فوصلوا إلى حقيقة المحرم، لا إلى صورته: فهم لم يصطادوا الحيتان يوم السبت، لكن هي التي وقعت في الشباك أو الحُفر يوم السبت،[80] وأخذوها هم يوم الأحد، ففعل الصيد لم يحدث منهم مباشرة، وفعل الأخذ والأكل لم يكن يوم السبت،[81] لكن حقيقة الأمر أنهم أخذوا حيتان السبت، وهي عين ما نهوا عنه، ثم إن ذلك دعاهم إلى استحلال ذات المحرم بعد ذلك.
قال ابن كثير: "وهؤلاء قومٌ احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة، التي معناها في الباطن تعاطي الحرام".[82]
فكان مقصود الحكم منعهم من أخذ الصيد بطريق المباشرة، أو التسبب؛ لكنهم تجرؤوا عليه بحيلةٍ هي " استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الاتقاء, وحقيقته حقيقة الاعتداء؛ ولهذا - والله أعلم - مسخوا قردةً؛ لأن صورة القرد فيها شبهٌ من صورة الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبهٌ منه، وهو مخالفٌ له في الحدّ والحقيقة".[83]
ب- المثال الثاني: ما أخرجه الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر، والميتة، والخنـزير، والأصنام"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس[84]؟، فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرّم شحومها جملوه،[85] ثم باعوه، فأكلوا ثمنه".[86]
فاليهود هنا وصلوا إلى حقيقة المحرم، لا إلى صورته، فهم نهُوا عن أكل الشحوم، فأذابوها حتى تغيرت صورتها، وتغير اسمها، فصارت دهنًا سائلاً، وسمي ودكاً،[87] ثم باعوها، فلم يأكلوها مباشرة، وإنما أكلوا بدلها،[88] لكن حقيقة الأمر أنهم وصلوا إلى الانتفاع بما حُرم عليهم، بعد تغيير صورته مرتين.
فحقيقة الحيلة أن يأتي حقيقة المحرم من جهة تختلف في الصورة، أو الاسم عن الجهة التي نهي عنها؛ كمثل التحايل على قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾،[89] فلا يأكلها، لكن ينفقها في بعض حاجته.[90]
2- المحدد الثاني: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم".[91]
والالتفاف على أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم صورةٌ أخرى من صور الاحتيال، فلا يأتي بالواجب على وجهه، بل يسعى للتحايل عليه، ولهذا مثالان:
أ- المثال الأول: ما أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه حدّثه أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزكاة: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة".[92]
وصورة المنهي عنه: أن يجمع أو يفرّق مال الزكاة من بهيمة الأنعام؛ لتقل حصّة الزكاة؛ فيتحيل بذلك على أداء الواجب.[93]
ب- والمثال الثاني: ما أخرجه الخمسة إلا النسائي عن علي رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل، والمحلَّل له.[94]
والمحلِّل يتحايل لإسقاط شرط التحليل؛ وهو نكاح الرغبة مع الوطء.[95]
ومن الحيل التي نهُي عنها نصًا في خصوص المعاملات المالية: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن العينة،[96] وصورتها: أن يبيع سلعةً بثمنٍ آجل، ثم يشتريها بثمنٍ عاجلٍ أقل،[97] فقصدوا بيع نقدٍ بنقد، مع التأجيل والتفاضل، وهو محرم؛ لاشتماله على ربا النسيئة والفضل، وأخرجوه في صورة بيعتين بينهما شرط أو تواطؤ، مع أنه لا غرض لواحدٍ منهما في السلعة، وإنما هي كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة.[98]
فدار التحيل على حصول المحرم بعينه، مع قيام مفسدته، وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: حقيقة المخارج الشرعية:
وإذا نظرنا في الأدلة الشرعية التي رخصت في سلوك الطرق الخفية، مما يُقصد به الدلالة على المخارج عند المضايق، وجدنا أنها دارت على محدداتٍ بارزة، كانت هي سبب الترخيص والإباحة؛ فمن ذلك:
