لذلك ذكَّرهم الله بفضله عليهم، وامتنَّ عليهم به تثبيتًا وتطمينًا، فبدأ برسوله صلى الله عليه وسلم؛ وقال عز وجل: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ ﴾ [التوبة: 117]، والتوبة لغة من فعل: تاب يتوب توبةً وتَوْبًا؛ أي رجع وآب، يُقَالُ: تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ؛ أَيْ رَجَعَ عَنْهُ، وتاب إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وَمَتَابًا وتوبًا، فَهُوَ تَائِبٌ أي رجع عن الذنب، فتاب الله عليه؛ أي غفر له، وقبِل توبته، وتجاوز عن سيئاته وتقصيره، وصفح عنه؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾ [غافر: 3]؛ قَالَ الأَخفش: "التَّوْبُ جَمْعُ تَوْبةٍ مِثْلُ عَزْمةٍ وعَزْمٍ"؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((النَّدَمُ تَوْبةٌ))[2]؛ لأنه طريق التوبة الممهِّد لها إن كان ندمًا صادقًا، يُقال: "التوبة ندم على ما ارتكب، وقيام بما وجب، ومغفرة من الرب"، ثم بدأ عز وجل بمن لم يذنب وهو النبي صلى الله عليه وسلم؛ كيلا يستوحش مَن أذنب مِنَ المهاجرين والأنصار وغيرهم؛ فقال تعالى: ﴿ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ [التوبة: 117]، الذي برأه تعالى وطهَّره من الذنوب؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 2]، والتوبة عليه صلى الله عليه وسلم لا تعني أنه يذنب؛ لأنه معصوم مُسدَّد من ربِّه، وإنما هي توبة تليق بقدره ومقامه وعصمته من يوم اصطفاه ربه، وأنزل عليه الكتاب والحكمة؛ وقال له الْمَلَكُ عليه السلام: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 – 5]، ويوم أسبغ عليه مزيد فضله؛ وقال له: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]، ثم ثنَّى بخيار صحابته الذين ثبتوا معه في غزوة تبوك؛ فقال عز وجل: ﴿ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ [التوبة: 117]، وكانوا رضي الله عنهم أعمدة الدعوة ومجاهديها، وأعوانَه صلى الله عليه وسلم فيها، وخصَّ منهم بالذكر ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 117]، الذين أطاعوه واتبعوه في أشد حالات الضيق والمحنة أثناء توجهه إلى الشام في غزوة تبوك، بعد أن كادت المحنة تعصف بقلوب من لم يصبر لها، لا سيما والطريق طويل والطقس أشد حرارة، والعطش شديد والزاد طعامًا وشرابًا وركوبةً قليلٌ، حَتَّى لقد ذُكِرَ أَن الرجلَيْن كَانا يشقان التمرة بينهما، وكان النَّفر يتداولون التمرة بَينهم يمصها أحدهم، ثمَّ يشرب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ يمصها الآخر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن عباس رضي الله عنهما: ((خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى تَبُوك فِي قيظ شَدِيد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فِيهِ عَطش، حَتَّى ظنَّنا أنَّ رقابنا ستُقطع، حَتَّى إِن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، وَيجْعَل مَا بَقِي على كبده، فَقَالَ أَبُو بكر الصِّدِّيق رَضِي الله عَنهُ: يَا رَسُول الله، إِن الله قد عوَّدك فِي الدُّعَاء خيرًا، فَادع لنا، فَرفع يَدَيْهِ فَلم يرجعهما حَتَّى قَالَت السَّمَاء، فأهطلت، ثمَّ سكبت، فملؤوا مَا مَعَهم، ثمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُر فَلم نجدها جَاوَزت الْعَسْكَر))، وَأخرج ابْنُ أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل عَن مُحَمَّد بن عبدالله بن عقيل بن أبي طَالب، فِي قَوْله: ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ [التوبة: 117]، قَالَ: "خَرجُوا فِي غَزْوَة تَبُوك، الرَّجلَانِ وَالثَّلَاثَة على بعير، وَخَرجُوا فِي حرٍّ شَدِيد، فَأَصَابَهُمْ يَوْمًا عَطشٌ حَتَّى جعلُوا ينحرون إبلهم، فيعصرون أكراشها وَيَشْرَبُونَ ماءها، فَكَانَ ذَلِك عسرة من المَاء، وعسرة