عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 14-08-2024, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,998
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات ودروس من سورة البقرة



6- ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 232].

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها، وكذا روى العوفي عنه، وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري والضحاك: إنها أُنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من وليٍّ.

وقد رُوِيَ أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته؛ فقال البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيدالله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن قال: حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تُخطب إليَّ، قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن: حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، حدثنا عبدالوارث، حدثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ [البقرة: 232]؛ [ابن كثير].

أحكام الرضاع:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233].

يقول ابن كثير: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233]، وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرُم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما، لم يحرم.

والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مرويٌّ عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة، وابن عمر، وأم سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري.

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 233]: وعلى والد الطفل نفقةُ الوالدات وكسوتهن بالمعروف؛ أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يَسارِهِ وتوسُّطه وإقتاره؛ قال الضحاك: إذا طلق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.

﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، لكن ليس لها دفعه إذا ولدته، حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا، لها رفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها؛ قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم، هذا قول ابن كثير.

ويقول الشوكاني في تفسير هذه الآية: وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه: "تُضارَّ" بفتح الراء المشددة على النهي، وأصله: "لا تُضارِر"، أو "لا تضارَر" على البناء للفاعل أو للمفعول؛ أي: لا تضارِر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، أو بأن تفرِّط في حفظ الولد والقيام بما يحتاج إليه، أو لا تضارَر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين، وقرأ عمر بن الخطاب: "لا تضارَر" على الأصل بفتح الراء الأولى، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "لا تضارْ" بإسكان الراء وتخفيفها، ورُوِيَ عنه الإسكان والتشديد، وقرأ الحسن وابن عباس: "لا تضارِر" بكسر الراء الأولى، ويجوز أن تكون الباء في قوله: ﴿ بِوَلَدِهِ ﴾ صلةً لقوله: ﴿ تُضَارَّ ﴾ على أنه بمعنى تضر؛ أي: لا تضر والدةٌ بولدها، فتُسيء تربيته، أو تقصِّر في غذائه، وأُضيف الولد تارةً إلى الأب، وتارةً إلى الأم؛ لأن كل واحد منهما يستحق أن يُنسَب إليه، مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقرير لها؛ أي: لا يكلِّف كل واحد منهما الآخرَ ما لا يُطيقه، فلا تضاره بسبب ولده؛ [انتهى، الشوكاني].

﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 233]: قيل: في عدم الضِّرار لقريبه؛ قاله مجاهد، والشعبي، والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإضرار بها؛ وهو قول الجمهور.

﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيُؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر.

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلَّمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾؛ أي: في جميع أحوالكم، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم؛ [انتهى، ابن كثير].

عدة الوفاة:
﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234].

يقول الشوكاني: لما ذكر سبحانه عِدَّةَ الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع، عقَّب ذلك بذكر عدة الوفاة؛ لئلا يُتوَهَّم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق.

وظاهر هذه الآية العمومُ، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العِدَّة، ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]، وإلى هذا ذهب الجمهور.

وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه أذِن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع)).


وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا))، وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة، والإحداد: تَرْكُ الزينة من الطِّيب، ولُبس الثياب الجيدة والحلي، وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة؛ [تفسير فتح القدير، للشوكاني].

ويقول ابن كثير: أمرٌ من الله للنساء اللاتي يُتوفَّى عنهن أزواجهن: أن يَعْتَدِدْنَ أربعة أشهر وعشرَ ليالٍ، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة.

ولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجُها، وهي حامل، فإن عِدَّتَها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة؛ لعموم قوله في سورة الطلاق (4): ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4].

وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي تُوفِّيَ عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنُكحلها؟ فقال: لا، كل ذلك يقول: لا، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة)).


قالت زينب بنت أم سلمة: "كانت المرأة إذا تُوفِّيَ عنها زوجها دخلت حَفْشًا، ولبِست شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طِيبًا ولا شيئًا، حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بَعْرَة فترمي بها، ثم تُؤتَى بدابَّة؛ حمارٍ أو شاة أو طير، فتفتض به فقلَّما تفتض بشيء إلا مات.

ومن ها هنا ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [البقرة: 240].

والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطِّيب، ولُبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولًا واحدًا.

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]؛ قال العوفي عن ابن عباس: إذا طُلِّقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف؛ [انتهى، ابن كثير].

حكم خطبة المعتدة:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235].

﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ [البقرة: 235]؛ أي: لا جناح عليكم أن تُعرِّضوا بخِطبة النساء في عِدَّتِهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح؛ قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة: 235]؛ قال: التعريض أن تقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها، يعرِّض لها بالقول بالمعروف، وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها، ورواه البخاري تعليقًا، فقال: قال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة: 235]، هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أنه تيسَّر لي امرأة صالحة.

