عرض مشاركة واحدة
  #536  
قديم 24-08-2024, 09:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء التاسع

سُورَةُ الِانْشِقَاقِ
الحلقة (536)
صــ 55 إلى صــ 69




قوله تعالى: كتاب مرقوم أي: ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب [ ص: 55 ] مرقوم، أي: مكتوب . قال ابن قتيبة: والرقم: الكتاب . قال أبو ذؤيب:


عرفت الديار كرقم الدوا ة يزبره الكاتب الحميري


وأنشده الزجاج: " يذبرها " بالذال المعجمة، وكسر الباء . قال الأصمعي: يقال: زبر: كتب، وذبر: قرأ . وروى أبو عمرو عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الصواب: زبرت بالزاي- كتبت . وذبرت بالذال- أتقنت ما حفظت . قال: والبيت يزبرها، بالزاي والضم . وقال ابن قتيبة: يروى " يزبرها " و " يذبرها " وهو مثله، يقال: زبر الكتاب يزبره، ويزبره . وذبره يذبره، ويذبره . وقال قتادة: رقم له بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر . وقيل: المعنى: إنه مثبت لهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به .

قوله تعالى: ويل يومئذ للمكذبين هذا منتظم بقوله تعالى: يوم يقوم الناس ، وما بينهما كلام معترض . وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: بل ران على قلوبهم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ، وابن عامر: " بل ران " بفتح الراء مدغمة، وقرأ أبو بكر عن عاصم: " بل ران " مدغمة بكسر الراء . وقرأ حفص عن عاصم " بل " بإظهار اللام " ران " بفتح الراء . قال اللغويون: أي: غلب على قلوبهم، يقال: الخمرة ترين على عقل السكران . قال الزجاج: قرئت بإدغام اللام في الراء، لقرب ما بين الحرفين، وإظهار اللام جائز، لأنه من كلمة، والرأس من كلمة أخرى . ويقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا: إذا [ ص: 56 ] غشي على قلبه، ويقال: غان يغين غينا، والغين كالغيم الرقيق، والرين كالصدإ يغشى على القلب . وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: الغين يقال: بالراء، وبالغين، ففي القرآن " كلا بل ران " وفي الحديث: " إنه ليغان على قلبي " وكذلك الراية تقال بالراء، وبالغين، والرميصاء تكتب " بالغين " ، وبالراء، لأن الرمص يكتب بهما . قال المفسرون: لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم . قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب .

قوله تعالى: كلا أي: لا يصدقون . ثم استأنف إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال ابن عباس: إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته . وقال مالك بن أنس: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه . وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى . وقال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى [ ص: 57 ] في القيامة . ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم . ثم من بعد حجبهم عن الله يدخلون النار، فذلك قوله تعالى: ثم إنهم لصالو الجحيم .

قوله تعالى: ثم يقال أي: يقول لهم خزنة النار: هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون كلا أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه . ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار فقال تعالى: لفي عليين وفيها سبعة أقوال .

أحدها: أنها الجنة، رواه عطاء عن ابن عباس .

والثاني: أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة، روي عن ابن عباس أيضا .

والثالث: أنها السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، قاله كعب، وهو مذهب مجاهد، وابن زيد .

والرابع: أنها قائمة العرش اليمنى، قاله قتادة . وقال مقاتل: ساق العرش .

والخامس: أنه سدرة المنتهى، قاله الضحاك .

والسادس: أنه في علو وصعود إلى الله عز وجل، قاله الحسن . وقال الفراء: في ارتفاع بعد ارتفاع .

والسابع: أنه أعلى الأمكنة، قاله الزجاج .

قوله تعالى: وما أدراك ما عليون هذا تعظيم لشأنها .

قوله تعالى: كتاب مرقوم الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها .

[ ص: 58 ] قوله تعالى: يشهده المقربون أي: يحضر المقربون من الملائكة ذلك المكتوب، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الانفطار: 13] إلى قوله تعالى: ينظرون وفيه قولان .

أحدهما: إلى ما أعطاهم الله من الكرامة .

والثاني: إلى أعدائهم حين يعذبون .

قوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم وقرأ أبو جعفر، ويعقوب " تعرف " بضم التاء، وفتح الراء " نضرة " بالرفع . قال الفراء: بريق النعيم ونداه . قال المفسرون: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم، لما ترى من الحسن والنور . وفي " الرحيق " ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الخمر، قاله الجمهور . ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقوال . أحدها: أجود الخمر، قاله الخليل بن أحمد . والثانية: الخالصة من الغش، قاله الأخفش . والثالث: الخمر البيضاء، قاله مقاتل . والرابع: الخمر العتيقة، حكاه ابن قتيبة .

والقول الثاني: أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك، قاله الحسن .

والثالث: أنه الشراب الذي لا غش فيه، قاله ابن قتيبة، والزجاج . وفي قوله تعالى: مختوم ثلاثة أقوال .

أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود .

والثاني: مختوم على إنائه، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد .

[ ص: 59 ] والثالث: له ختام، أي: عاقبة ريح، وتلك العاقبة هي قوله تعالى: ختامه مسك، أي: عاقبته . هذا قول أبي عبيدة .

ختامه مسك قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وحمزة " ختامه " بكسر الخاء، وبفتح التاء، وبألف بعدهما، مرفوعة الميم . وقرأ الكسائي " خاتمه " بخاء مفتوحة، بعدها ألف، وبعدها تاء مفتوحة . وروى الشيزري " خاتمه " مثل ذلك، إلا أنه يكسر التاء . وقرأ أبي بن كعب، وعروة، وأبو العالية: " ختمه " بفتح الخاء والتاء و [بضم] الميم من غير ألف .

وللمفسرين في قوله تعالى: ختامه مسك أربعة أقوال .

أحدها: خلطه مسك، قاله ابن مسعود، ومجاهد .

والثاني: أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك، [قاله ابن عباس .

والثالث: أن طعمه وريحه مسك، قاله علقمة .

والرابع: أن آخر طعمه مسك] قاله سعيد بن جبير، والفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين .

قوله تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي: فليجدوا في طلبه، وليحرصوا عليه بطاعة الله . والتنافس: كالتشاح على الشيء، والتنازع فيه .

قوله تعالى: ومزاجه من تسنيم فيه قولان .

[ ص: 60 ] أحدهما: أنه اسم عين في الجنة يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين .

والثاني: أن التسنيم الماء، قاله الضحاك . قال مقاتل: وإنما سمي تسنيما، لأنه يتسنم عليه من جنة عدن، فينصب عليهم انصبابا، فيشربون الخمر من ذلك الماء . قال ابن قتيبة: يقال: إن التسنيم أرفع شراب في الجنة . ويقال: إنه يمتزج بماء ينزل من تسنيم، أي: من علو . وأصل هذا من سنام البعير، ومن تسنيم القبور . وهذا أعجب إلي، لقول المسيب بن علس في وصف امرأة:


كأن بريقتها للمزا ج من ثلج تسنيم شيبت عقارا


أراد: كأن بريقتها عقارا شيبت للمزاج من ثلج تسنيم، يريد: جبلا . قال الزجاج: المعنى: ومزاجه من تسنيم عينا تأتيهم من تسنيم، أي: من علو يتسنم عليهم من الغرف . فـ " عينا " في هذا القول منصوبة، كما قال تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما [البلد: 15] . ويجوز أن تكون " عينا " منصوبة بقوله: يسقون عينا، أي: من عين . وقد بينا معنى " يشرب بها " في [هل أتى: 6] .

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون .

قوله تعالى: إن الذين أجرموا أي: أشركوا كانوا من الذين آمنوا يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمار، وبلال، وخباب، وغيرهم . يضحكون [ ص: 61 ] على وجه الاستهزاء بهم وإذا مروا يعني: المؤمنين بهم أي: بالكفار يتغامزون أي: يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء بهم وإذا انقلبوا يعني: الكفار إلى أهلهم انقلبوا فكهين أي: متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم . وقرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم، وعبد الرزاق عن ابن عامر: " فكهين " بغير ألف . وقد شرحنا معنى القراءتين في [يس: 55] وإذا رأوهم أي: رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إن هؤلاء لضالون يقول الله تعالى: وما أرسلوا يعني الكفار عليهم أي: على المؤمنين حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم فاليوم يعني: في الآخرة الذين آمنوا من الكفار يضحكون إذا رأوهم يعذبون في النار . قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا أقبلوا يريدون الخروج، غلقت أبوابها دونهم . والمؤمنون على الأرائك ينظرون إلى عذاب عدوهم . قال مقاتل: لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذبون، فيحمدون الله على ما أكرمهم به، فهم يكلمون أهل النار ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها، فتسد حينئذ الكوى .

