عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-08-2024, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات ودروس من سورة البقرة

وقفات ودروس من سورة البقرة (12)

وقفات مع قلب السورة -6-

تابع معالم في سياق السورة

أحكام الطلاق

ميسون عبدالرحمن النحلاوي

أحكام الطلاق:
لم تُذكَر أحكام الطلاق في سورة من القرآن الكريم كما ذُكرت في سورة البقرة من حيث الشمول والتفصيل.


تبدأ آيات الطلاق مع الآية 226، وتنتهي مع الآية 241، يتخللها أحكام الرَّضاع، وعِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها، وصلاة الخوف، في ترابط وتنسيق معجز، سبحان منزل الكتاب!


وسنورد بَسْطَ الأحكام من تفسيري القرطبي، وابن كثير.

1- ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 226، 227].

عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ﴾: يحلفون، والتربُّص: النظر والتوقُّف.


قال الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف ألَّا يَطَأَ أكثر من أربعة أشهر، فإن حلَف على أربعة فما دونها لا يكون مُوليًا، وكانت عندهم يمينًا محضًا، لو وَطِئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأَيْمانِ؛ هذا قول مالك والشافعي، وأحمد وأبي ثور.

واحتجَّ مالك والشافعي فقالا: جعل الله للمُولي أربعةَ أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما أن الدين المؤجَّل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل.

واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب؛ فقال ابن عباس: لا إيلاء إلا بغضب، ورُوِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبي، والحسن وعطاء، كلهم يقولون: الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادَّة، وحرجة ومناكدة، ألَّا يجامعها في فَرْجِها إضرارًا بها، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاحُ ولدٍ أم لم يكن، فإن لم يكن عن غضب، فليس بإيلاء.

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 227] العزيمة: تتميم العقد على الشيء.


قال القاضي ابن العربي: وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا: للذين يُؤلون من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهر، فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، وتقديرها عندهم: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فيها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها، يريد مدة التربص فيها، فإن الله سميع عليم.

2- ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228].

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال القرطبي في تفسيره: لما ذكر الله تعالى الإيلاء، وأن الطلاق قد يقع فيه، بيَّن تعالى حكم المرأة بعد التطليق؛ ورد في كتاب أبي داود والنسائي، عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته، فهو أحقُّ بها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك وقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [البقرة: 229]؛ الآية، والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلَّقة قبل البناء بآية الأحزاب: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ [الأحزاب: 49] على ما يأتي، وكذلك الحامل بقوله: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]، والمقصود من الأقراء: الاستبراء، بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة.

﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228] فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: من الحيض؛ قاله عكرمة والزهري والنخعي، وقيل: الحمل؛ قاله عمر وابن عباس، وقال مجاهد: الحيض والحمل معًا، وهذا على أن الحامل تحيض، والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العِدَّة على الحيض والأطهار، ولا اطلاع إلا من جهة النساء، جعل القول قولها إذا ادَّعت انقضاء العِدَّة أو عدمها، وجعلهن مؤتمنات على ذلك؛ وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228].

ومعنى النهي عن الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حِضْتُ، وهي لم تَحِضْ، ذهبت بحقِّه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحِضْ، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرَّت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألَّا ترتجع، حتى تنقضي العِدَّة، ويقطع الشرع حقَّه، وكذلك الحامل تكتم الحمل؛ لتقطع حقه من الارتجاع؛ قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحملَ؛ ليُلحِقْنَ الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية.

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: بمراجعتهن، فالمراجعة على ضربين: مراجعة في العِدَّة على حديث ابن عمر، ومراجعة بعد العِدَّة على حديث معقل، وإذا كان هذا، فيكون في الآية دليلٌ على تخصيص ما شمله العموم في المسميات؛ لأن قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228] عامٌّ في المطلقات ثلاثًا، وفيما دونها لا خلاف فيه، ثم قوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ ﴾ [البقرة: 228] حكمٌ خاصٌّ فيمن كان طلاقها دون الثلاث، وأجمع العلماء على أن الحُرَّ إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولًا بها تطليقةً أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقُض عِدَّتَها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلِّق حتى انقضت عدتها، فهي أحقُّ بنفسها وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مُستأنَف بوليٍّ وإشهاد، ليس على سُنَّة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء.

الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار، وتطويل العِدَّة، والقطع بها عن الخلاص من رِبْقَةِ النكاح، فمُحرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة: 231]، ثم من فَعَلَ ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهيَ وظلم نفسه، ولو علمنا نحن ذلك المقصد، طلقنا عليه؛ قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228].

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس: إني لأتزيَّن لامرأتي كما تتزيَّن لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها عليَّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: زينة من غير مأثم، وعنه أيضًا: أي: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن، وقيل: إن لهن على أزواجهن تَرْكَ مضارتهن، كما كان ذلك عليهن لأزواجهن؛ قاله الطبري، وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن، كما عليهن أن يتَّقِينَ الله عز وجل فيكم، والمعنى متقارب، والآية تعُمُّ جميع ذلك من حقوق الزوجية؛ [انتهى القرطبي].

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال البغوي في تفسيره: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل: بالعقل، وقيل: بالشهادة، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدِّيَة، وقيل: بالطلاق؛ لأن الطلاق بيد الرجال، وقيل: بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة؛ [انتهى].