1- المحدد الأول: ما جاء من الدلالة على سلوك طرقٍ خفية؛ لأداء الواجب، ووصول الحق لصاحبه:
أ- فمن الأول: قوله تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ﴾.[99]
فأيوب عليه السلام كان شديد التعظيم لأمر اليمين، حتى نقل الطبري[100] أنه كان يمرّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فيرجع إلى بيته، فيكفّر عنهما؛ كراهية أن يُذكر الله إلا في حق،[101]وقد حلف على امرأته إن شفاه الله، ليجلدنها مائة جلدة، وكانت قائمةً بحقه في مرضه، فأمره الله بسلوك هذه الطريقة لأداء ما وجب عليه، دون أذيةٍ لزوجه؛ وذلك بأن يأخذ غصنًا، فيه مائة عودٍ، فيضربها به ضربةً واحدة، فيحصل بذلك مقصود الشرع في حصول التقوى في الأمرين؛ برّه بيمينه، وعدم أذية زوجته البارّة به، أو ضربها فوق حد الأدب.[102]
ب- ومن الثاني: ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، فقال: "اذهب، فاصبر"، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: "اذهب، فاطرح متاعك في الطريق"، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه، فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه؛ فعل الله به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع، لا ترى مني شيئًا تكرهه.[103]
فوصل بهذه الطريق الجائزة إلى حقه في الجوار، ودفع الأذى عنه.
2- المحدد الثاني: ما جاء من الدلالة على سلوك طرقٍ خفية؛ للتخلص من الوقوع في المحرم، أو لدفع شرٍ وظلم:
أ- فمن الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾.[104]
والمقصود بالحيلة في هذه الآيات الحيلة المشروعة، التي يثاب عليها فاعلها؛ لأن فيها تخلصاً من الكفار، ومن البقاء بين ظهرانيهم.[105]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلو احتال المؤمن المستضعف على التخلص من بين الكفار لكان محمودًا في ذلك... وللناس في التلطف، وحسن التحيل على حصول ما فيه رضا الله ورسوله, أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعيٌ مشكور".[106]
ب- ومن الثاني: ما أخرجه أحمد وغيره عن سويد بن حنظلة رضي الله عنه قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدوٌ له، فتحرّج الناس أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، فخلى عنه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرتُ ذلك له، فقال: " أنتَ كنتَ أبرهم وأصدقهم، صدقتَ، المسلم أخو المسلم".[107]
فسلك رضي الله عنه المعاريض المباحة للوصول إلى مقصدٍ مشروع، وهو رفع ظلمٍ، وإنقاذ نفس مسلمٍ، وكما جازت المعاريض القولية جازت المخارج؛ إذ حقيقتها معاريض عملية.[108]
ومن المخارج التي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليها في خصوص المعاملات المالية: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال بتمر بَرْني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أين هذا؟"، فقال بلال: تمرٌ كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاعٍ؛ لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوِّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به".[109]
وعليه فالحيل المذمومة والمخارج المشروعة يجتمعان في سلوك طريقٍ خفيٍّ، ظاهره الجواز،[110] لا تدرك حقيقته إلا بنوع فطنة؛ إما لأن ظاهره خلاف باطنه، وإما لأن الذهن لا يلتفت له عادةً.[111]
ويفترقان في أنّ المخارج المشروعة حقيقتها التوصل لأداء ما أوجب الله تعالى، أو التخلص من الوقوع فيما حرّمه سبحانه، وأما الحيل فمقصودها التوصل لما حرّمه الله تعالى؛ من ارتكاب محظور، أو ترك واجب، أو إسقاط حق،[112] قال ابن عباس رضي الله عنهما: "سدت عليكم أبواب الربا، فأنشأتم تطلبون مخارجها"؛ أيّ حيلها.[113]
