عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 24-08-2024, 04:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,609
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الْقِيَامَةِ
الحلقة (530)
صــ 415 إلى صــ 429






سُورَةُ الْقِيَامَةِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره

قوله تعالى: لا أقسم اتفقوا على أن المعنى "أقسم" واختلفوا في "لا" فجعلها بعضهم زائدة، كقوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد: 29] وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث . ويدل عليه أنه "أقسم" على كون البعث . قال ابن قتيبة: زيدت "لا" على نية الرد على المكذبين، كما تقول: لا والله ما ذاك، ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ في الرد . وقرأ ابن كثير إلا ابن فليح "لأقسم" بغير ألف بعد اللام، فجعلت لاما دخلت على "أقسم"، وهي قراءة ابن عباس، وأبي عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، [ ص: 416 ] وابن محيصن . قال الزجاج: من قرأ "لأقسم" فاللام لام القسم والتوكيد . وهذه القراءة بعيدة في العربية، لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون، تقول: لأضربن زيدا . ولا يجوز: لأضرب زيدا .

قوله تعالى: ولا أقسم بالنفس اللوامة قال الحسن: أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية . وقال قتادة: حكمها حكم الأولى .

وفي "النفس اللوامة" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس . فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين لا ينفعها اللوم .

والثاني: أنها النفس المؤمنة، قاله الحسن . قال: لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال .

والثالث: أنها جميع النفوس . قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قال: هلا زدت . وإن كانت عملت سوءا، قال ليتني لم أفعل .

قوله تعالى: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه المراد بالإنسان ها هنا: الكافر . وقال ابن عباس: يريد أبا جهل . وقال مقاتل: عدي بن ربيعة، وذلك أنه قال: أيجمع الله هذه العظام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: "نعم" فاستهزأ [ ص: 417 ] منه، فنزلت هذه الآية . قال ابن الأنباري: وجواب القسم محذوف، كأنه: لتبعثن، لتحاسبن، فدل قوله تعالى: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه على الجواب، فحذف .

قوله تعالى: بلى وقف حسن . ثم يبتدأ "قادرين" على معنى: بلى نجمعها قادرين . ويصلح نصب "قادرين" على التكرير: بلى فليحسبنا قادرين "على أن نسوي بنانه" وفيه قولان .

أحدهما: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، وحافر الحمار، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة والخياطة، هذا قول الجمهور .

[ ص: 418 ] والثاني: نقدر على أن نسوي بنانه كما كانت، وإن صغرت عظامها، ومن قدر على جمع صغار العظام، كان على جمع كبارها أقدر، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج . وقد بينا معنى البنان في [الأنفال: 12]

قوله تعالى: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فيه قولان .

أحدهما: يكذب بما أمامه من البعث والحساب، قاله ابن عباس .

والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن جبير . فعلى هذا: يكون المراد بالإنسان: المسلم . وعلى الأول: الكافر .

قوله تعالى: يسأل أيان يوم القيامة أي: متى هو؟ تكذيبا به، وهذا هو الكافر "فإذا برق البصر" قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم "برق" بفتح الراء، والباقون بكسرها . قال الفراء: العرب تقول: برق البصر يبرق، وبرق يبرق: إذا رأى هولا يفزع منه . و"برق" أكثر وأجود . قال الشاعر:


فنفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق


[ ص: 419 ] بالفتح . يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك . قال المفسرون: يشخص بصر الكافر يوم القيامة، فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا . وقال مجاهد: برق البصر عند الموت .

قوله تعالى: وخسف القمر قال أبو عبيدة: كسف وخسف بمعنى واحد، أي: ذهب ضوؤه .

قوله تعالى: وجمع الشمس والقمر إنما قال "جمع" لتذكير القمر، هذا قول أبي عبيدة . وقال الفراء: إنما لم يقل: جمعت، لأن المعنى: جمع بينهما . وفي معنى الآية قولان .

أحدهما: جمع بين ذاتيهما . وقال ابن مسعود: جمعا كالبعيرين القرينين . وقال عطاء بن يسار: يجمعان ثم يقذفان في البحر . وقيل: يقذفان في النار . وقيل يجمعان، فيطلعان من المغرب .

والثاني: جمع بينهما في ذهاب نورهما، قاله الفراء، والزجاج .

قوله تعالى: يقول الإنسان يعني: المكذب بيوم القيامة "أين المفر" قرأ الجمهور بفتح الميم، والفاء، وقرأ ابن عباس، ومعاوية، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: [ ص: 420 ] بكسر الفاء . قال الزجاج: فمن فتح، فالمعنى: أين الفرار؟ ومن كسر، فالمعنى: أين مكان الفرار؟ تقول: جلست مجلسا بالفتح، يعني: جلوسا . فإذا قلت: مجلسا بالكسر، فأنت تريد المكان .

قوله تعالى: كلا لا وزر قال ابن قتيبة: لا ملجأ . وأصل الوزر: الجبل الذي يمتنع فيه "إلى ربك يومئذ المستقر" أي: المنتهى والمرجع .

"ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" فيه ستة أقوال .

