِيدَةُ الإِسلامِيَّةُ – كَمَا تَقَدَّمَ - حَقِيقَةٌ عِلمِيَّةٌ تَظهَرُ آثَارُ تَعَالِيمِهَا عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِها فَتَتَحَوَّلُ التَّعَالِيمُ إِلى سُلُوكٍ وَوَقَائِعَ، وَإِليكَ بَعضَ هَذِهِ الآثَارِ.

أَوَّلًا: الشُّعُورُ بِالعِزَّةِ وَالاستِعلَاءُ بِالإِيمَان:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]. وقال اللهُ تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ [فاطر: 10]. وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾[آل عمران: 139].

عِندَمَا يَشْعُرُ المُسلِمُ أَنَّهُ يَسْتَمِدُّ مَقْدِرَتَهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقِ القُوَّةِ، يَحُسُّ عِندَئذٍ بِأَنَّهُ قَويٌ بِقُوَّةِ اللهِ، فَلَا يَهَابُ قُوَّةً أَرضِيَّةً أَبَدًَا، وَيَشْعُرُ دَائِمًَا أَنَّ عَقِيدَةَ الإِسلَامِ وَشَرِيعَةَ الإِسلامِ فَوقَ كُلِّ عَقِيدَةٍ وَنِظَامٍ، فَيَحْمِلُهَا إِلَى الدُّنيَا، وَهُوَ يَشْعُرُ بِالعِزَّةِ وَالاستِعلَاءِ؛ حَيْثُ أَنَّهُ يَحْمِلُ أَفْضَلَ عقَيِدَةٍ وَأَكرَمَ رِسَالَةٍ، وَيَمُدُّهُ اللهُ بِقُوَّتِهِ وَبِعِزَّتِهِ فَيَبْقَى يَرتَفِعُ دَائِمًَا إِلَى أَعلَى، فَهُوَ الأَعلَى بِمَا يَحمِلُ مِن عَقِيدَةٍ صَافِيَةٍ، مَصدَرُهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الأَعلَى بِمَا يَتَحَمَّلُ مِن مَسؤُولِيَّةٍ وَهِيَ خِلَافَةُ اللهِ فِي الأَرض، وَهُوَ الأَعلَى فِي سُلُوكِهِ وَخُلُقِهِ إِذْ أَنَّهُ يَستَمِدُّهُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ. وَهُوَ الأَعلَى بِمَا يَحمِلُ لِلبَشَرِيَّة من شَرِيعَةٍ وَنِظَامٍ يَرفَعُ مِن قَدْرِ الإِنسَانِ وَيُكَرِّمُهُ وَيُهَذِّبُ مِن أَخلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، فَيَربِطُهُ بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالى. فَيَشْعُرُ عِندَئِذٍ بِضَآلةِ كُلِّ قوى الأرض الكافرة، وَيَستَهِينُ بِكُلِّ المُعَوِّقَات الَّتِي تَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ حَمْلِ رِسالةِ الإِسلام، وَيَمضِي على الدَّربِ عَزيزًا كَريمًا لَا يذلُّ، وَلَا يَأبَهُ بِأَيِّ قُوةٍ مَهمَا عَظُمَتْ، سوى قُوَّةِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ، الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ قُوَّةٍ، فَيَمضِي حَامِلًا رِسَالَةَ الله إلى النَّاس، رَافِعًَا رَأسَهُ إلى السَّمَاءِ، دَاعِيًا أُمَّتَهُ إلى المَكَانَةِ الَّتي أَرَادَهَا اللهُ لَهَا، وَهِيَ الوِصَايَةُ عَلَى البَشَرِيَّةِ وَالسّيَادَةُ عَلَى الأَرضِ بِشَرِيعَةِ اللهِ.

وَهُنا نُوَضِّحُ أنَّ الاستِعلَاءَ الَّذِي يُرِيدُهُ الإِسلامُ لَيسَ غُرُورًَا وَلَا كِبرِيَاءً لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَمقُتُهَا الإِسلَامُ دَائِمًَا فَالاستِعلَاءُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الاعتِزَازُ بِاللهِ وَصِيَانَةُ النَّفسِ عَن كُلِّ مَذَلَّةٍ، وَالشُّعُورُ دَائِمًا -فِي حَالَةِ النَّصرِ أَو الهَزِيمةِ فِي المَعرَكَةِ - بِالاستِعلاءِ بِتِلكَ الرِّسَالَةِ، فَلَا يَذِلُّ وَلَا يَخْنَعُ وِلا يِكُونُ تَبَعًَا لِأَحَدٍ.

