
03-09-2024, 10:07 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن
تَفْسِيرِ سُّورَةِ النِّسَاءُ
الحلقة (490)
صــ 516 إلى صــ 530
القول في تأويل قوله ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : ولم نرسل يا محمد رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه . يقول - تعالى ذكره - : فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليه .
وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين الذين كانوا يزعمون أنهم [ ص: 516 ] يؤمنون بما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت صدودا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . يقول لهم - تعالى ذكره - : ما أرسلت رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه فمحمد - صلى الله عليه وسلم - من أولئك الرسل ، فمن ترك طاعته والرضى بحكمه واحتكم إلى الطاغوت فقد خالف أمري ، وضيع فرضي .
ثم أخبر - جل ثناؤه - أن من أطاع رسله فإنما يطيعهم بإذنه ، يعني بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته كما : -
9904 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " إلا ليطاع بإذن الله " واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله ، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله .
9905 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
9906 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
قال أبو جعفر : إنما هذا تعريض من الله - تعالى ذكره - لهؤلاء المنافقين بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضى بحكمه إنما هو للسابق لهم من خذلانه وغلبة الشقاء عليهم ، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضى بحكمه ، والمسارعة إلى طاعته .
[ ص: 517 ] القول في تأويل قوله ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ( 64 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين ، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا صدودا " إذ ظلموا أنفسهم " باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت ، وصدودهم عن كتاب الله ، وسنة رسوله إذا دعوا إليها " جاءوك " يا محمد ، حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك جاءوك تائبين منيبين ، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم ، وسأل لهم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك ، وذلك هو معنى قوله : " فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول " .
وأما قوله : " لوجدوا الله توابا رحيما " فإنه يقول : لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم " لوجدوا الله توابا " يقول : راجعا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون " رحيما " بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه .
وقال مجاهد : عني بذلك اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف .
9907 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " ظلموا أنفسهم " إلى قوله " ويسلموا تسليما " قال : إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف .
[ ص: 518 ] القول في تأويل قوله ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ( 65 ) )
قال أبو جعفر : يعني - جل ثناؤه - بقوله : " فلا " فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد واستأنف القسم - جل ذكره - فقال : " وربك " يا محمد " لا يؤمنون " أي : لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك " حتى يحكموك فيما شجر بينهم " يقول : حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم ، فالتبس عليهم حكمه . يقال : شجر يشجر شجورا وشجرا ، وتشاجر القوم : إذا اختلفوا في الكلام والأمر مشاجرة وشجارا .
" ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت " يقول : لا يجدوا في أنفسهم ضيقا مما قضيت . وإنما معناه : ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت أي : لا تأثم بإنكارها ما قضيت ، وشكها في طاعتك ، وأن الذي قضيت به بينهم حق لا يجوز لهم خلافه ، كما : -
9908 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد " حرجا مما قضيت " قال : شكا .
9909 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : " حرجا مما قضيت " يقول : شكا . [ ص: 519 ]
9910 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
9911 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت قال : إثما " ويسلموا تسليما " يقول : ويسلموا لقضائك وحكمك إذعانا منهم بالطاعة ، وإقرارا لك بالنبوة تسليما .
واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، وفيمن نزلت ؟
فقال بعضهم : نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من الأنصار اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور .
ذكر الرواية بذلك :
9912 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني يونس والليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، أن عروة بن الزبير حدثه : أن عبد الله بن الزبير حدثه ، عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلأهما النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر فأبى عليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك ، فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 520 ] ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك . واستوعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه . قال أبو جعفر : والصواب استوعب . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري . فلما أحفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم ، قال فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية . [ ص: 521 ]
9913 - حدثني يعقوب قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري عن عروة قال : خاصم الزبير رجل من الأنصار في شرج من شراج الحرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا زبير ، أشرب ، ثم خل سبيل الماء ، فقال الذي من الأنصار من بني أمية : اعدل يا نبي الله ، وإن كان ابن عمتك ، قال : فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عرف [ ص: 522 ] أن قد ساءه ما قال : ثم قال : يا زبير ، احبس الماء إلى الجدر أو : إلى الكعبين ثم خل سبيل الماء . قال : ونزلت : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم .
9914 - حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال : حدثنا عبد الله بن الزبير قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن سلمة رجل من ولد أم سلمة ، عن أم سلمة : أن الزبير خاصم رجلا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير ، فقال الرجل لما قضى للزبير : أن كان ابن عمتك ، فأنزل الله : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " [ ص: 523 ] .
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهودي اللذين وصف الله صفتهما في قوله : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " .
ذكر من قال ذلك :
9915 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما قال : هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف . [ ص: 524 ]
9916 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
9917 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي بنحوه إلا أنه قال : إلى الكاهن .
قال أبو جعفر : وهذا القول - أعني قول من قال عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " - أولى بالصواب ؛ لأن قوله : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك : ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم ، فإلحاق بعض ذلك ببعض ، ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى .
فإن ظن ظان أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرة ، وقول من قال في خبرهما : فنزلت فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها ، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت ، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري إذ كانت الآية دلالة دالة وإذ كان ذلك غير مستحيل كان إلحاق معنى [ ص: 525 ] بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد ، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض ، فيعدل به عن معنى ما قبله .
وأما قوله : " ويسلموا " فإنه منصوب عطفا على قوله : " ثم لا يجدوا في أنفسهم " وقوله : " ثم لا يجدوا في أنفسهم " نصب عطفا على قوله : " حتى يحكموك فيما شجر بينهم " .
القول في تأويل قوله ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم )
قال أبو جعفر : يعني - جل ثناؤه - بقوله : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم : ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها " ما فعلوه " يقول : ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله طاعة لله ولرسوله " إلا قليل منهم " .
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
9918 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا [ ص: 526 ] أنفسكم " يهود - يعني أو كلمة تشبهها والعرب - كما أمر أصحاب موسى - عليه السلام - .
9919 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم : كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر ، لم يفعلوا إلا قليل منهم .
9920 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم : افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا ، فقال ثابت : والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا ، فأنزل الله في هذا : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا " .
9921 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن إسماعيل ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : لما نزلت : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي .
واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله : " إلا قليل منهم " .
فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع " قليل " ؛ لأنه جعل بدلا من الأسماء [ ص: 527 ] المضمرة في قوله : " ما فعلوه " ، لأن الفعل لهم .
وقال بعض نحويي الكوفة : إنما رفع على نية التكرير كأن معناه : ما فعلوه ، ما فعله إلا قليل منهم ، كما قال عمرو بن معد يكرب :
وكل أخ مفارقه أخوه ، لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : رفع " القليل " بالمعنى الذي دل عليه قوله : " ما فعلوه إلا قليل منهم " ؛ وذلك أن معنى الكلام : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم ، فقيل : ما فعلوه على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " [ ص: 528 ] ، ثم استثنى " القليل " فرفع بالمعنى الذي ذكرنا ، إذ كان الفعل منفيا عنه .
وهي في مصاحف أهل الشام : ( ما فعلوه إلا قليلا منهم ) . وإذا قرئ كذلك ، فلا مرزئة على قارئه في إعرابه ؛ لأنه المعروف في كلام العرب ، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كناية من قد جرى ذكره ، ثم استثني منهم القليل .
القول في تأويل قوله ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ( 66 ) )
قال أبو جعفر : يعني - جل ثناؤه - بذلك : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك صدودا " فعلوا ما يوعظون به " يعني : ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره " لكان خيرا لهم " في عاجل دنياهم وآجل معادهم " وأشد تثبيتا " وأثبت لهم في أمورهم ، وأقوم لهم عليها . وذلك أن المنافق يعمل على شك ، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحل فيصير هباء ، وهو بشكه يعمل على وناء وضعف . [ ص: 529 ] ولو عمل على بصيرة لاكتسب بعمله أجرا ، ولكان له عند الله ذخرا ، وكان على عمله الذي يعمل أقوى ، ولنفسه أشد تثبيتا لإيمانه بوعد الله على طاعته ، وعمله الذي يعمله . ولذلك قال من قال : معنى قوله : " وأشد تثبيتا " تصديقا ، كما : -
9922 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا " قال : تصديقا .
لأنه إذا كان مصدقا كان لنفسه أشد تثبيتا ، ولعزمه فيه أشد تصحيحا . وهو نظير قوله - جل ثناؤه - : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ) [ سورة البقرة : 265 ] .
وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه ، بما فيه كفاية من إعادته .
القول في تأويل قوله ( وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ( 68 ) ( 67 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ؛ لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا " أجرا " يعني : جزاء وثوابا عظيما ، وأشد تثبيتا لعزائمهم وآرائهم ، وأقوى لهم على أعمالهم ؛ لهدايتنا إياهم صراطا مستقيما ، يعني : طريقا لا اعوجاج فيه ، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم ، وذلك الإسلام . [ ص: 530 ]
ومعنى قوله : " ولهديناهم " ولوفقناهم للصراط المستقيم .
ثم ذكر - جل ثناؤه - ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله - عليه السلام - من الكرامة الدائمة لديه ، والمنازل الرفيعة عنده ، فقال : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) الآية .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|