من النَّفَقَة، وعسرة من الظهر، وكانت توبته تعالى عليهم، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 117]؛ أي: بعدما كادت قلوب بعض المسلمين أن تُفتَنَ في هذه الظروف القاسية، لولا أن ثبَّتهم الله، وأعانهم، فالتحقوا بجيش تبوك، على رغم بُعْدِ الشُّقَّة، ومحنة السفر في الحر؛ من مثل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، إذ أبطأ به بعيره، فحمَل متاعَه على ظهره، واتَّبع أثرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم راجلًا؛ فقال صلى الله عليه وسلم لما رأى سوادَه: ((كنْ أبا ذر، فقال الناسُ: هو ذاك، فقال صلى الله عليه وسلم: رحِم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحدَه، ويموت وحده، ويُبعث وحده))، ومثل أبي خيثمةَ إذ طاب بستانه، وكانت له امرأةٌ حسناءُ فرَشت له في الظل، وبسَطت له الحصيرَ، وقرَّبت إليه الرُّطَبَ والماءَ الباردَ، فنظر فقال: "ظلٌّ ظليلٌ، ورُطبٌ يانعٌ، وماء باردٌ، وامرأةٌ حسناء، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضَّحِّ[3] والريح، ما هذا بخير"، فقام ورحل ناقتَه، وأخذ سيفَه ورُمحَه، ومرَّ كالريح، فمدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طَرْفَه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه[4] السرابُ، فقال: ((كن أبا خيثمةَ)) فكانَهُ، ففرِح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفرَ له.
ثم تأكيدًا لتوبته عليهم؛ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 117]، تنبيهًا إلى استحقاقهم التوبة لما كابدوه من المحنة في الطريق، ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117]، يرأف بهم ويرحمهم لِما عانوه في مسيرتهم، منذ أسلموا وهاجروا، ونصروا وجاهدوا وابتُلوا، فصبروا وصابروا، ولأن رحمة الله إذا نزلت عمَّت، ورأفته إذا شملت شَفَتْ وأسعدت، فقد نالتا أيضًا ثلاثة آخرين من المخلفين، كلهم من كِرام الأنصار؛ هم: كعب بن مالك من الخزرج، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف من الأوس، وهلال بن أبي أمية من بني واقف من الأوس؛ أما كعب فهو بن مالك بن أبي كعب، عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، الخزرجي العقبي، شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم مع حسان بن ثابت، روى ثلاثين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين طلحة بن عبيدالله، وأما مرارة بن ربيع الأوسي الخزرجي، فقد شهد غزوة بدر، وأما هلال بن أمية، فمن بني واقف من الأوس، تولَّى أول ما أسلم تكسيرَ أصنام بني واقف، وشهد غزوتي بدر وأحد، وكانت معه راية بني واقف يوم فتح مكة، تخلَّفوا عن تبوك، فغضِب عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وتنكَّر لهم الناس، فلم يكلمهم أحد، وقاطعهم أهلهم ونساؤهم، فخرجوا من المدينة معتكفين في جبل قريب منها، صائمين نهارهم، قائمين ليلهم، خمسين ليلة؛ نزلت بعدها توبتهم بقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ [التوبة: 118]؛ أي: كعب بن مالك، ومرارة بن ربيع، وهلال بن أبي أمية، ﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 118]، على سعتها ورحابتها، ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [التوبة: 118]، غمًّا وهمًّا وحزنًا؛ لِما تورطوا فيه من الإثم، وما تأخر عنهم من التوبة، ﴿ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ [التوبة: 118]، وأيقنوا أن لا ملجأ من غضب الله إلا بالتوبة إليه، والتماس عفوه، ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 118]، صفح الله عنهم وغفر لهم، ﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ [التوبة: 118]، ليطمئنوا إلى توبة الله عليهم ويثبتوا عليها، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]، وليس من أحد غيره يتوب ويرحم.
