عرض مشاركة واحدة
  #535  
قديم 24-08-2024, 08:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء التاسع

سُورَةُ الِانْفِطَارِ
الحلقة (535)
صــ 40 إلى صــ 54




[ ص: 40 ] قوله تعالى: وإذا الموءودة سئلت قال اللغويون: الموؤودة: البنت تدفن وهي حية، وكان هذا من فعل الجاهلية . ويقال: وأد ولده، أي: دفنه حيا . قال الفرزدق:


ومنا الذي منع الوائدا ت فأحيا الوئيد ولم يوأد


يعني: صعصعة بن صوحان، وهو جد الفرزدق . قال الزجاج: ومعنى سؤالها: تبكيت قاتليها في القيامة، لأن جوابها: قتلت بغير ذنب . ومثل هذا التبكيت قوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين؟! [المائدة: 116] . وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وهارون عن أبي عمرو: " سألت " بفتح السين، وألف بعدها بأي ذنب قتلت بإسكان اللام، وضم التاء الأخيرة . وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها . قال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته .

قوله تعالى: وإذا الصحف نشرت قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب " نشرت " بالتخفيف، والباقون بالتشديد . والمراد بالصحف: صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب وإذا السماء كشطت قال الفراء: نزعت، فطويت . وفي قراءة عبد الله: " قشطت " بالقاف، وهكذا تقوله قيس، وتميم، وأسد: بالقاف . وأما قريش، فتقوله بالكاف، والمعنى واحد . [ ص: 41 ] والعرب تقول: القافور، والكافور، والقسط، والكسط . وإذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في اللغات، كما يقال: حدث، وحدت . قال ابن قتيبة: كشطت كما يكشط الغطاء عن الشيء، فطويت . وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف . و سعرت أوقدت . وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " سعرت " مشددة . قال الزجاج: المعنى واحد . إلا أن معنى المشدد: أوقدت مرة بعد مرة . و أزلفت قربت من المتقين . وجواب هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت أي: إذا كانت هذه الأشياء علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل، فأثيبت على قدر عملها . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قوله تعالى: علمت نفس ما أحضرت : لهذا جرى الحديث . وقال ابن عباس: من أول السورة إلى هاهنا اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا، وستة في الآخرة .

فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين .

قوله تعالى: فلا أقسم لا زائدة، والمعنى: أقسم بالخنس وفيها خمسة أقوال .

[ ص: 42 ] أحدها: أنها خمسة أنجم تخنس بالنهار فلا ترى، وهي: زحل، وعطارد، والمشتري، والمريخ، والزهرة، قاله علي، وبه قال مقاتل، وابن قتيبة . وقيل: اسم المشتري: البرجس . واسم المريخ: بهرام .

والثاني: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو عبيدة .

والثالث: أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود .

والرابع: الظباء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير .

والخامس: الملائكة، حكاه الماوردي . والأكثرون على أنها النجوم .

قال ابن قتيبة: وإنما سماها خنسا، لأنها تسير في البروج والمنازل، كسير الشمس والقمر، ثم تخنس، أي: ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعا إلى أوله، وسماها كنسا، لأنها تكنس، أي: تسير كما تكنس الظباء . وقال الزجاج: تخنس، أي: تغيب، وكذلك تكنس، أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها . وإذا كان المراد الظباء فهو يدخل الكناس، وهو الغصن من أغصان الشجر . ووقف يعقوب على " الجواري " بالياء .

قوله تعالى: والليل إذا عسعس فيه قولان .

أحدهما: ولى، قاله ابن عباس، وابن زيد، والفراء .

والثاني: إذا أقبل . قاله ابن جبير، وقتادة . قال الزجاج: يقال: عسعس الليل: إذا أقبل . وعسعس: إذا أدبر . واستدل من قال: إن المراد: إدباره [ ص: 43 ] بقوله تعالى والصبح إذا تنفس وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط:


حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا


وفي قوله تعالى: تنفس قولان .

أحدهما: أنه طلوع الفجر، قاله علي وقتادة .

والثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك . قال الزجاج: معناه: إذا امتد حتى يصير نهارا بينا . وجواب القسم في قوله: فلا أقسم بالخنس وما بعده .

قوله: إنه لقول رسول كريم يعني: أن القرآن نزل به جبريل . وقد بينا هذا في [الحاقة: 40] . ثم وصف جبريل بقوله تعالى: ذي قوة وهو كقوله تعالى: ذو مرة وقد شرحناه في [النجم آية: 6] ذي قوة عند ذي العرش مكين يعني: في المنزلة مطاع ثم أمين أي: في السموات تطيعه الملائكة . فمن طاعة الملائكة له: أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر إليها . وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو حيوة: " ثم " بضم الثاء . ومعنى: " أمين " على وحي الله ورسالاته . قال أبو صالح: أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن .

قوله تعالى: وما صاحبكم بمجنون يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والخطاب لأهل مكة . قال الزجاج: وهذا أيضا من جواب القسم، وذلك أنه أقسم أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة .

[ ص: 44 ] قوله تعالى: ولقد رآه بالأفق المبين قال المفسرون: رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته بالأفق . وقد ذكرنا هذا في سورة [النجم :7] .

قوله تعالى: وما هو يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب أي: على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض بضنين قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ، والكسائي، ورويس " بظنين " بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد . وقال ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم . وقال غيره: ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه .

قوله تعالى: وما هو يعني: القرآن بقول شيطان رجيم قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا: إنما يجيء به الشيطان، فيلقيه على لسان محمد .

قوله تعالى: فأين تذهبون قال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ إن هو أي: ما هو، يعني: القرآن إلا ذكر للعالمين أي: موعظة للخلق أجمعين لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان . والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق . وقد بينا سبيل الاستقامة، فمن شاء أخذ في تلك السبيل . ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه بما بعد هذا، وقد بينا هذا في سورة [الإنسان: 30] قال أبو هريرة: لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقيل: القائل لذلك أبو جهل . وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو المتوكل، وأبو عمران: " وما يشاؤون " بالياء .

[ ص: 45 ] فصل

وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله تعالى: لمن شاء منكم أن يستقيم وقوله تعالى في [عبس: 12]: فمن شاء ذكره ، وقوله تعالى في سورة [الإنسان: 29] وفي سورة [المزمل: 18]: " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " كله منسوخ بقوله تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله ولا أرى هذا القول صحيحا، لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجه النسخ . فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته، فليس للنسخ وجه .

سُورَةُ الِانْفِطَارِ
وهي مكية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله .

قوله تعالى: إذا السماء انفطرت انفطارها: انشقاقها . و انتثرت بمعنى تساقطت . و فجرت بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا . وقال الحسن: ذهب ماؤها، و بعثرت بمعنى أثيرت . قال ابن قتيبة: قلبت فأخرج ما فيها . يقال: بعثرت المتاع وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه .

[ ص: 47 ] قوله تعالى: علمت نفس ما قدمت وأخرت هذا جواب الكلام . وقد شرحناه في قوله تعالى: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [القيامة: 13] .

قوله تعالى: يا أيها الإنسان فيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه عني به أبو الأشدين، وكان كافرا، قاله ابن عباس، ومقاتل . وقد ذكرنا اسمه في [المدثر: 30] .

والثاني: أنه الوليد بن المغيرة، قاله عطاء .

والثالث: أبي بن خلف، قاله عكرمة .

والرابع: أنه أشار إلى كل كافر، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: ما غرك قال الزجاج: أي: ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك؟ . وقال غيره: المعنى: ما الذي أمنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذ لم يعاقبك عاجلا؟ وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة، وقال: ما غرك بربك الكريم، ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: غرني ستورك المرخاة . وقال يحيى بن معاذ: لو قال لي: ما غرك بي؟ قلت: برك سالفا وآنفا . قيل: لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون سائر صفاته، كان كأنه لقن عبده الجواب، ليقول: غرني كرم الكريم .

قوله تعالى: الذي خلقك ولم تك شيئا فسواك إنسانا تسمع وتبصر [ ص: 48 ] فعدلك قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر: " فعدلك " بالتشديد . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " فعدلك " بالتخفيف . قال الفراء: من قرأ بالتخفيف، فوجهه -والله أعلم-: فصورك إلى أي صورة شاء، إما حسن، وإما قبيح، وإما طويل، وإما قصير . وقيل: في صورة أب، في صورة عم، في صورة بعض القرابات تشبيها . ومن قرأ بالتشديد، فإنه أراد -والله أعلم-: جعلك معتدلا، معدل الخلقة . وقال غيره: عدل أعضاءك فلم تفضل يد على يد، ولا رجل على رجل، وعدل بك أن يجعلك حيوانا بهيما .

قوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك قال الزجاج: يجوز أن تكون " ما " زائدة . ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك . وفي معنى الآية أربعة أقوال .

أحدها: في أي صورة من صور القرابات ركبك، وهو معنى قول مجاهد .

والثاني: في أي صورة، من حسن، أو قبح، أو طول، أو قصر، أو ذكر، أو أنثى، وهو معنى قول الفراء .

والثالث: إن شاء أن يركبك في غير صورة الإنسان ركبك، قاله مقاتل . وقال عكرمة: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير .

والرابع: إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير . وإن شاء في صورة حمار بالبلادة والبله، وإن شاء في صورة كلب بالبخل، أو خنزير بالشره، ذكره الثعلبي .

قوله تعالى: بل تكذبون بالدين وقرأ أبو جعفر " بالياء " أي بالجزاء والحساب، تزعمون أنه غير كائن . ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة، فقال [ ص: 49 ] تعالى: وإن عليكم لحافظين أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كراما على ربهم كاتبين يكتبون أعمالكم يعلمون ما تفعلون من خير وشر، فيكتبونه عليكم .

قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة وإن الفجار وفيهم قولان .

أحدهما: أنهم المشركون .