وَالاستِعلَاءُ خُلُقٌ أَصيلٌ في المُسلم يُلَازِمُهُ في كُلِّ أَحوَالهِ، فَي السَّرَّاء والضَّرَّاء، فِي الانتِصارِ على الأعداءِ، وَفي حَالَةِ انتِصَارِ الأَعدَاءِ عَلَيهِ، الاستِعلَاءُ وَهُو حُرٌ طَلِيقٌ، وَالاستِعلَاءُ وَهُوَ دَاخِلَ القُضبَانِ، لِأَنَّ العِزَّةَ وَالاستِعلَاءَ صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَان لِلمُسلِم تُلَازِمَانِهِ دَائِمًَا، مُرتَبِطَتَانِ بِالعَقِيدَةِ وَالإِيمَان الَّذي لَا يُفَارِقُ المُؤمِنَ أَبَدًَا.


ثانيًا- تَحْرِيرُ العَقْلِ مِنَ الأَوهَامِ وَالخُرَافَاتِ وَتَحْفيزُهُ عَلَى التَّفكِيرِ:
إِنَّ أَوَّلَ مَا اتَّجَهَت إِلَيهِ العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ هُوَ العَقلُ، فَخَاطَبَتْهُ وَعَمِلَتْ عَلَى تَحرِيرهِ مِن:
أ- التَّقلِيدِ الأَعمَى وَالخُضُوعِ لِلأَفكَارِ وَالعَقَائِدِ وَالعَادَاتِ المَورُوثَةِ، وَقَدْ أَقَامَ الإِسلَامُ عَقِيدَتَهُ عَلَى اليَقِينِ وَحَارَبَ التَّقلِيدَ، فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28].

وَقَالَ تَعَالَى مُنْتَقِدًا المُقَلِّدِينَ: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23].

فَدَعَتْ العَقِيدَةُ لِأَوّلِ مَرَّةٍ إِلَى اتِّبَاعِ الأُسلُوبِ العِلميِّ في دِرَاسَةِ الظَّوَاهِرِ وَالأَشيَاء، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36].

فَالعَقلُ مَخْلُوقٌ مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَوَسِيلَةٌ فَعَّالَةٌ لِلتَّفَاعُلِ مَعَ القِوَى وَالظَّوَاهِرِ وَالكَائِنَاتِ، وَلكنَّهُ يَسِيرُ فِي هُدى الوَحْي الَّذِي لَا يَضِلُّ.

ب- وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ فَقَدْ تَحَرَّرَ العَقْلُ مِنَ الخُضُوعِ لِلأَسَاطِيرِ وَالخُرَافَاتِ وَالأَوهَامِ الَّتِي صَنَعَتْهَا خَيَالَاتُ النَّاسِ حَوْلَ الكَونِ وَحَوْلَ المَخْلُوقَاتِ، فَتَحَرَّرَ العَقْلُ فِي ظِلِّ العَقِيدَةِ الإِسلَامِيَّة - مِن عُبُودِيَّةِ الظَّوَاهِرِ الكَونِيَّةِ، وَتَحَرَّرَ مِن عُبُودِيَّةِ المَلَائِكَةِ وَعُبُودِيَّةِ النُّجُومِ، وَأَصبَحَ العَقْلُ وَسِيلَةً لِكَشفِ خَصَائِصِ تِلكَ الظَّوَاهرِ وَالمَخْلُوقَات، وَارتَفَعَ إِلَى عِبَادَةِ خَالِقِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ - فِي ظِلِّ التَّصَوُّرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ - يَعبُدُهَا مِنْ دُونِ اللهِ، فانْحَطَّ تَفْكِيرُ الإِنسَان، وَسُجِنَ عَقْلُهُ ضِمْنَ أَوْهَامٍ وَخُرَافَاتٍ عَاقَتْهُ عَنِ التَّفكِيرِ وَالإِنتَاجِ.