وتعرف الحيل المذمومة بعلامات فارقة بينها وبين المخارج المحمودة، ومن أبرز تلك العلامات في أبواب المعاملات المالية ما يلي:
(أ) من جهة سببها:
1- وأسباب الحيل لخصَّها ابن تيمية في القواعد النورانية، فقال: "ولقد تأملتُ أغلب ما أوقع الناس في الحيل؛ فوجدته أحد شيئين: إما ذنوب، جُوزوا عليها بتضييقٍ في أمورهم، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل... وإما مبالغةٌ في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل، وهذا من خطأ الاجتهاد، وإلا فمن اتّقى الله، وأخذ ما أحلّ له، وأدى ما أوجب عليه، فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدًا".[114]
(ب) من جهة القصد منها:
2- أن يقصد بالعقد ما ينافيه، أو ما لم يشرع له؛ كأن يقصد من العقد بعض أحكامه التي تحصل تبعًا لحصوله على الوجه المشروع. [115]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العقد إذا كان له مقصودٌ يراد في جميع صوره، وشُرط فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين؛ بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطلٌ بالاتفاق، بل هو مبطلٌ للعقد عندنا".[116]
3- أو يقصد مقصدًا مخالفًا للشرع، وتعرف المقاصد المذمومة بالنظر في مسالك: التهمة، والتواطؤ، والمآلات،[117] وأن ينظر خصوصًا إلى الباعث على العقد، قال ابن القيم: "من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع". [118]
(ج) من جهة شكلها:
4- غالب الحيل قوامها على التركيب، وعلى الناظر أن يُفرد كل عقدٍ منهما، وينظر هل قصد المتعاقدان عقده؛ بحظه من الثمن، أو لا؟. [119]
فمن صور الحيل المنتشرة: أن يجمع بين عقدين بشرطٍ أو تواطؤ، يُمنع الجمع بينهما؛ كالتحايل على أخذ زيادةٍ على القرض، بجمع عقد القرض مع محاباة في عقد معاوضة، أو مشاركة.[120]
وقد تظهر الحيلة في الجمع بينهما، وقد تظهر في محاولة إظهارهما منفصلين، وحقيقة الأمر اجتماعهما، أو إظهار أن الشرط الذي حصل به التركيب خارج العقد، والحقيقة أنه من صميمه.[121]
5- وغالب الحيل تعتمد على تغيير الألفاظ، أو الأخذ بظاهر العقد، دون النظر إلى الحقائق، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على فشو هذا المسلك في آخر الزمان، فعند أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها". [122]
6- وقوامها كذلك على فعل اللغو؛ فيعقد عقدًا؛ ليفسخه، أو يدخل سلعة؛ ثم يخرجها كما دخلت، فمن الأول: أن يضم إلى العقد عقدًا ليس بمقصود؛ كالتحايل على ربا النسيئة في مسألة العينة، ومنه صورة المحلل في النكاح، ومن الثاني: أن يضم لأحد العوضين عوضًا غير مقصود؛ كالتحايل على ربا الفضل في مسألة مدّ عجوة، ومنه صورة المحلِّل في الميسر.
ومن دلائل ذلك: أن تفحص المعاملة بقاعدة المدخلات والمخرجات، وهي قاعدة ذهبية أصلّها المالكية في بيوع الآجال، وملخصها: أن "ما خرج من اليد، وعاد إليها يعدّ لغوًا"،[123] و"أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها، فإن جاز التعامل به صح، وإلا فلا"،[124] فتلغى الوسائط، وينظر في المحصّلة النهائية؛ فإن كانت نقدًا حاضرًا بزيادةٍ في الذمّة فهو ربا، أو ضمانًا بجعل، فهو غرر، ولا عبرة بما توسط من عقود.[125]
ويتردد الناظر بين كون الحيلة جائزةً أو ممنوعةً، إذا تردد في عين المقصود من الفعل، أو في حكمه،[126] وأكثر ما يكون ذلك إذا قصد المكلف بصورة الفعل أثرًا من آثاره، ونتيجةً من نتائجه، ولم يقصد حقيقته، والحكمة من تشريعه؛[127] كنكاح المحلِّل، يريد بالنكاح أثره من حلّها للأول، ولا يقصد به مقاصد النكاح التي شُرع لها؛ من المودة، والسكن، ونحوها.