قوله تعالى: هل ثوب الكفار وقرأ حمزة، والكسائي، وهارون عن أبي عمرو: " هل ثوب " بإدغام اللام . أي: هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا؟ وهذا الاستفهام بمعنى التقرير .

سُورَةُ الِانْشِقَاقِ

وهي مكية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور .

قوله تعالى: إذا السماء انشقت قال المفسرون: انشقاقها من علامات الساعة . وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن . [الفرقان: 225، الرحمن: 37، الحاقة: 16] وأذنت لربها أي: استمعت وأطاعت في الانشقاق، من الأذن، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه، وأنشدوا:


صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا


[ ص: 63 ] وحقت أي: حق لها أن تطيع ربها الذي خلقها وإذا الأرض مدت قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزاد في سعتها . وقال مقاتل: لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل فيها .

قوله تعالى: وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلت أي: خلت من ذلك، فلم يبق في باطنها شيء . واختلفوا في جواب هذه الأشياء المذكورات على أربعة أقوال .

أحدها: أنه متروك، لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن .

والثاني: أنه يا أيها الإنسان ، كقول القائل: إذا كان كذا وكذا فيا أيها الناس ترون ما عملتم، فيجعل: يا أيها الإنسان هو الجواب، وتضمر فيه الفاء، كأن المعنى: يرى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت، وذكر القولين الفراء .

والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت " قاله المبرد .

والرابع: أن الجواب مدلول عليه بقوله تعالى: " فملاقيه " . فالمعنى: إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله، قاله الزجاج .

قوله تعالى: إنك كادح إلى ربك كدحا فيه قولان .

أحدهما: إنك عامل لربك عملا، قاله ابن عباس .

والثاني: ساع إلى ربك سعيا، قاله مقاتل . قال الزجاج: و " الكدح " في اللغة: السعي، والدأب في العمل في باب الدنيا والآخرة . قال تميم بن مقبل:


وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح


[ ص: 64 ] وفي قوله تعالى: إلى ربك قولان .

أحدهما: عامل لربك . وقد ذكرناه عن ابن عباس .

والثاني: إلى لقاء ربك، قاله ابن قتيبة . وفي قوله تعالى: فملاقيه قولان .

أحدهما: فملاق عملك . والثاني: فملاق ربك، كما ذكرهما الزجاج .

قوله تعالى: فسوف يحاسب حسابا يسيرا وهو أن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له . وفي " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب هلك، فقلت: يا رسول الله، فإن الله يقول: " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " ؟! قال: ذلك العرض . قوله تعالى: وينقلب إلى أهله يعني: في الجنة من الحور العين والآدميات مسرورا بما أوتي من الكرامة وأما من أوتي كتابه وراء ظهره قال المفسرون: تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا قال الزجاج: يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وهذا يقوله كل من وقع في هلكة .

قوله تعالى: ويصلى سعيرا قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي: " ويصلى " بضم الياء، وتشديد اللام . وقرأ عاصم، وأبو عمرو ، وحمزة: " ويصلى " بفتح الياء خفيفة، إلا أن حمزة والكسائي يميلانها . وقد شرحناه في سورة [النساء: 11] .

[ ص: 65 ] قوله تعالى: إنه كان في أهله يعني في الدنيا مسرورا باتباع هواه، وركوب شهواته إنه ظن أن لن يحور أي: لن يرجع إلى الآخرة، ولن يبعث وهذه صفة الكافر . قال اللغويون: الحور في اللغة: الرجوع، وأنشدوا للبيد:


وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع



بلى إن ربه كان به بصيرا فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون .

قوله تعالى: بلى قال الفراء: المعنى: بلى ليحورن، ثم استأنف، فقال تعالى: إن ربه كان به بصيرا قال المفسرون: بصيرا على جميع أحواله .

قوله تعالى: فلا أقسم قد سبق بيانه .

فأما " الشفق " فقال ابن قتيبة: هما شفقان: الأحمر، والأبيض، فالأحمر: من لدن غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل .

وللمفسرين في المراد " بالشفق " هاهنا ستة أقوال .

