عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 14-08-2024, 05:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات ودروس من سورة البقرة

وقفات ودروس من سورة البقرة (14)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي


ختام السورة وفيها:
صفات الله رب الخلق، فاطر السماوات والأرض، المستحق للتوحيد والعبادة دون شريك تعرضها لنا أعظم آي القرآن؛ آية الكرسي.


الولاية وحقيقة الإيمان.


حقيقة الموت والبعث في قصصٍ ثلاث.


نمرود وإبراهيم عليه السلام.


نبي الله الذي توفَّاه الله مئة عام ثم بعثه ليُريه الآيات في إحياء حماره بعد أن أصبح عظامًا.


طلب إبراهيم من ربِّه أن يُريَه كيفية إحياء الموتى.


الإنفاق في سبيل الله من زكاة وصدقة، وآدابه ومصارفه.


تشريعات مالية أساسية في المجتمع الإسلامي:
- أحكام الربا.
- آية المداينة.

ولنا أن نقدم لهذا الجزء من السورة بنفس الآية التي أنهينا بها الفصل السابق – قلب السورة- لربط القلب بالخاتمة، وسبحان مُنزِل الكتاب.



﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254].



وتأتي هذه المقدمة متوافقة مع الطابع الاقتصادي المهيمن على ختام السورة، فتبدو وكأنها صلة وصل فيما انتهى إليه الجزء السابق من آيات القتال، وما هو قادم من آيات الإنفاق.


فآيات القتال تصدرتها آية الإنفاق، وكان المقصود بها الإنفاق في الجهاد تحديدًا: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 244، 245]، وتنتهي هنا بآية الإنفاق أيضًا لكن بصفتها الخاصة في القتال عطفًا على ما تقدم، والعامة التي يفصِّلها السياق في الآيات القادمة.


قال القرطبي في تفسير الآية: "قال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع.


قال ابن عطية: "وهذا صحيح، ولكن ما تقدَّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجَّح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254]؛ أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال"؛ انتهى.

وفي قوله عز وجلَّ: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254]، يقول السعدي: "هذا من لُطْف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تَقبَّل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون، ويحصل الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده، وتعَدَّوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله، فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله؛ فلهذا قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254]، وهذا من باب الحصر؛ أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]؛ انتهى.

أعظم آية في القرآن آية الكرسي وفيها صفات التفرُّد الإلهي، صفات يتفرَّد بها الله جلَّ في علاه عن كل ما عداه، رب الخلق، فاطر السماوات والأرض، المستحق للتوحيد والعبادة دون شريك.

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255].



هذه الآية أعظم آي القرآن الكريم، وقد وردت أحاديث بفضلها، ربما يكون أشهرها حديث أبي هريرة الذي أورده البخاري في صحيحه: يقول أبو هريرة: "وَكَّلَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ وقُلتُ: واللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ، ولِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عنْه، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا هُرَيْرَةَ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ، وسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أنَّه سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي؛ فإنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ، لا أعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا هُرَيْرَةَ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ، وهذا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بهَا، قُلتُ: ما هُوَ؟ قَالَ: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255]، حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبَنَّكَ شَيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، زَعَمَ أنَّه يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ما هي؟ قُلتُ: قَالَ لِي: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن أوَّلِهَا حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255]، وقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ -وكَانُوا أحْرَصَ شَيءٍ علَى الخَيْرِ- فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَمَا إنَّه قدْ صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَن تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيطانٌ".

وروى الإمام أحمد عن أُبَيِّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم؟"، قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا، ثم قال أُبَيُّ: آية الكرسي، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش"، وقد رواه مسلم، وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده...".

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255].


والآية الكريمة تحمل أعظم صفات الخالق العلي في ملكوته، العظيم في قوته وتدبيره، صفات الله الواحد الأحد، المتوكِّل بالخلق والأمر، القائم على كل نفس، عالم الغيب والشهادة، مرسل العلم لعباده بقدر أراده، لا يتعدى حدود مشيئته، إنه العلي العظيم.


1- ﴿ اللَّهُ: اسمه الأعظم جلَّ جلاله.


2- ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: أساس قيام الكون وحفظه والتصرف فيه، أن مالكه ومُدبِّره إله واحد لا إله إلا هو، أساس عقيدة البشر من لدن آدم عليه السلام إلى يوم الدين، الشهادة التي يموت عليها الإنسان مؤمنًا وبغيرها كافرًا.