وهكذا حكم المطلقة الْمَبْتُوتة يجوز التعريض لها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: ((فإذا حللْتِ فآذِنِيني))، فلما حلَّت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوَّجها إياه.

فأما المطلقة الرجعية، فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخِطبتها، ولا التعريض لها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: 235]؛ أي: أضمرتم في أنفسكم خطبتهن؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [القصص: 69].

﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [البقرة: 235]؛ قال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة، وهي في عدتها ألَّا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك وقدم فيه، وأحلَّ الخطبة والقول بالمعروف، وقال ابن زيد: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ [البقرة: 235] هو أن يتزوجها في العِدَّة سرًّا، فإذا حلَّت أظهر ذلك، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [البقرة: 235]؛ قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير، والسدي، والثوري، وابن زيد: يعني به: ما تقدَّم من إباحة التعريض.

﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 235]؛ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العِدَّة.

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]: في هذا توعُّدٌ على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يُؤيِسْهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]؛ [تفسير ابن كثير].

تتمة أحكام الطلاق:
الطلاق قبل المساس وقبل الفريضة:
﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236].

أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها؛ قال ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، والحسن البصري: المسُّ: النكاح، بل ويجوز أن يُطلِّقها قبل الدخول بها، والفرض لها إن كانت مفروضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها؛ ولهذا أمر تعالى بإمتاعها؛ وهو تعويضها عما فاتها بشيء تُعطَاه من زوجها بحسب حاله، ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236]، وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة؛ [ابن كثير].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرًا متَّعها بخادم، أو شبه ذلك، وإن كان معسرًا أمتعها بثلاثة أثواب.

وقال السعدي في تفسير الآية: "أي: ليس عليكم - يا معشر الأزواج - جُناح وإثم، بتطليق النساء قبل المسيس، وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسرٌ لها، فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئًا من المال؛ جبرًا لخواطرهن، ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ ﴾؛ أي: المعسر ﴿ قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236]، وهذا يرجع إلى العرف، وأنه يختلف باختلاف الأحوال؛ ولهذا قال: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 236]، فهذا حقٌّ واجب على المحسنين، ليس لهم أن يبخسوهن، فكما تسبَّبوا لتشوفهن واشتياقهن، وتعلُّق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغِبنَ فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة، فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدلَّه على حكمة شارعه ورحمته، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر؛ [تفسير السعدي].

الطلاق قبل المساس وبعد الفريضة:
﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 237].

إذا طلقتم النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفُه، ولكم نصفه، هذا هو الواجب ما لم يدخله عفوٌ ومسامحة، بأن تعفوَ عن نصفها لزوجها، إذا كان يصح عفوها، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح؛ وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حلَّ عقدته، ولأن الوليَّ لا يصح أن يعفو عما وجب للمرأة، لكونه غيرَ مالك ولا وكيل، ثم رغَّب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانًا موجبًا لشرح الصدر؛ [تفسير السعدي].

صلاة الخوف:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239].

يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها؛ كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني))، وقد روى الترمذي، من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، ثم قال: حسن صحيح.

وقوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم، فأتموا ركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، وخشوعها وهجودها، ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: مثلما أنعم عليكم وهداكم للإيمان، وعلَّمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر؛ كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]؛ [ابن كثير].

يقول السعدي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]: لم يذكر ما يُخاف منه؛ ليشمل الخوف من كافر وظالم وسَبُع، وغير ذلك من أنواع المخاوف؛ أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة، فصلوها رِجالًا؛ أي: ماشين على أقدامكم، أو ركبانًا على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها؛ حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها، ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل، بل أوجب من صلاتها مطمئنًّا خارج الوقت، ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: زال الخوف عنكم، ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 239]، وهذا يشمل جميع أنواع الذكر، ومنه الصلاة على كمالها وتمامها، ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]؛ فإنها نعمة عظيمة، ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر؛ ليُبقِيَ نعمته عليكم ويزيدكم عليها؛ [تفسير السعدي].

﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 240].


هذه الآية منسوخة بالتي قبلها؛ وهي قوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]؛ قال البخاري: حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ [البقرة: 240] قد نسختها الآية الأخرى، فلِم تكتبها أو تَدَعها؟ قال: يا بن أخي، لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه.

ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نُسِخ بالأربعة الأشهر، فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يُوهِم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتُّها حيث وجدتها، ورُوِيَ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات، وترك امرأته، اعتدَّت سنة في بيته، يُنفَق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234].

﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241].

قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236]، قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241]؛ [ابن كثير].

وقال السعدي: أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقًّا على كل مُتَّقٍ؛ جبرًا لخاطرها، وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طُلِّقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل: إن المتعة واجبة على كل مطلقة؛ احتجاجًا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة؛ [السعدي].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
يتبع...
الحلقة القادمة: مقومات الجهاد وقصة طالوت وجالوت إن شاء الله.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.76%)]