وفي زخم الحديث عن جميع فئات جيش العسرة؛ من ثبت فيه، ومن تردد، ومن تأخر أو كاد يتولى فثبَّته الله وتاب عليه، ومن تخلَّف وندِم وكاد قلبه ينفطر، فأدركته رحمة الله ورأفته ومغفرته، ينزل الوحي الإلهي يضمد الجراح، ويفتح باب الأمل في قبول التوبة، ويصفهم عز وجل بالإيمان؛ ويناديهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، في إشارة جلية إلى درجات إيمان كل امرئ، ومدارج الصادقين ومراتبهم عند الله، وصفهم تعالى جميعًا بالإيمان، ثم حثَّهم على أعلى درجاته وهي الصدق فيه؛ كما في حديث جبريل عليه السلام إذ سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وفي قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [فاطر: 32]؛ أي: إن الذين يُورَّثوا القرآن من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين مقصِّرٍ ومقتصد وسابق بنيل الخيرات، وكفى بالصدق شرفًا ومكانةً أن الله عز وجل وصف به وَعْدَه لعبادِهِ بالجنة؛ فقال: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف: 16]؛ وذلك لأن الصدق بلسم الحياة في جميع مجالاتها، فهو في القلب خُلُوُّه من النفاق والشرك، وانضباطه بأحكام الشرع في النوايا والمقاصد والعزائم، وفي القول جلاؤه ووضوحه ومطابقته لِما في القلب من الإيمان، ولما تعهد به اللسان، وفي العمل خلوُّه من الغش والرياء، والخيانة والدَّسِّ والغدر، وفي الآخرة منجاة من غضب الرحمن، ومفازة بالجنة والرضوان، الصدق نافع أنَّى تجمَّلت به نجوت، وأنى اتصفت به علا قدرك: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119].
وبعد ذلك لقَّنهم الحق تعالى درسًا بليغًا لا يستوعبه إلا من فتح الله بصيرته وأنار قلبه، بِعِتابٍ رقيق، وقول جليل رفيق، وإيجاب للنفير العام على جميع المسلمين إذا دُعُوا له؛ فقال عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ﴾ [التوبة: 120]؛ أي: ما يليق بالمهاجرين والأنصار في المدينة، مركز الدولة وعاصمتها ومهجر نبيها، ﴿ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ﴾ [التوبة: 120]، وبمن حولها من المؤمنين الأعراب الذين شرفهم الله بمجاورتهم لها، ﴿ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 120]؛ أن يتقاعسوا عن تلبية ندائه صلى الله عليه وسلم بالجهاد، فلا يولونه قدره، ولا يستجيبون أمره، ولا يسارعون إليه، ﴿ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [التوبة: 120]، وفعل ﴿ يَرْغَبُوا ﴾ [التوبة: 120]، من الرغبة وهي تَشَهِّي الشيء وطلبُه وحبُّ الحصول عليه، فيقال: رغِبَ الشيءَ وبـالشيء وفيه، رَغْبًا ورَغَبًا، ورَغْبةً ورُغْبةً، فهو راغِب، والمفعول مَرْغوب، ولأن فعل رغب من الأضداد يُقال أيضًا: رغب عنه؛ أي: زهِدَ فيه، أو أعرض عنه، ورغِب بنفسه عنه إذا ترفَّع عنه وكرهه، فتقول لمن رأيته في مقام غير مشرف مثلًا: "إني لأرغب بك عَنْ هذا المقام فغادره"؛ أي: ما كان ينبغي للمهاجرين والأنصار وجيرانهم من الأعراب المسلمين أن يفضِّلوا رغبة نفوسهم في الراحة وملازمة الأزواج والأولاد والضِّياع، على ما رغبه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وأمرهم به من طلب مرضاة الله، والجهاد في سبيله، لا سيما والسمع والطاعة له صلى الله عليه وسلم وتفضيل أمره على أمر النفس دليلٌ قطعيٌّ على محبتهم لله عز وجل؛ قال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، وعندما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما عن نفسي، فلا، فكرر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قوله: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه؛ ثلاث مرات)).