والثاني: الظلمة . ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم: يا ليت شعري ما لنا عند الله؟ فقال له: اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عنده، فقال: وأين أجده؟ قال: عند قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين .

قوله تعالى: يصلونها يعني: يدخلون الجحيم مقاسين حرها يوم الدين أي: يوم الجزاء على الأعمال وما هم عنها أي: عن الجحيم بغائبين وهذا يدل على تخليد الكفار . وأجاز بعض العلماء أن تكون " عنها " كناية عن القيامة، فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث . ويشتمل هذا على الأبرار والفجار . ثم عظم ذلك اليوم بقوله تعالى: وما أدراك ما يوم الدين ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه، وكان ابن السائب يقول: الخطاب بهذا للإنسان الكافر، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: يوم لا تملك نفس لنفس قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " يوم " [ ص: 50 ] بالرفع، والباقون: بالفتح . قال الزجاج: من رفع " اليوم " ، فعلى أنه صفة لقوله تعالى: " يوم الدين " . ويجوز أن يكون رفعه بإضمار " هو " ونصبه على معنى: هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئا قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله، ولم يملك أحدا من الخلق شيئا كما ملكهم في الدنيا . وكان مقاتل يقول: لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة . والقول على الإطلاق أصح، لأن مقاتلا فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين . والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه .

سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ

وفيها ثلاثة أقوال

أحدها: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والضحاك، ويحيى بن سلام .

والثاني: مدنية، قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل، إلا أن ابن عباس، وقتادة قالا: فيها ثماني آيات مكية، من قوله تعالى: إن الذين أجرموا [المطففين: 29] إلى آخرها . وقال مقاتل: فيها آية مكية، وهي قوله تعالى: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين [المطففين: 13] .

والثالث: أنها نزلت بين مكة، والمدينة، قاله جابر بن زيد وابن السائب، وذكر هبة الله ابن سلامة المفسر: أنها نزلت في الهجرة بين مكة والمدينة، نصفها يقارب مكة، ونصفها يقارب المدينة .

بسم الله الرحمن الرحيم

ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين .

قوله تعالى: ويل للمطففين قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 52 ] المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: ويل للمطففين فأحسنوا الكيل بعد ذلك . وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية . وقد شرحنا معنى " الويل " في [البقرة: 79] . وقال ابن قتيبة: المطفف: الذي لا يوفي الكيل، يقال: إناء طفان: إذا لم يكن مملوءا . وقال الزجاج: إنما قيل: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من طف الشيء، وهو جانبه .

قوله تعالى: الذين إذا اكتالوا على الناس أي: من الناس . فـ " على " بمعنى " من " في قول المفسرين واللغويين . قال الفراء: " على " ، و " من " يعتقبان في هذا الموضع، لأنك إذا قلت: اكتلت عليك، فكأنك قلت: أخذت ما عليك [كيلا]، وإذا قلت: اكتلت منك، فهو كقولك: استوفيت منك [كيلا] . قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتزنوا، ولم يذكر " إذا اتزنوا " لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يكال ويوزن، فأحدهما يدل على الآخر وإذا كالوهم أي: كالوا لهم أو وزنوهم أي: وزنوا لهم . يخسرون أي: ينقصون في الكيل، والوزن . فعلى هذا لا يجوز أن يقف على " كالوا " ، ومن الناس من يجعل " هم " توكيدا لما كالوا، ويجوز أن يقف على " كالوا " والاختيار الأول . قال الفراء: سمعت أعرابية تقول: [ ص: 53 ] إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل .

قوله تعالى: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون قال الزجاج: المعنى: لو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن ليوم عظيم يعني به يوم القيامة يوم يقوم الناس منصوب بقوله تعالى مبعوثون . قال المفسرون: والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين . ومعنى: يقوم الناس، أي: من قبورهم لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه وحسابه . وقيل: يقومون بين يديه لفصل القضاء . وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية: " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " . وقال كعب: يقفون ثلاثمائة عام . قال مقاتل: وذلك إذا خرجوا من قبورهم .

كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون .

[ ص: 54 ] قوله تعالى: كلا ردع وزجر، أي: ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا . وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء . وكان أبو حاتم يقول: " كلا " ابتداء يتصل بما بعده على معنى " حقا " إن كتاب الفجار قال مقاتل: إن كتاب أعمالهم لفي سجين وفيها أربعة أقوال .

أحدها: أنها الأرض السابعة، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل . وروي عن مجاهد قال: " سجين " صخرة تحت الأرض السابعة، يجعل كتاب الفجار تحتها، وهذه علامة لخسارتهم، ودلالة على خساسة منزلتهم .

والثاني: أن المعنى: إن كتابهم لفي سفال، قاله الحسن .

والثالث: لفي خسار، قاله عكرمة .

والرابع: لفي حبس، فعيل من السجن، قاله أبو عبيدة .

قوله تعالى: وما أدراك ما سجين هذا تعظيم لأمرها . وقال الزجاج: أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.62 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.20%)]