إن الله سبحانه هو الذي اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم وأرسله إلى الناس، وهو الذي خلق السموات والأرض والعرش العظيم، وهو ربُّكم الذي خلقكم، والعقل السليم يدرك بدهيًّا أن من أقام بناء كان أعلم به وأقدر على رعايته، فكيف يُستساغ منطقًا سليمًا وعقلًا سويًّا، أن يعجب عاقل من اصطفاء الله يتيمًا من بين خلقه ويتخذه رسولًا، ويرسل على يده المعجزات؟ وهو الربُّ سبحانه أمره ﴿ كُنْ ﴾ [يس: 82]، فكان ويكون، فكيف تجادلونه فيما خلق، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس 82 – 83]، وقال عز وجل: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117].
إن آفة المشركين في عقولهم المأسورة لأمزجتهم وأهوائهم وموروثاتهم الخرافية؛ لذلك عندما ذكَّرهم الله بخلقه الكون وما حوى، والأنفس وما أضمرت، والأفئدة وما وَعَتْ عقَّب تحريرًا لهم من أوشاب جاهليتهم وضلالاتهم بقوله عز وجل: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ [يس: 3]، والتدبير لغة من فعل "دبر" الأمر والشيء وتدبره، إذا نظر في عاقبته قبل مباشرته، وفكَّر فيما يؤول إليه قبل الإقبال عليه، والتدبير: النَّظَرُ في عَواقِبِ الأقوال والأعمال، والإعداد لها، أو اجتنابها، أو توقيها؛ لذلك كان تدبُّر القرآن والتفكُّر في آياته وأحكامه واجبًا على المسلم، به تنال الحكمة، وبه يتحقق الفهم والمعرفة، وبه تُرفَع الدرجات، وبه أمر تعالى عند تلاوته ومدارسته، فقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، وقال عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].
وقوله تعالى عن نفسه في هذه الآية الكريمة: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ يشمل أمر الدنيا بإنسها وجنها وأرضها وسمائها وأمر الآخرة ببعثها ونشورها وحسابها وجزائها وجنتها ونارها، وأمر ما سوى ذلك من الغيب، ما أشار إليه الوحي وما لم يُشِر إليه من أمر الله، يخلقه سبحانه ويدبره ويعلم مبدأه ومنتهاه وعاقبته ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61]، كل ذلك يدبره الله تعالى بعلمه وحكمته فيكرم المحسن برحمته ويعاقب المسيء يوم القيامة بعدله.
ثم بالتفات بياني ردًّا على ادعاءات المشركين وقولهم: إن أوثانهم ومعبوداتهم من الجن والإنس والشجر والحجر والأوهام تشفع لهم فلا يؤخذون بذنوبهم، أو تقبل منهم بعض أعمالهم فتقربهم وينالون ما يرجونه ويسألونه، قال تعالى: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ولفظ ﴿ شَفِيعٍ ﴾ صيغة مبالغة من فعل"شفع يشفع شفاعة"، ومنه الشفع؛ أي: التثنية، والوِتْر؛ أي: الإفراد، وشَفَع لِي يَشْفَعُ شَفاعةً وتَشَفَّعَ: طَلب لي عند غيري قربًا أو خيرًا أو مصلحةً، أو ما في حكم ذلك، والشَّفِيعُ: الشَّافِعُ، وَالْجَمْعُ شُفَعاء، واسْتَشْفَعَ بفُلان عَلَى فُلَانٍ، وتَشَفَّع لَهُ إِليه فشَفَّعَه فِيهِ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: "اسْتَشْفَعه: طلَب مِنْهُ الشَّفاعةَ؛ أَي: قَالَ لَهُ: "كُنْ لِي شافِعًا"، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ [النساء: 85].
وقد بدئت الآية الكريمة بحرف ﴿ مَا ﴾ النافية وأُكدت بحرف ﴿ مِن ﴾؛ لنفي الشفاعة عن الذين لم يأذن الله لهم بها، من كل الكفار والمشركين ومعبوداتهم، ثم استُثْنِيَ من يؤذن لهم بالشفاعة بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾؛ أي: لا شفاعة في المخطئين يوم القيامة عند الحساب إلا لمن أذن الله لهم بها من عباده المقربين، كما في قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]، وقوله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النازعات: 38]، قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافِع، وأول مشفع))[7]، وقال عن القرآن: ((القرآن شافِع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار)[8].