أحدها: بما قدم قبل موته، وما سن من شيء فعمل به بعد موته، قاله ابن مسعود، وابن عباس .

والثاني: ينبأ بأول عمله وآخره . قاله مجاهد .

والثالث: بما قدم من الشر، وأخر من الخير، قاله عكرمة .

والرابع: بما قدم من فرض، وأخر من فرض، قاله الضحاك .

والخامس: بما قدم من معصية، وأخر من طاعة .

والسادس: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة، قاله زيد بن أسلم .

قوله تعالى: بل الإنسان على نفسه بصيرة قال الفراء: المعنى: بل على الإنسان من نفسه بصيرة، أي: رقباء يشهدون عليه بعمله، وهي: الجوارح . قال ابن قتيبة: فلما كانت جوارحه منه، أقامها مقامه . وقال أبو عبيدة: جاءت الهاء في "بصيرة" في صفة الذكر، كما جاءت في رجل "راوية"، و"طاغية"، وعلامة .

قوله تعالى: ولو ألقى معاذيره في المعاذير قولان .

أحدهما: أنه جمع عذر، فالمعنى: لو اعتذر، وجادل عن نفسه، فعليه من يكذب عذره، وهي: الجوارح، وهذا قول الأكثرين .

[ ص: 421 ] والثاني: أن المعاذير جمع معذار، وهو: الستر . والمعاذير: الستور . فالمعنى: ولو أرخى ستوره، هذا قول الضحاك، والسدي، والزجاج . فيخرج في معنى "ألقى" قولان .

أحدهما: قال، ومنه "فألقوا إليهم القول" [النحل: 36]، وهذا على القول الأول .

والثاني: أرخى، وهذا على القول الثاني .

لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة

قوله تعالى: لا تحرك به لسانك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، مخافة أن لا يحفظه، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ومعناها: لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه "إن علينا جمعه وقرآنه" قال ابن قتيبة: أي: ضمه وجمعه في صدرك "فإذا قرأناه" أي: جمعناه "فاتبع قرآنه" أي: جمعه . قال المفسرون: [ ص: 422 ] يعني: اقرأ إذا فرغ جبريل من قراءته . قال ابن عباس: فاتبع قرآنه، أي: اعمل به . وقال قتادة: فاتبع حلاله وحرامه "ثم إن علينا بيانه" فيه أربعة أقوال .

أحدها: نبينه بلسانك، فتقرؤه كما أقرأك جبريل . وكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب، قرأه كما وعده الله، قاله ابن عباس .

والثاني: إن علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد، قاله الحسن .

والثالث: إن علينا بيان ما فيه من الأحكام، والحلال، والحرام، قاله قتادة .

والرابع: علينا أن ننزله قرآنا عربيا، فيه بيان للناس، قاله الزجاج .

قوله تعالى: كلا قال عطاء: أي: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه، وقال ابن جرير: المعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون، ولكن دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم للعاجلة .

قوله تعالى بل تحبون العاجلة قرأ ابن كثير، وأبو عمرو "بل يحبون العاجلة ويذرون" بالياء فيهما . وقرأ الباقون بالتاء فيهما . والمراد: كفار مكة، يحبونها ويعملون لها "ويذرون الآخرة" أي: يتركون العمل لها إيثارا للدنيا عليها .

قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة أي: مشرقة بالنعيم "إلى ربها ناظرة" روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة . قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة . ورؤية الله عز وجل [ ص: 423 ] حق لا شك فيها . والأحاديث فيها صحاح، قد ذكرت جملة منها في "المغني" و"الحدائق" .

قوله تعالى: ووجوه يومئذ باسرة قال ابن قتيبة: أي: عابسة مقطبة .

قوله تعالى: تظن قال الفراء: أي: تعلم، و"الفاقرة" الداهية . قال ابن قتيبة: إنه من فقارة الظهر، كأنها تكسره، يقال: فقرت الرجل: إذا كسرت فقاره، كما يقال: رأسته: إذا ضربت رأسه، وبطنته: إذا ضربت بطنه . قال ابن زيد: والفاقرة: دخول النار . قال ابن السائب: هي أن تحجب عن ربها، فلا تنظر إليه .

كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى

قوله تعالى: كلا قال الزجاج: "كلا" ردع وتنبيه . المعنى: ارتدعوا [ ص: 424 ] عما يؤدي إلى العذاب . وقال غيره: معنى "كلا": لا يؤمن الكافر بهذا .

قوله تعالى: إذا بلغت يعني: النفس . وهذه كناية عن غير مذكور .

و "التراقي" العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال . وواحدة التراقي: ترقوة، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، "وقيل من راق" فيه قولان .

أحدهما: أنه قول الملائكة بعضهم لبعض: من يرقى روحه، ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب؟ رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية ومقاتل .

والثاني: أنه قول أهله: هل من راق يرقيه بالرقى؟ وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال عكرمة، والضحاك، وأبو قلابة، وقتادة، وابن زيد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج .

قوله تعالى: وظن أي: أيقن الذي بلغت روحه التراقي "أنه الفراق" للدنيا "والتفت الساق بالساق" فيه خمسة أقوال .