وَمِنْ هُنَا لَمْ يَخْضَعْ العَقْلُ لِمَخْلُوقَاتٍ مِثْلِهِ بل عَرَفَ خَالِقَهُ وَعَرَفَ مَجَالَ عَمَلِهِ فَانْطَلَقَ يَعْمَلُ فِيهِ لِاكتِشَافِ المَعْرِفَةِ وَاستِخْدَامِهَا فِي التَقَدُّمِ لِمَصلَحَةِ البَشَرِيَّةِ جَمْعَاء، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُونَ اليَومَ أَنَّ الحَضَارَةَ الغَربِيَّةَ هِيَ الحَضَارَةُ العَقْلِيَّةُ فَقَط، إِنَّ الحَضَارَةَ الإِسلَامِيَّةَ فِي الحَقِيقَةِ هِيَ الَّتِي استَخْدَمَتْ العَقْلَ فِي أَوسَعِ مَجَالَاتِهِ، بِنَاءً عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ هَذِهِ المَجَالَات، دُونَ أَنْ يَستَعْبِدَهَا العَقْلُ إِذْ هو مُسَخَّرٌ لَهَا، أَمَّا الحَضَارَةُ الغَربِيَّةُ فَقَدْ عَبَدَت العَقْلَ وَأَلَّهَتهُ.

وَقَدْ كَانَ مِنْ أَسَالِيبِ الإِسلَامِ لِبَيَانِ العَقِيدَةِ الإِسلَامِيَّةِ استِخدَامُ الظَّوَاهِرِ الكَونِيَّةِ، وَالنَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ لِلوُصُولِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالتَّعَرُّفِ عَلَيهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 20-21]. وقال تعالى: ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [يونس: 101]. وقال أيضًا: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].

ثالثًا- رَبْطُ الأَسبَابِ بِالمُسَبِّبَات:
لَقَد بَيَّنَت العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ أَنَّ هَذَا الكَوْنَ وَكُلَّ شَيءٍ فِيهِ يَسِيرُ وفْقَ نِظَامٍ وَتَقْدِيرٍ خَاصٍّ، وَأَنَّ كُلَّ مُسَبَّبٍ نَاِتجٌ عَن سَبَبٍ، أَيْ أَنَّ هَذَا الكَونَ لَا يَسِيرُ عَبَثًَا وَلَم يُخْلَقْ هَكَذَا دُونَ غَايَةٍ، وَأَنَّ كُلَّ الظَّوَاهِرِ الكَونِيَّةِ وَالإِنسَانِيَّةِ تَسِيرُ وَفْقَ تَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ وَتَركِيبٍ مُعَيَّنٍ، رُكِّبَتْ أَجْزَاؤُهُ بِدِقَّةٍ وَحُسِبَتْ كَذَلِكَ بِدِقَّةٍ، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ [الدُّخَان: 38].

وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ خَلْقِ الإِنسَانِ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الرُّوم: 54].

وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ يَنْطَلِقُ العَقْلُ يَعْمَلُ وَيَكْتَشِفُ بِطَرِيقَةٍ مُنَظَّمَةٍ وَاعِيَةٍ، لِأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ كَوْنٍ مُنَظَمٍ أَيْضًَا. كَمَا أَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ كَوْنٍ يَعْرِفُهُ بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُ اللهُ على مَا فِيهِ. وَطَلَبَ مِنْهُ النَّظَرَ وَالدَّرْسَ وَالبحثَ. وَهُنَا تَجْدُرُ الإِشَارةُ إلى أَنَّ المُسلِمِين هُم أَوَّلُ مَنْ استَعمَلَ مَنَاهِجَ البَحْثِ فِي عُلُومِهِم.

