عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 14-08-2024, 04:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,475
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير سورة التوبة (الحلقة الرابعة عشرة) الجهاد جهادان، بالقرآن وبالسنان

تفسير سورة التوبة (الحلقة الرابعة عشرة)

الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي


بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.


الجهاد جهادان؛ بالقرآن، وبالسِّنَان:
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 111 - 122].


بُعِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم في أُمَّةٍ يغلُب عليها الجهل والأمية، ثقافتها بسيطة شفوية، لا تتعدى أدبياتها الشعر والنثر، وتصرفاتها صدى لحاجاتها الآنية في المأكل والمشرب والمنكح، وطموحها لا يتجاوز المفاخرة بين الأفراد والأسر والقبائل، وقد ساهم في تكوينها عاملُ الطبيعة مناخًا وموقعًا جغرافيًّا، وبيئة قاسية أضْفَتْ على الأخلاق والمعاملات طابعًا متماثلًا، يغلب عليه الجفاء والتقشف، والعنفوانية المزاجية الهوجاء، والعَفَوِيَّة والخشونة في التصرف، خاصة فيما يتعلق بحاجاتهم الحيوية كالماء والكلأ؛ إذ يتقاتل بنو الأب الواحد بشراسة وضراوة، أو عندما تُستثار فيهم العواطف وزوابع الأحقاد القبلية مجتمعة، فتنطلق غرائز الانتقام من عِقالها إلى حدٍّ قد يصل أكل لحم البشر؛ مثل ما ذكره ابن حزم[1] من أن الأحدب بن عمرو الباهلي أخذ عفاق بن مري من ربيعة فشواه وأكله، فقال فيه الراجز: "إن عفاقًا أكلته باهلة... تمششوا عظامه وكاهله... وتركوا أم عفاق ثاكلة".


هذه هي الأمة العربية التي تناولها الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية والتأهيل تعليمًا وتزكيةً، وترشيدًا وهدايةً إلى أشرف القيم، وأسمى الأهداف؛ بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2]، وكما يشِبُّ أبناء الأسرة الواحدة عن الطَّوق؛ فيظهر فيهم البَرُّ والعاقُّ، والبخيل والكريم، والسفيه والرشيد، عبدأهوائه أو عبدالشيطان، أو عبدالله متبعُ رسولِه صلى الله عليه وسلم، شبَّ المجتمع المسلم، فظهر فيه ما صنَّفه الوحي الكريم منهم في سورة التوبة فيما بين الآية 90 والآية 110، أغلبيةً ثابتة، وأقلياتٍ في أمر مريج، مضطربة العقيدة والمواقف، أو ضعيفة الاستيعاب والإرادة، أو منافقة متآمرة لا ترُدُّ يدَ لامسٍ.


وإذ أرشد الحقُّ تعالى الطائفةَ المؤمنة الثابتة إلى ما ينبغي أن تعامِلَ به غيرَها من الطوائف داخل الصف، إعراضًا أو مقاطعة، أو نصحًا أو عزلًا، أو معاداة ومفاصلة، فبيَّن مهمتها الأولى في الحياة؛ وهي إعلاء شأن الدين، وإقامة دولته، وتثبيت دعائمه، وتأمين وجوده بين هذه العواصف الهوجاء من مكر أعدائه في الداخل يهودًا ونصارى، ومنافقين عربًا وأعرابًا، وتَنَمُّر أعدائه في الجوار، قيصريةً شمالًا في القسطنطينية ومستعمراتها بالشام وفلسطين، وكسرويةً شرقًا في فارس والعراق، فلم يكن خيرًا للصادقين في مواجهتهم وردِّ كيدهم وعدوانهم إلا ما هو أقوى وأجدى؛ وهو الجهاد القتالي الذي قد لا تترك الظروف لغيره مجالًا، مبتدئًا بتعريف حقيقته وفضله وعلو شأنه؛ وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، لا سيما وقد تدرَّج بهم الوحي برفْقٍ منذ الفترة المكية نحو هذا العطاء الجهادي، فلم يؤذَن لهم أول الأمر في مكة بقتال، وقيل لهم: كُفُّوا أيديَكم وأقيموا الصلاة، وبيَّن لهم أهمية الحديد وصناعة السيوف وامتلاكها؛ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: 25]، ثم أُذِن لُهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم، وحُرِّضوا عليه حين توفرت مبرراته، وملكوا في المدينة أدواته؛ بقوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: 39، 40]، فتردد بعضهم وجبَنُوا وعُوتبوا؛ بقوله تعالى فيهم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: 77]، وقوله عز وجل مشجعًا على مواجهة حقيقة الموت مصيرًا محتومًا: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78]، وعندما استأنسوا بالجهاد، وذاقوا حلاوة النصر وعزة الشهادة، فرضه عليهم؛ بقوله عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216]، وضرب لهم المثل بالأنبياء مقاتلين وقاتلين ومقتولين؛ بقوله عز وجل: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146]، ثم رقاهم بالتدريج درجة أعلى بوصفه جهادهم تجارةً مربحةً؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف: 10، 11]، حتى إذا ما اجتازوا آخر اختبارِ جهادٍ قتالي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وتميزت معادنهم، واتضح عمق إيمان الصادقين فيهم، ومدى استفادتهم من صحبة نبيهم صلى الله عليه وسلم، واستعدادهم للصمود وبذل النفس والمال في سبيل الله، رقَّى عز وجل مشاعرهم الإيمانية وعلاقتهم بربهم عز وجل إلى مستوى أعلى، ومقام عنده أسمى، وجعلهم شركاء له في صفقة يُمَلِّكُهم بمقتضاها ما خلقه ووهبه لهم من أنفسهم، وما أعطاهم إياه من الأموال، ثم يشتري ذلك كله منهم بالجنة؛ وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111]، فاكتمل بهذه الآية الكريمة تصورهم الإيمانيُّ، واتخذ الجهاد في سبيل الله صِفَتَيْه؛ السلمية والقتالية، صفته السلمية بالقرآن وقد قام الإسلام بها أول الأمر؛ بقوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 1 – 5]، وقوله عز وجل: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]، وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9]، وقوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125]، وقوله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52]، وقوله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه عندما بعثه إلى اليمن: ((يَا عَلِيُّ، لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ عَلَى يَدِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ))، وصفته القتالية التي ليست مجرد قتل أو قتال أو بذل للنفس والمال لها أجرها، ولكنه علاقة رضية بين الخالق والمخلوق، خالق يملك الروح والجسد والمال، ويجعل ذلك كله ملكًا لعبده المؤمن المجاهد، ثم يشتريه منه بالجنة، وعبَّر عن قبوله ما يبذله المجاهدون من أنفسهم وأموالهم بالبيع والشراء، وعن الثمن بالجنة، وكيلا يلتبس معنى البيع منهم والشراء من ربهم فتَطيح به مقاصديات أهل التأويل والتبرير، والتحوير والتدوير؛ بيَّنه عز وجل بلفظ واضح غير مشترك وغير قابل للتأويل؛ فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ [التوبة: 111]، عدوَّهم بالسيف وغيره قتالًا حقيقيًّا بكل مضامينه ونتائجه، ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 111]؛ أي: لتكون كلمة الله وحدها هي العليا، لا يشركها فيه طلب مجد دنيوي أو معنوي، أو طلب غنيمة، أو علو في الأرض، وعبَّر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، ﴿ فَيَقْتُلُونَ [التوبة: 111]، مبنيًّا للمعلوم بفتحة على الياء وضمة على التاء؛ أي يقتلون عدوهم، ويكفيهم الله شره، ﴿ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: 111]، مبنيًّا للمجهول؛ أي: يُقتلون من قِبَلِ عدوِّهم فيدخلون الجنة، وهي قراءة الجمهور بتقديم الفاعل، خلافًا لقراءة حمزة والكسائي: ﴿ فيُقْتَلُونَ [التوبة: 111]، بتقديم المفعول على الفاعل.