ومن أبرز ما يوضح ذلك في باب المعاملات المالية أن نستعرض اختلافأنأنتتاختلافا الفقهاء -رحمهم الله- في مسألتي العينة والتورق:
المسألة الأولى: ما حكم بيع العينة؟.
صورة المسألة:
العينة في اللغة: خيار الشيء، وعين الشيء: نفسه، والعِينة بكسر العين تطلق على الربا، والسلف، ويقال: اعتان الرجل؛ أي اشترى بنسيئة.[128]
وسميت عينةً؛ لحصول النقد لطالب العينة؛ فاشتقاق المعنى الشرعي من العين، وهو النقد الحاضر.[129]
وعرّفها الفقهاء بتعريفاتٍ عدّة، أبرزها اثنان:
الأول ما يبرز صورتها: فهي بيع سلعةٍ بثمنٍ مؤجل، ثم شراؤها بثمنٍ معجلٍ أقل.[130]
والثاني ما يبرز حقيقتها وتخريجها: فهي: "قرضٌ في صورة بيعٍ؛ لاستحلال الفضل".[131]
واقع المسألة:
ظهرت حقيقة بيع العينة في تعاملات الناس على صورٍ متعددة، منها:
• أن يشتريها أبعد من ذلك الأجل، بأكثر من الثمن.[132]
• ومن صورها عكس العينة: أن يبيعها بثمنٍ معجل، ثم يشتريها بثمنٍ مؤجلٍ أكثر.[133]
• ومنها العينة الثلاثية: أن يُدخلا بينهما ثالثًا، فيبيع الأول سلعةً بثمنٍ مؤجل، ثم يبيعها الذي اشتراها لثالث بثمنٍ معجلٍ أقل، ثم يبيعها الثالث على الأول كما اشتراه من الثاني، فيحصل للثاني نقدٌ أقل، وعليه للأول دينٌ أكثر.[134]
تحرير محل النـزاع:
• أن تتم البيعة الثانية قبل نقد الثمن؛ فإن تمت بعده جازت بالإجماع، ولو بأقل من الثمن.[135]
• أن يشتري بأقل مما باع، أما لو اشترى بمثله أو أكثر، جاز بالإجماع؛ لخلوه من الشبهة.[136]
• أن ترجع السلعة إلى الأول، وإلا لم تسم عينة أصلاً.[137]
• أن يكون الثمن في كلا البيعتين النقد، لا العرض، وإلا جازت؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض، قال ابن قدامة: "ولا نعلم فيه خلافًا".[138]
• أن تكون البيعة الثانية ليست مشروطة في العقد الأول؛ وإلا حرمت؛ حتى عند القائلين بجواز بيع العينة.[139]
وما توفرت فيه الشروط السابقة، اختلف أهل العلم في حكمه على قولين:
القول الأول: حرمة بيع العينة.