ثم أجمل الحق تعالى صفاته هذه، فبيَّن مدلولها العقدي وتصورها الإيماني وما يجب أن يرسخ منها في قلب من آمن أو هَمَّ بالإيمان، فقال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ واسم "ذا" إشارة إلى الموصوف بتلك الصفات المنعوت بما ذكر من نعوت في الآيات السابقة سبحانه، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام متصلًا باسم الإشارة للبُعْد، والكاف للخطاب، ولفظ الجلالة ﴿ اللَّهُ ﴾ خبر المبتدأ، و "رَبّ" بدل مرفوع، والكاف ضمير مضاف إليه؛ أي: إنه تعالى ربكم جميعًا، رب من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، ورب من لم يؤمن، رب المؤمنين والكفار والمشركين والمذبذبين والمسالمين والموالين والمعادين جميعًا، ورب مخاليق السماء والأرض، هو المستحق وحده للعبادة ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾؛ أي: وما دامت هذه الحقائق الربانية ثابثة لله تعالى وواضحة، فالموقف السليم أن تعبدوه بما عبَّدكم به، أحكامًا نزل بها القرآن وفَصَّلَتها السنة النبوية، ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾، والفعل ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ أصله "تتذكَّرون" أُدغِمت تاء فعله في الذال؛ أي: أفلا تفكِّرون وتتدبَّرون هذه الآيات والدلائل البيِّنة على ربوبية الله لكل ما خلق واستحقاقه العبادة ووجوبها عليكم.
ثم بعد هذا العتاب المذكِّر بما ينبغي أن يكون عليه حال الدنيا ومبدأ الأمر فيها ومنتهاه أخذ الوحي في التذكير بأحوال الآخرة والمعاد إليها، فقال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾؛ أي: معادكم حتمًا إلى الله تعالى بعد مغادرتكم الدنيا بالموت ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ﴾ كان هذا الرجوع إليه تعالى وعْدًا منه قاطعًا، ألزم به نفسه، وأمْرَ حقٍّ قضى به لا شك فيه، ولا بد أن يقع، والله لا يخلف وعده، ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الإسراء: 58]، ثم شرح هذا الوعد بتفصيل، فقال عز وجل: ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ [يونس: 4]، يخلقه أولًا ولم يكن شيئًا مذكورًا، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]، وقال عز وجل: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴾ [الرحمن: 14 -15]، وابتلاه بالعبادة تمييزًا للمؤمن من الكافر، والمطيع من العاصي، ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 165]، ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]، ثم يميته حقًّا لا شك فيه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26- 27]، ثم يعيد خلقه حقًّا في الآخرة فيبعثه للنشور والحساب والجزاء، وبيَّن تعالى الحكمة من الخلق والبعث والنشور والحساب والجزاء، فقال عز وجل: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [يونس: 4]، ليثيب من كان مؤمنًا في الدنيا وعمل فيها صالحًا ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ [يونس: 4]، بالعدل المطلق فلا يضيع أي عمل صالح من أعماله، كلها تُكتب ويُنال أجرها مضاعفًا ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [يونس: 4] بالله وعصوا رسوله وأعرضوا عن كتابه ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [يونس: 4]، في جهنم تحرقهم النار، وشرابهم فيها حميم وغسلين ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: 4]، جزاءً عادلًا لما سبق من كفرهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [الرحمن 21 – 26].
وبعد أن جال الوحي الكريم بمخاطبيه من الكفار والمشركين في عالم الغيب، وقد كانت جُلُّ عباداتهم في الجاهلية لأجرام السماء شمسًا وقمرًا ونجومًا وكواكب، وكانت أسماء أصنامهم وآلهتهم مقتبسة في أغلبها منها، كحال كنانة التي كانت تقدس القمر، وحِمْيَر التي كانت تقدس الشمس، وخزاعة وقيس اللتين تعبدان الشِّعْرى، وطيئ التي تعبد سهيلًا، وبني أسد الذين يعبدون عطارد، وبعض أهل مكة الذين يعبدون زحلًا، وغيرهم الذين يعبدون الزهرة، عاد بهم الوحي الحكيم إلى عالم الشهود يرد عليهم فيما عبدوه من دون الله، مستشهدًا بعالم الغيب وما حواه من خلق وتدبير ومبدأ ومعاد وحساب وجزاء ومصير، كي يعرفوا حقيقة ما يرونه في السموات والأرض، ويتبينوا الحكمة من خلقه وتسخيره، فتستوعب عقولهم ما خلقوا له، وما يدعون إليه من توحيد للخالق سبحانه، وتصديق لنبيه صلى الله عليه وسلم، وعمل بأحكام ما نزل إليهم من القرآن، فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ﴾، إن الله تعالى هو الذي خلق الشمس وسَخَّرَها لكم بأمره، لا بإرادتها أو اختيارها، تضيء نهاركم، وتدفئ أيامكم، وتزود مجالها من النجوم والكواكب بالنور، فتكون دليلًا لكم في البر والبحر بأثرها أمام أعينكم، إلى معرفة ربكم وأوقات صلاتكم كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ [الفرقان: 45 – 46]، وقال عز وجل: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ [الإسراء: 78]، وقال سبحانه: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ [طه: 130]، إن الشمس سخَّرها الله لكم ولم يسخركم لها، فهي أداة بين أيديكم ولستم أداة بين يديها، إن سخرتموها لما سخرت له ولما أمرتم به كسبتم، وإلا خسرتم الدنيا والآخرة.