وقال القرطبي: وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه، فلا تصوم إلا بإذنه، ولا تحج إلا معه، وقيل: الدرجة الصَّداق؛ قاله الشعبي، وقيل: جواز الأدب، وعلى الجملة فـ﴿ دَرَجَةٌ ﴾ تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حقَّ الزوج عليها أوجب من حقها عليه؛ ولهذا قال عليه السلام: ((ولو أمرت أحدًا بالسجود لغير الله، لَأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها))، وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حضِّ الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلُق؛ أي إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه؛ قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارٌّ؛ [انتهى].

﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ [البقرة: 228] أي: منيع السلطان لا معترض عليه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228] أي: عالِم مُصيب فيما يفعل.

3- ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].

قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [البقرة: 229]؛ قال القرطبي: ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عددٌ، وكانت عندهم العِدَّة معلومة مقدَّرة، وكان هذا في أول الإسلام بُرهة، يطلِّق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحِلُّ من طلاقه، راجعها ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آويك ولا أدَعك تحِلِّين، قالت: وكيف؟ قال: أُطلِّقك، فإذا دنا مُضِيُّ عِدَّتك، راجعتك، فشَكَت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ بيانًا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهرٍ ووليٍّ، ونسخ ما كانوا عليه.

وقال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسُنَّة الطلاق؛ أي من طلَّق اثنتين، فلْيَتَّقِ الله في الثالثة، فإما تَرَكَها غير مظلومة شيئًا من حقها، وإما أمسكها مُحسنًا عشرتها، والآية تتضمن هذين المعنيين.

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 229] ابتداء، والخبر أمْثَلُ أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف؛ أي: فعليكم إمساك بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يُعرَف أنه الحق، ويجوز في غير القرآن: فإمساكًا على المصدر، ومعنى ﴿ بِإِحْسَانٍ ﴾ أي: لا يظلمها شيئًا من حقها، ولا يتعدى في قول، والإمساك: خلاف الإطلاق، والتسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر، ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية: أرسلها، والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتم العِدَّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدي والضحاك، والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيُسرِّحها؛ هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما.

﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]، والآية خطاب للأزواج، وخصَّ بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العُرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صَداقًا وجهازًا، فلذلك خُصَّ بالذكر.

﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 229]، حرَّم الله تعالى في هذه الآية ألَّا يأخذ إلا بعد الخوف ألَّا يقيما حدود الله، وأكَّد التحريم بالوعيد لمن تعدَّى الحدَّ، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألَّا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهةٍ يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ، والخطاب للزوجين.

روى البخاريُّ من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ((أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُقٍ ولا دين، ولكن لا أطيقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترُدِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم))، وأخرجه ابن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ((أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أعِيبُ على ثابتٍ في دين ولا خُلُق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد))، فيُقال: إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشدَّ الحب، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام.

واختلف العلماء في الخلع، هل هو طلاق أو فسخ؟ فرُوِيَ عن عثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من التابعين: هو طلاق، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه، ومن جعل الخلع طلاقًا، قال: لم يَجُز أن يرتجعها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنه بالخلع كملت الثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والكلام للقرطبي.

عدة الْمُخْتَلِعة: عن ابن عمر قال: عِدَّة المختلعة عدة المطلقة، قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا، قلت (والكلام للقرطبي): وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق، والثوري وأهل الكوفة، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229] لما بيَّن تعالى أحكام النكاح والفراق، قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 229] التي أمرتُ بامتثالها، كما بيَّن تحريمات الصوم في آية أخرى فقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187]، فقسم الحدود قسمين؛ منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود النهي بالاجتناب، ثم أخبر تعالى فقال: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]؛ [انتهى، القرطبي].

4- ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230].

فإذا طلق الرجل امرأته طلقةً ثالثةً بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرُم عليه حتى تنكح زوجًا غيره؛ أي: حتى يَطَأَها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وَطِئها واطِئٌ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين لم تحلَّ للأول؛ لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت، ولكن لم يدخل بها الزوج، لم تحل للأول.

وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عمر قال: ((سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها، قبل أن يدخل بها: هل تحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق العسيلة))، حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن رجل كانت تحته امرأة، فطلَّقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا فطلَّقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها، وذاقت من عسيلته)).

التَّيس المستعار: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلِّل الذي وردت الأحاديث بذمِّه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد، بطل النكاح عند جمهور الأئمة؛ قال الإمام أحمد عن عبدالله قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا ومُوكله))؛ [رواه أحمد، والترمذي، والنسائي من غير وجه، عن سفيان، وهو الثوري، عن أبي قيس واسمه عبدالرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].

﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 230]؛ أي: شرائعه وأحكامه ﴿ يُبَيِّنُهَا ﴾ [البقرة: 230]؛ أي: يوضحها، ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230]؛ [تفسير ابن كثير].

5- ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231].

يقول ابن كثير: هذا أمرٌ من الله عز وجل للرجال إذا طلَّق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يُحسن في أمرها إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها، ولم يبقَ منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها؛ أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف؛ وهو أن يُشهِد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرِّحها؛ أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويُخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح.

﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة: 231]؛ قال ابن عباس، ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يُطلِّق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العِدَّة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلِّقها فتعتدُّ، فإذا شارفت على انقضاء العِدَّة، طلَّق لتطول عليها العِدَّة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعَّدهم عليه؛ فقال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: بمخالفته أمر الله تعالى؛ عن عبادة بن الصامت، في قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231] قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوجتك ابنتي، ثم يقول: كنتُ لاعبًا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح)).

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: في إرساله الرسولَ بالهدى والبينات إليكم، ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: السُّنَّة، ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: يأمركم وينهاكم، ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 231] أي: فيما تأتون وفيما تذرون، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.42 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]