أحدها: أمر الدنيا بأمر الآخرة، رواه الوالبي عن ابن عباس: وبه قال مقاتل .

والثاني: اجتمع فيه الحياة والموت، قاله الحسن . وعن مجاهد كالقولين .

والثالث: التفت ساقاه في الكفن، قاله سعيد بن المسيب .

والرابع: التفت ساقاه عند الموت، قاله الشعبي . [ ص: 425 ] والخامس: الشدة بالشدة، قاله قتادة . قال الزجاج: آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة .

قوله تعالى إلى ربك يومئذ المساق أي: إلى الله المنتهى "فلا صدق ولا صلى" قال أبو عبيدة: "لا" ها هنا" في موضع "لم" . قال المفسرون: هو أبو جهل "ولكن كذب وتولى" عن الإيمان "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" أي: رجع إليهم يتبختر ويختال . قال الفراء: "يتمطى" أي: يتبختر، لأن الظهر هو المطا، فيلوي ظهره متبخترا . وقال ابن قتيبة: أصله يتمطط، فقلبت الطاء فيه ياء، كما قيل: يتظنى، وأصله: يتظنن، ومنه المشية المطيطاء . وأصل الطاء في هذا كله دال . إنما هو مد يده في المشي إذا تبختر . يقال: مططت ومددت بمعنى .

قوله تعالى: أولى لك فأولى قال ابن قتيبة: هو تهديد ووعيد . وقال الزجاج: العرب تقول: أولى لفلان: إذا دعت عليه بالمكروه، ومعناه: وليك المكروه يا أبا جهل .

قوله تعالى أيحسب الإنسان يعني: أبا جهل "أن يترك سدى" قال ابن قتيبة: أي: يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب، يقال: أسديت الشيء، أي: أهملته . ثم دل على البعث بقوله تعالى: ألم يك نطفة من مني يمنى قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "تمنى" بالتاء . وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم، ويعقوب "يمنى" بالياء . وعن [ ص: 426 ] أبى عمرو كالقراءتين . وقد شرحنا هذا في [النجم: 24] "ثم كان علقة" بعد النطفة "فخلق" فيه الروح، وسوى خلقه "فجعل منه" أي: خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا "أليس ذلك" الذي فعل هذا "بقادر؟" وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو رجاء ، وعاصم الجحدري "يقدر" "على أن يحيي الموتى؟!" وهذا تقرير لهم، أي: إن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة . قال ابن عباس: إذا قرأ أحدكم هذه الآية، فليقل: اللهم بلى .

سُورَةُ الدَّهْرِ

سُورَةُ هَلْ أَتَى: وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْإِنْسَانِ

وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أحدها: أنها مدنية كلها، قاله الجمهور منهم، مجاهد وقتادة .

والثاني: مكية، قاله ابن يسار، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس .

والثالث: أن فيها مكيا ومدنيا . ثم في ذلك قولان .

أحدهما: أن المكي منها آية، وهو قوله تعالى: ولا تطع منهم آثما أو كفورا وباقيها جميعه مدني، قاله الحسن وعكرمة .

والثاني: أن أولها مدني إلى قوله تعالى: إنا نحن نزلنا عليك القرآن [الإنسان: 24] ومن هذه الآية إلى آخرها مكي، حكاه الماوردي .

بسم الله الرحمن الرحيم

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا

قوله تعالى: هل أتى قال الفراء: معناه: قد أتى . و"هل" تكون خبرا، وتكون جحدا، فهذا من الخبر، لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل [ ص: 428 ] أعطيتك؟ فتقرره بأنك قد فعلت ذلك . والجحد، أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا؟ وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة . وفي هذا الإنسان قولان .

أحدهما: أنه آدم عليه السلام . والحين الذي أتى عليه: أربعون سنة، وكان مصورا من طين لم ينفخ فيه الروح، هذا قول الجمهور .

والثاني: أنه جميع الناس، روي عن ابن عباس، وابن جريج، فعلى هذا يكون الإنسان اسم جنس، ويكون الحين زمان كونه نطفة، وعلقة، ومضغة .

قوله تعالى: لم يكن شيئا مذكورا المعنى: أنه كان شيئا، غير أنه لم يكن مذكورا .

قوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان يعني: ولد آدم "من نطفة أمشاج" قال ابن قتيبة: أي: أخلاط . يقال: مشجته، فهو مشيج، يريد: اختلاط ماء المرأة بماء الرجل .

قوله تعالى نبتليه قال الفراء: هذا مقدم، ومعناه التأخير، لأن المعنى: خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه . قال الزجاج: المعنى: جعلناه كذلك لنختبره . وقوله تعالى: إنا هديناه السبيل أي: بينا له سبيل الهدى بنصب الأدلة، وبعث الرسول "إما شاكرا" أي: خلقناه إما شاكرا "وإما كفورا" قال [ ص: 429 ] الفراء: بينا له الطريق إن شكر، أو كفر .

إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا [ ص: 430 ] أمثالهم تبديلا إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]