رابعًا- تحقيقُ الاستِقَامَةِ فِي حَيَاةِ المُؤمِنِ:
مِنَ الآثَارِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَى سُلُوكِ المُؤمِنِ عِنْدَمَا يَلتَزِمُ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، أَنْ تَسْتَقِيمَ نَفْسُهُ عَلَى الحَقِّ وَيُرَاقِبَ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، لِأَنَّهُ يَسْتَشْعِرُ تِلْكَ الصِّلَةَ الدَّائِمَةَ مَعَ خَالِقِهِ فَيَستَحِيَ أَنْ يِنْحَرِفَ، وَيُحَاوِلُ تَطْهِيرَ نَفْسِهِ وَشُعُورِهِ وَجَوَارِحِهِ مِنَ الآثَامِ، لِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِقُربِ اللهِ مِنهُ وَمُرَاقَبَتِهِ لَهُ، وَتِلكَ المُرَاقَبَةُ الدَّائِمَةُ للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ تَنْظِيفِ الشُّعُورِ وَالحِسِّ وَالجَوَارِحِ هِيَ الضَّمَانَاتُ الأَكِيدَةُ لِلِاستِقَامَةِ، وَإِنَّ نَفْسَ المُؤمِنِ لَتَحُسُّ بِلَسْعِ المُنْكَرِ وَالإِثمِ حِينَمَا تَستَمِعُ إلى قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ ق: 16]. فَتُصْبِحُ الاستِقَامَةُ صِفَةً أَصِيلَةً فِي نَفْسِ المُؤمِنِ وَسُلُوكِهِ وَشُعُورِهِ، وَكُلِّ تَصَرُّفٍ يَتَصَرَّفُهُ تَلْمِسُ مِنْهُ الاستِقَامَةَ. وَالعَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ بِهَذَا تُرَبِّي اليَقَظَةَ الذَّاتِيَّةَ فَيُحَاسِبُ الإِنسَانُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِمَسئُولِيَّتِهِ أَمَامَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دُوْنَ وَسِيطٍ.

وَمَتَى استَقَامَ وِجْدَانُ المُسْلِمِ وَضَمِيرُهُ استَقَامَتْ نَفْسُهُ، وَمَتَى استَقَامَتْ نَفْسُهُ استَقَامَتْ جَوَارِحُهُ - وَمَتَى استَقَامَ الفَردُ استَقَامَ المُجتَمَعُ، وَعِنْدَئِذٍ يَعِيشُ النَّاسُ فِي سَلَامٍ وَأَمَانٍ مَعَ أَنْفُسِهِم وَمَعَ بَعْضِهِم بَعْضًَا.

خامسًا- تَحْقِيقُ الكَرامَةِ لِلإِنسَانِ:
إِنَّ الإِسلَامَ هُوَ العَقِيدَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُحَقِّقُ كَرَامَةَ الإِنسَانِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ مِنْهَا:
أ- تَحرِيرُهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ لِغَيرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا يَتَوَجَّهُ إلى صَنَمٍ بَشَرِيٍّ أَو حَجَرِيٍّ، وَلَا يَعْبُدُ سِوَى اللهِ، وَلَا يَلتَجِئُ إِلَّا للهِ وَلا يَسْتَعِينُ إِلَّا بِاللهِ، وَلَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَلَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ وَلا يَرْجُو إِلَّا اللهَ، فَيَعِيشُ عِنْدَئِذٍ كَرِيمًَا عَزِيزًَا لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يَضُرَّهُ أَو يَنْفَعَهُ إِلَّا بِإِذْنِ الله. وإذا ما تَحَرَّرَ وِجْدَانُ الإِنسَانِ وَعَقْلُهُ وَنَفْسُهُ وَرُوحُهُ مِن كُلِّ ذَلِكَ، فَقَدْ مَلَكَ كَامِلَ حُرِيَّتِهِ وَبِالتَّالِي شَعَرَ بِكَرَامَتِهِ. وِمِنْ يَشْعُرُ بِالانْتِسَابِ إِلى اللهِ وَحدَهُ هَل يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ ذَلِيلًا أَو يَتَنَازَلَ عَنْ كَرَامَتِهِ؟ لَا وَاللهِ.

ب- اعْتِبَارُ العَقْلِ مَنَاطَ التَّكلِيفِ: وَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الإِنسَانُ أَنْ يَكُونَ أَرْقَى نَمَاذِجِ الحَيَاةِ، إِذْ هُوَ المُكَلَّفُ بِحَمْلِ المَسْؤُولِيَّةِ وَهُوَ المُكَلَّفُ بِالعِبَادَةِ، وَخَصَّهُ اللهُ بِتِلكَ النِّعمَةِ وَهِيَ نِعمَةُ العَقْلِ، إِذْ جَعَلَهُ وَسِيلةَ الإِنسَانِ لِلتَّعَامُلِ مَعَ الكَونِ وَالحَياةِ، واكتشافِ الخَصائِصِ وَالقَوَانِين. فالإِنسَانُ - بِهَذَا العَقلِ - استحقَّ مَكَانَةً لَمْ تُعْطَ لِأَحَدٍ غَيرِهِ.