ثم شرع سبحانه في بيان فضل الاستجابة لنداء الجهاد؛ فقال عز وجل: ﴿ ذَلِكَ ﴾ [التوبة: 120]، الفضل العظيم المقرَّر للجهاد وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ [التوبة: 120]، بسبب أن المجاهدين الممتثلين لأمره صلى الله عليه وسلم، والراغبين بطاعته عن رغباتهم، ﴿ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ [التوبة: 120]، عطش في طريقهم، ﴿ وَلَا نَصَبٌ ﴾ [التوبة: 120]؛ أي تعب، من قول العرب: نصب الرمحَ وغيره إذا أقامه في الأرض، ومنه النُّصُب؛ وهي أحجار كانت في الجاهلية تُنصَب للعبادة، ومنه النَّصَب؛ أي: العَناء والتعب، لأن المرء لا يزال منتصبًا واقفًا للجهاد، مواظبًا على الخروج له حتى يتعبن ﴿ وَلَا مَخْمَصَةٌ ﴾ [التوبة: 120]؛ أي: مجاعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: 3]، من خمص يخمص خمصًا بفتح الميم وضمها وكسرها؛ أي: ضمُر ونحُل، والخميص ضامر البطن من جوع، ضد البطين، ومنه المخمصة؛ أي المجاعة أو ظروفها أو مكانها، ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 120]، ينوون بما خرجوا له وظمِئوا، وجاعوا وتعبوا فيه وجهَ الله طاعةً له، وامتثالًا لأمره، ﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا ﴾ [التوبة: 120]، ولا يقفون في مكان، أو يطؤون أرضًا بأقدامهم أو حوافر خيلهم، أو أخْفافِ إبلهم، ﴿ يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾ [التوبة: 120]، يُوجِع الكفار ويُغضبهم، ويملأ قلوبهم حنقًا وضيقًا وكمدًا، ﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ﴾ [التوبة: 120]، ولا يبلغون من عدوٍّ مبلغًا يُضعِفه قتلًا أو جرحًا أو هزيمةً، ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ [التوبة: 120]، إلا عُدَّ ذلك لهم عند الله عملًا صالحًا مقبولًا ومأجورًا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: 120]، بل يباركه ويضاعفه، ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً ﴾ [التوبة: 121]، في أمر الجهاد لطعامهم أو شرابهم، أو ملبسهم أو رواحلهم، أو غير ذلك، ﴿ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا ﴾ [التوبة: 121]، ممرًّا بين جبلين، ويندرج معه السهل والجبل، ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 121] أجرَه؛ ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ [التوبة: 121]، ليُثيبهم الله ﴿ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 121]، أحسن ثواب لِما عملوه في الدنيا.
إلا أن معاناة الجهاد القتالي على فضله وإيجابياته، لها من السلبيات ما تؤثر بها في مسيرة الإسلام نفسه، عقديًّا وبشريًّا، باستشهاد كبار قادته وحفَّاظ القرآن فيه، وهم من أعمدة الفتح وحملة العقيدة، ومن يسعى أعداء الإسلام دائمًا لتصفيتهم والتخلص منهم بكل الأساليب، دنيئها غدرًا وخيانةً، وحربيِّها مواجهة في المعارك، والتاريخ لا ينسى مقتل أسد الإسلام حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه غدرًا بتدبير من زوجة أبي سفيان، التي أجهزت على جثمانه تمثيلًا وبترًا، وما قامت قبائلُ هذيل وعَضَل وقَارَة من قتلٍ لعشرة من كرام الصحابة فيما عُرف بسرية الرَّجِيع[5]، وما تم في العام نفسه من الغدر في بئر معونة بسبعين من حفظة القرآن وقرَّائه وقتلهم؛ إذ قَدِمَ ملاعب الأسنة أبو براء عامر بن مالك على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه، فلم يُسلِم، وقال: يا محمد، لو بعثتَ رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في سبعين من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصِّمَّة، وحرام بن ملحان، أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق وغيرهم، فنهضوا فنزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحَرَّة بني سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض إلى قتال الباقين بني عامر، فأبَوا أن يجيبوه؛ لأن أبا براء أجارهم، فاستغاث عليهم بني سُلَيم، فنهضت معه عصيَّة ورَعْل وذَكوان، وهم قبائل من بني سليم، فأحاطوا بهم، فقاتلوا، فقُتِلوا