وهو قول عائشة،[140] وابن عباس رضي الله عنهم، والحسن،[141] وابن سيرين[142]،[143] ومذهب الجمهور؛ من الحنفية،[144] والمالكية،[145] والصحيح عند الحنابلة.[146]
قال ابن الهمام[147]: "ومن باع جاريةً بألف درهمٍ حالةً أو نسيئةً، فقبضها، ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن بمثل الثمن، أو أكثر جاز، وإن باعها من البائع بأقل لا يجوز عندنا".[148]
وقال ابن رشد[149]: "أن يشتريها قبل الأجل نقدًا بأقل من الثمن، أو إلى أبعد من ذلك الأجل بأكثر من ذلك الثمن، فعند مالك، وجمهور أهل المدينة أن ذلك لا يجوز".[150]
وقال ابن قدامة: "ومن باع سلعةً بنسيئةٍ لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به".[151]
واستدلوا من السنة، والأثر، والمعقول:
(1) استدلوا من السنة بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلاً، لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".[152]
ووجه الدلالة: النهي عن التبايع بالعينة، والمقصود بها صورة المسألة.[153]
ويمكن أن يناقش: أن العينة المنهي عنها يراد بها بيع النسيئة؛ كما فسّرها الإمام أحمد.[154]
الدليل الثاني: ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة.[155]
ووجه الدلالة: أن بيع العينة بيعتان، بينهما اشتراط لفظي أو عرفي؛ فكان بيعتين في بيعة.[156]
ونوقش هذا الاستدلال: بأنّ جمعًا من أهل العلم فسّروا بيعتين في بيعة؛ أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهمٍ نقدًا، وبمائتي درهمٍ نسيئة، أو أبيعك على أن تبيعني، وليستا من صورة المسألة.[157]
وأجيب: بأن في رواية أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا"[158] دلالةً على أن اجتماع البيعتين أدّى إلى الربا؛ وأن سبب المنع أن هذه المعاملة ذريعة للربا - لا للجهالة بالثمن -، وهذان الأمران متحققان في صورة المسألة المتنازع فيها، وقوله صلى الله عليه وسلم: "له أوكسهما"؛ أيّ أقلهما،[159] وهو رأس ماله الذي نقده، فإن أخذ أكثر منه وقع في الربا. [160]
الدليل الثالث: ما أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع"، الحديث. [161]
وقد اُختلف في تفسير "شرطان في بيع"؛ كما اُختلف في تفسير "بيعتين في بيعة"،[162] ويقوِي حمله على معنى العينة اقتران النهي عنه بالنهي عن سلف وبيع، وإنما نهي عنه؛ سدًا لذريعة الربا. [163]
(2) واستدلوا من الأثر بأثرين:
الأول:أثر عائشة رضي الله عنها في قصّة زيد بن أرقم رضي الله عنه، وقد أجابت السائلة لما سألتها: إني بعته جاريةً إلى عطائه، بثمانمائة نسيئة، وإنه أراد بيعها، فاشتريتها منه بستمائة نقدًا, فقالت لها: بئس ما اشتريتِ، وبئس ما اشترى، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب.[164]
وسبق بيان وجه دلالته، والمناقشات التي أوردت عليه. [165]
والثاني: أثر ابن عباس رضي الله عنه، لما سئل عن العينة، فقال: درهم بدرهم، وبينهما حريرة.[166]
ونوقش: بأن زيد بن أرقم رضي الله عنه قد خالفه؛ كما في الأثر السابق،[167] ونُقل كذلك القول بالجواز عن ابن عمر رضي الله عنه. [168]
(3) واستدلوا من المعقول بدليلين:
الدليل الأول: أن في بيع العينة ذريعةً إلى الربا، وصورةً من صور التحايل؛ إذ أدخل السلعة؛ ليستبيح أخذ زيادةٍ بلا عوض في عقد معاوضة، وهي حقيقة الربا، والذرائع إلى الحرام يجب سدّها. [169]
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: بأن في إجازة هذا البيع سببًا لمنع الوقوع في الحرام؛ فتنبغي الدلالة عليه، لا منعه.[170]
وأجيب: أن الحيلة لا تجعل الحلال حرامًا، ولو كان الأمر كذلك، لكان تحايل بني إسرائيل على الصيد في السبت حسنًا.
والثاني: أن في منع هذا البيع اتهامًا لنيات المسلمين،[171] وحمل الناس على التّهم لا يجوز.[172]
والدليل الثاني: أن في بيع العينة ربحًا للبائع فيما لم يضمن؛ لأن الثمن الأول لم يدخل في ضمان البائع، فإذا رجعت السلعة إليه، ووقعت المقاصاة،[173] بقيت زيادة، لا يقابلها عوض.[174]
ونوقش: بأن كل واحدٍ من العقدين يجوز منفردًا؛ حيث قابله عوضٌ معلومٌ؛ فكذلك إذا اجتمعا. [175]
يتبع