ثم قال عز وجل: ﴿ وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾؛ أي: جعله الله نورًا يزودكم في الليل بالنور فتهتدون به في ظلماته، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ [نوح: 15 – 16]، وجعله ينير لكم كذلك كواكب السماء ونجومها، فترونها وتستفيدون من معرفتها ودراستها لدينكم ودنياكم، كما قال عز وجل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 97]، ثم بيَّن نظام حركته فقال: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ [يونس: 5]؛ أي: وهو الذي جعل حركة القمر في السماء ظهورًا واختفاءً ومسارًا مختلفًا ومتواليًا ومتقنًا، لا يتخلَّف أو يختلف باختلاف تعاقب الليل والنهار وأجواء السماء والأرض، ومنازل القمر هي مواقعه في قبة السماء أثناء سيره فيها، من يوم ظهوره فيها أول كل شهر، أو ميلاده كما في المصطلح الفلكي، إلى يوم اختفائه أو محاقه ليبدأ شهرًا جديدًا، والحق تعالى هو الذي خلقه وسيره بين هذه المواقع واحدًا بعد الثاني في نظام ثابت، شهرًا بعد شهر، وليلةً بعد ليلة، وخص كل منزلة بكواكب ونجوم تظهر معه فيها، فتتميز بها وتسمى باسمها، ومنها منزلة الثريا ومنزلة البطين والدبران والجبار والتوأمان والكلب الأكبر والعقرب وسهيل... إلخ، ثم بيَّن تعالى الحكمة من هذا النظام الفلكي البديع المتقن، وقال: ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾؛ أي: لقياس زمانكم لحظة لحظة، ويومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، ولتستنبطوا من ذلك كله علومًا ومعارفَ فتنظمون بها حياتكم، وتطورون بها أعمالكم، وتحققون بها ما تطمحون إليه ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ إن الله لم يخلق الشمس والقمر والنجوم والكواكب عبثًا، ولكنه خلقها بالحق الذي قدره وأراده، وسخَّرها له وابتلاكم به، ﴿ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ كل ذلك آيات ودلائل بينة على وجوده تعالى، وقدرته ووحدانيته وألوهيته المطلقة، وربوبيته الشاملة، فَصَّلَها ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ لكل من كان له عقل يفكر، وقلب يفهم، وأُذُن تسمع، وعين ترى وتشهد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].
ولذلك عقب الحق تعالى على ما بيَّنه من دلائل توحيده وعظيم قدرته وسماحة رفقه بعباده وحرصه على بيان طريق النجاة لهم وتخليصهم من الكفر والشرك عبادة للأفلاك والكواكب والنجوم وما اخترعوه من الأوثان، مُجْمِلًا دلائل توحيده ومعالم عبادته بقوله عز وجل: ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ إنكم تعرفون الليل والنهار معرفة مباشرة، وترون اختلافهما رؤية معايشةٍ متوالية، وتشاهدون ما خلقه الله وسخَّره لكم في الأرض أنعامًا ونباتًا وأنهارًا وبحارًا، وفي السماء شمسًا وقمرًا ونجومًا وكواكب، وقد تبيَّن لكم مَنْ خلقها وسَخَّرها، ويقدر على إمدادكم بغيرها، كما يقدر على إفنائها وحرمانكم منها، أو يسلطها عليكم فيعذبكم بها، كل ذلك آيات تحمل العقلاء على الإيمان بالله، وأعقل العقلاء على مخافته واتقاء حسابه ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ [عبس: 34 – 36].
[1] حسنه الألباني.
[2] أي: سورة الرحمن.
[3] ابن إسحاق.
[4] اختلف علماء التفسير حول معنى هذه الأحرف المقطعة، وهي آيات من القرآن الكريم قطعًا، ولا يقطع بمعناه إلا بدليل واضح ثابت، والأصوب القول إن الله تعالى أعلم بمراده بها.
[5] الإهاب: جمعه أُهُب، جلد الشاء ونحوها، عبر به مجازًا عن الوعاء.
[6] صحيح، الألباني.
[7] صحيح، الألباني.
[8] صحيح الألباني. شافعٌ؛ أي: لصاحبِه وقارئِه. مُشفَّعٌ؛ أي: مَقبولُ الشَّفاعةِ. وماحِلٌ مُصدَّقٌ؛ أي: شاهدٌ مُصدَّقٌ عندَ اللهِ،وَفِي الدُّعَاءِ: "لَا تَجْعَلِ الْقُرْآنَ بِنَا مَاحِلًا"؛ أي: شاهدًا علينا بذنوبنا.