3- ﴿ الْحَيُّ: هو حي لا يموت، والجن والإنس يموتون، هو قيُّوم لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه.


4- ﴿ الْقَيُّومُ: بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية.


5- ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ: ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سِنةٌ ولا نوم؛ أي: لا تغلبه سِنة؛ وهي الوسن والنعاس؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا نَوْمٌ لأنه أقوى من السنة.


6- ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ: مالك كل ما فيهما، المتصرف بأمورهما، المدبر لكل صغيرة وكبيرة فيهما، لا يعزب عنه مثقال ذرة، الجميع عبيده، وفي مُلْكه، وتحت قهره وسلطانه.


7- ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ: لا أحد، وهذا من عظمته، وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة؛ كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخِرُّ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تُشفَّع"، قال: "فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة"؛ كقوله تعالى في سورة النجم: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26].


8- ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: وهذا كمال الألوهية والربوبية، الكل عبيد، والكل تحت تصرُّف الله الواحد القهار، والكل مكشوفون له بكل ذرات حياتهم... بينما هم:
9- ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ: لا يعلمون من أمر الخلق والخالق شيئًا إلا بمقدار مشيئة "العلي العظيم".


10- ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ: فإن كان كرسيُّه وسع السماوات والأرض، فهل يحيط عقل بماهية ملكوته؟! إنه العلي العظيم، ولا يهم النقاش في الكرسي والعرش والتجاذبات التي نشأت عن اختلاف التفاسير، المهم أنه عظيم، لا يمكن لعقلِ بَشَرٍ أن يحيط بعظمته وملكوته، وليس ماهية كرسيه وعرشه من الشهادة التي يمكن لبشر أن يعمل بها عقله، بل هما غيب اختصَّ الخالق نفسه به.


11- ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا: لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه.


12- ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ: سبحانك ربي، سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك.


ثم يأتي السياق بعد سرد صفات الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، على بيان حقيقة الإيمان والولاية.

حقيقة الإيمان والولاية:
فبعد آية العظمة الإلهية المستحقة للتوحيد والعبودية يأتي البحث بأمر الإيمان والكفر بهذا الإله العظيم، الله الذي لا إله إلا هو، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256].

1- الإكراه في الدين:
"اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِعَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلَّا بِالإسْلامِ، والنَّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة: 73]، وقالَ تَعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 123]، وقالَ: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.


القَوْلُ الثَّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلَّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ"؛ فتح القدير للشوكاني.



وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ؛ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه؛ بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا.


وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا، قال ابن عباس: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك))؛ انتهى.



ومن المسلم به أن الفكر الذي يروِّج له الوسطيُّون من أن هذه الآية تنطبق على المرتدين، مردود عليهم، واستخدام هذه الآية من قبل مائعي العقيدة بل وفاقديها لتبرير فسق وفساد دهماء المسلمين أيضًا مردود عليهم، فأمَّا الوسطيون فقد علموا الحقيقة وحرَّفوها، فضلُّوا وأضلُّوا، وأما مائعو العقيدة من العامة فقد يكون الجهل قد استحكم عقولهم، فعلينا تنويرهم، فمن استكبر بعد العلم فقد استحقَّ من الله جزاء الاستكبار، والله أعلم.


2- قاعدة الإيمان الثابته: لا يجتمع إيمان بطاغوت وإيمان بالله في قلب مؤمن:
لا شذوذات ولا تجاوزات، لا انحرافات ولا تأويلات لهذه القاعدة: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256].


"الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله"، وصفها الله بـ "العروة الوثقى لا انفصام لها"، ولا يكون الإيمان الخالص بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت.. يُكفر بالطاغوت أولًا، ويغسل القلب من كل أدرانه ثم يكون الإيمان، لا يجتمع الله والطاغوت في قلب مؤمن أبدًا، والطاغوت رأس كل طغيان من ظالم أو غيره، هذا معنى الطاغوت من كان رأسًا في الطغيان مثل فرعون والشيطان وجمعها طواغيت.


فمن خلع الأنداد والأوثان من بشر وحجر وشجر ودواب وكواكب، وكل ما يدعو إليه الشيطان من عبادة من دون الله، ووحَّد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو، وأخلص وجهه إليه في كل قول وعمل "فقد استمسك بالعروة الوثقى"؛ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم.
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]