أحدها: الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس . وقد روى ابن [ ص: 66 ] عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الشفق: الحمرة " ، وهذا قول عمر، وابنه، وابن مسعود، وعبادة، وأبي قتادة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وابن المسيب، وابن جبير، وطاووس، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن قتيبة، والزجاج . قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول وعليه ثوب مصبوغ: كأنه الشفق، وكان أحمر .

والثاني: أنه النهار .

والثالث: الشمس، روي القولان عن مجاهد .

والرابع: ما بقي من النهار، قاله عكرمة .

والخامس: السواد الذي يكون بعد ذهاب البياض، قاله أبو جعفر محمد بن علي .

والسادس: أنه البياض، قاله عمر بن عبد العزيز .

قوله تعالى: والليل وما وسق أي: وما جمع وضم . وأنشدوا:


إن لنا قلائصا حقائقا مستوسقات لو يجدن سائقا


[ ص: 67 ] قال أبو عبيدة: وما وسق ما علا فلم يمنع منه شيء، فإذا جلل الليل الجبال، والأشجار، والبحار، والأرض، فاجتمعت له، فقد وسقها . وقال بعضهم: معنى: " ما وسق " : ما جمع مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه إلى مأواه .

قوله تعالى: والقمر إذا اتسق قال الفراء: اتساقه: اجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، إلى ست عشرة .

قوله تعالى: لتركبن طبقا عن طبق قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: " لتركبن " بفتح التاء والباء، وفي معناه قولان .

أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم في معناه قولان . أحدهما: لتركبن سماء بعد سماء، قاله ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد . والثاني: لتركبن حالا بعد حال، قاله ابن عباس، وقال: هو نبيكم .

والقول الثاني: أن الإشارة إلى السماء . والمعنى: أنها تتغير ضروبا من التغيير، فتارة كالمهل، وتارة كالدهان، روي عن ابن مسعود أيضا .

وقرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر " لتركبن " بفتح التاء، وضم الباء، وهو خطاب لسائر الناس . ومعناه: لتركبن حالا بعد حال . وقرأ ابن مسعود، وأبو الجوزاء، وأبو الأشهب " ليركبن " بالياء، ونصب الباء . وقرأ أبو المتوكل، وأبو عمران، وابن يعمر " ليركبن " بالياء، وضم الباء . و " عن " بمعنى " بعد " . وهذا قول عامة المفسرين واللغويين، وأنشدوا للأقرع بن حابس .


إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره وساقني طبق منه إلى طبق


[ ص: 68 ] ثم في معنى الكلام خمسة أقوال .

أحدها: أنه الشدائد، والأهوال، ثم الموت، ثم البعث، ثم العرض، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه الرخاء بعد الشدة، والشدة بعد الرخاء، والغنى بعد الفقر، والفقر بعد الغنى، والصحة بعد السقم، والسقم بعد الصحة، [قاله الحسن .

والثالث: أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما شابا ثم شيخا]، قاله عكرمة .

والرابع: أنه تغير حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا، فيرتفع من كان وضيعا، ويتضع من كان مرتفعا، وهذا مذهب سعيد بن جبير .

والخامس: أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين، قاله أبو عبيدة .

وكان بعض الحكماء يقول: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى، فليعلم أن تدبيره إلى سواه .

قوله تعالى: فما لهم يعني: كفار مكة لا يؤمنون أي: لا يؤمنون بمحمد والقرآن، وهو استفهام إنكار وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فيه قولان .

أحدهما: لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب .

[ ص: 69 ] والثاني: لا يخضعون له، ويستكينون، قاله ابن جرير، واختاره القاضي أبو يعلى . قال: وقد احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ذلك، وإنما المعنى: لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، والسجود يختص بمواضع منه .

قوله تعالى: بل الذين كفروا يكذبون بالقرآن، والبعث، والجزاء والله أعلم بما يوعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب . قال ابن قتيبة: " يوعون " : يجمعون في قلوبهم . وقال الزجاج: يقال: أوعيت المتاع في الوعاء، ووعيت العلم .

قوله تعالى: فبشرهم بعذاب أليم أي: أخبرهم بذلك . وقال الزجاج: اجعل للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة، العذاب الأليم . و " الممنون " عند أهل اللغة: المقطوع .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.19%)]