كلهم رضي الله عنهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنه تُرِك في القتلى وفيه رمق، فرُفِع وبه جراح من القتلى، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق رضي الله عنه؛ لذلك تلافيًا لِما يحتمل وقوعه من ضياع القرآن الكريم وأحكام الدين بتعاقُب الأجيال ومرور الزمن، وجَّه الحق تعالى إلى حماية القرآن الكريم كي يبقى أصلًا للدين، وركيزة للجهاد القرآني، ينبثق عنه الجهاد القتالي؛ بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾ [التوبة: 122]، والفعل: "نفر"؛ أي: جزع أو ذعر من الشيء وتباعد عنه، من نفور الدابة وتباعدها الفطري مما تكرهه من العشب إلى ما تحبه منه، وهو بذلك من الأضداد، فيُقال: نفر من الشيء إلى غيره، ثم رقاه الشرع إلى معنى حربيٍّ تحشيدًا ضد العدو؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استُنْفِرتُم فانفروا))[6]؛ أي: إذا استُنجدتم واستُنصرتم، فأنجدوا وانصُروا؛ وقوله تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ [التــوبة: 41]، ثم ثبتت الكلمة في مصطلحها العسكري بمعنى جيش النصـرة فـي قـوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ [الإسراء: 6]؛ أي: جعلناكم أكثر جنودًا وأنصارًا، وقوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [التوبة: 122]؛ أي: ما كان مناسبًا لأمن الإسلام ورسوخ دولته، ودوام أمره وعلو قدره، ولا جديرًا بعباد مؤمنين ربَّاهم الوحي، وقادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته وحِنْكَتِهِ أن ينفِروا للغزو كافة، ويتركوا القرآن عُرضَةً للجهل والنسيان والتحريف، ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ ﴾ [التوبة: 122]، نهض بحزم وحيوية ﴿ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 122] من كل تجمُّع بشري فيهم حيًّا أو بطنًا أو قبيلة، ﴿ طَائِفَةٌ ﴾ [التوبة: 122]، جماعة قليلة أو كثيرة ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 122]، يتفرغون لمدارسة القرآن وفهم أحكامه، وتفهيمه للمسلمين، كبارهم وصغارهم، ﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ﴾ [التوبة: 122] عاقبةَ التولي والانهزام أمام العدو، ﴿ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 122]، من ساحة الجهاد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122]، الفتن والفتَّانين، وقد بادر المسلمون عملًا بهذه الآية الكريمة في ذلك الوقت المبكر، فكانت لهم بعد ذلك مفتاحًا لنهضة علمية نشأت في كنف القرآن، بشتى أصناف العلوم قراءاتٍ وتفسيرًا، وفقهًا وأصولًا، ولغةً وتوقيتًا، ودراسة ومراقبة لحركات النجوم والشمس، والقمر والأفلاك، مما حفلت به آثارهم ومصنفاتهم في جميع ميادين العلم، ونشأت به حضارة إنسانية ربانية في المشارق والمغارب، وانتظم بذلك جناحا الدين الحنيف؛ جهاد علميٌّ مستند إلى القرآن، وجهاد حِمائي[7] للدين بالسِّنان يُدافع عنه، ويرفع رايته؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
[1] جمهرة أنساب العرب لابن حزم، ص: 245.
[2] عن ابن مسعود، صحيح، الألباني.
[3] الضَّحُّ قرن الشمس وشدتها.
[4] يزهاه: يجلوه ويبينه.
[5] كانت قبيلة هذيل تسعى للثأر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلجأت إلى قبيلتي عضل والقارة، وجعلت لهما جُعلًا إن نجحتا في المكر بالمسلمين، فذهب وفد منهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: "إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا ويُقرِئوننا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام"، فبعث معهم رسول الله عشرةً من كِرام الصحابة رضي الله عنهم، وأمَّر عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري رضي الله عنه، فلما وصل الصحابة إلى الرَّجِيع - وهو موضع ماء لهذيل بالحجاز - غدر القوم بهم، واجتمع عليهم نفرٌ من هذيل، فقتلوا بعضهم، وأسروا خُبيبًا، وابن الدثنة رضي الله عنهما، وباعوهما في مكة لمن قتلهما.
[6] صحيح، الألباني.
[7] يُقال فعلت هذا حِماءً لَكَ، بِالْمَدِّ: أي حماية وفِداءً لَكَ.