ج- الخِلَافَةُ فِي الأَرضِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] وَالخِلَافَةُ تَكرِيمٌ مِنَ اللهِ لِلإِنسَانِ، حَيْث كَلَّفَهُ بِعِمَارَةِ الأَرضِ واسْتِثمَارِهَا وَالمَسؤُوليةُ عُنوانُ التَّكرِيمِ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِعُلُوِّ خَصَائِصِ هَذَا الإِنسَانِ وَأَهليَّتِهِ لِلأَمَانةِ. وَهَذا بِلَا شَكٍّ تَكْرِيمٌ مِنَ اللهِ للإنسانِ، لم يَنَلْهُ مَخْلُوقٌ غَيرُهُ.

د- تَسخِيرُ الكونِ وَمَا فِيهِ لِلإِنسَان: لقد بَيَّنَتْ العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ أَنَّ الكَونَ وَمَا فِيهِ مُسَخَّرٌ لِلإِنسَانِ، مَخلُوقٌ لِأَجْلِهِ، لِيَقُومَ بِإعمارِهِ واسْتِثْمَارِ خَصَائِصِهِ وَخَيرَاتِهِ. إِنَّ كُلَّ الظَّواهِرِ الكَونِيَّةِ خُلِقَتْ وَنُظِّمَتْ وَنُسِّقَتْ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ حَيَاةَ الإِنسَانِ سَهلَةً مُمكِنَةً مُمتِعَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ [لقمان: 20].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ [فاطر: 27].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ﴾ [يس: 33-35].

هـ- تَحرِيرُ الإِنسَانِ مِنَ الخَوفِ عَلَى الحَيَاةِ وَالرِّزْقِ: إِذْ رَبَطَتْ العَقِيدَةُ الإِسلامِيَّةُ حياةَ الإنسانِ باللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرِزْقُهُ عِندَ رَبِّهِ مُقَدَّرٌ لَا يَسْتَطِيعُ كَائِنٌ مَا أَنْ يُنقِصَ مِنْ حَيَاتِهِ ثَانِيَةً أَو يُنْقِصَ مِنْ رِزْقِهِ ذَرَّةً أَو يَزِيدَ.

وَعِندَئِذٍ يَنْطَلِقُ المُؤمِنُ عَامِلًَا مُجَاهِدًَا كَرِيمًَا عَزِيزًَا، إِذْ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ العَمَلِ لِكَرَامَتِهِم وَعِزَّتِهِم وَعَقِيدَتِهِم هُوَ الخَوْفُ عَلَى الحَيَاةِ وَالرِّزْقِ فَحَرَّرَ الإِسلامُ الإٍنسَانَ مِنَ الخُضُوعِ لَهَا، وَبِذَا أَكرَمَهُ بِصِفَاتِ الشَّجَاعَةِ وَالإِقدَامِ وَالتَّضحِيَّةِ فَيَعِيشُ كَرِيمًَا أَو يَمُوتُ شَهِيدًَا، وَتِلْكَ أَعلَى مَرَاتِبِ الكَرَامَةِ وَالتَّكرِيمِ.

[1] انظر:
أ- ياسين، محمد نعيم، وآخرون، "التربية الإسلامية"، كتابٌ مُؤَلَّفٌ لصالح المديريّة العامّة للمناهج وتقنيات التعليم بوزارة التربية والتعليم في المملكة الأردنية الهاشمية، ص17-35 بتصرُّفٍ واختِصَارٍ، ط12، 1993 من منشورات وزارة التربية والتعليم، الأردن.
ب- الكردي، راجح عبد الحميد، وآخرون، العقيدة الإسلامية، المستوى الأول، ص14-35، ط1، 1993 بتصرُّفٍ واختصَارٍ، من منشورات جامعة القدس المفتوحة.
ج- الخطيب، محمد أحمد، أصولُ العقيدة الإسلامية ومذاهبُها، ص28-32، ط11، 2011 بتصرُّفٍ واختصَارٍ، دار المسيرة، عمّان.

[2] شلبي، عبد الودود، كيف أرى الله؟ ص1، ط1، 1978، دار الشروق، بيروت.

[3] حلبي، خالص . الطبُّ محرابُ الإيمان، ص142، ط1، 1971م.

[4] انظر:
أ‌- ياسين، محمد نعيم، وآخرون، التربية الإسلامية، (م.س)، ص37-44 بتصرف واختصار.
ب‌- الخطيب، أصول العقيدة الإسلامية ومذاهبها، (م.س)، ص32-38 بتصرف واختصار.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]