ثم أكَّد الحق تعالى وعده بالجنة؛ فقال: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا [التوبة: 111 أي: وعدهم الله وعدًا ألزم نفسه فيه بالوفاء، ووثَّقه وحيًا، ﴿ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة: 111]، فيما أنزل من التوراة على موسى عليه السلام قبل تحريفها، ومن الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام فأضاعه أهله، ومن القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ دائمًا من الله؛ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، كل المسلمين أُمروا بالجهاد وَوُعدوا بالجنة إن قاموا به مخلِصين، ثم أكد الحق وعده ووفاءه مستنكرًا أن يكون غيره أوفى منه؛ فقال: ﴿ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة: 111]؛ أي: لا أحد أوفى بعهده منه تعالى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: 87]، وقوله سبحانه: ﴿ وَمنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122]، وهنَّأ من بايع على الجهاد وبشره بالجنة؛ فقال لهم: ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا [التوبة: 111]، فافرحوا بما بشركم الله به من الجنة، ﴿ بِبَيْعِكُمُ [التوبة: 111]، بمكاسب تجارتكم معه تعالى، ﴿ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ [التوبة: 111]، على أغلى المكاسب وأوفى الأرباح، ونِلْتُم به عزَّ الدنيا، ونعيم الآخرة جنة ونعيمًا ورضوانًا، ﴿ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 111]، وذلك أعظم فوز يناله المرء في حياته من الدنيا وفي الآخرة؛ قال عمر رضي الله عنه: "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَايَعَكَ وَجَعَلَ الصَّفْقَتَيْنِ لَك"، وقال قتادة: "ثَامَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَغْلَى لَهُمْ"، وقال الحسن: "اسعَوا إِلَى بَيْعَةٍ ربيحة بايع اللَّهُ بها كُلَّ مُؤْمِنٍ".


ولأن هذا المقام الذي وعد الله به المجاهدين رفيعٌ عنده تعالى، والوعد منه أرفعُ وأشرف وأوفى وأعزُّ؛ ذَكَرَ سبحانه صفاتِ مَن يبلغه ومن يعينهم على بلوغه؛ فقال: إنهم هم ﴿ التَّائِبُونَ [التوبة: 112]، عما ارتكبوه من الآثام، المستجيبون لأمره عز وجل إذ قال لهم: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31]، ثم قال: ﴿ الْعَابِدُونَ [التوبة: 112]، وهم القائمون بحق عبادة الله إيمانًا به تعالى، وعملًا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعبادة المأمور به شرعًا هي العمل بما شرعه الله وأحبَّه، وأمر به ورضِيَه، والكف عن كل ما نهى عنه وحرمه، وصَونُ النفس والقلب عن الأهواء السائبة والنجاوَى الضالة؛ ثم قال: ﴿ الْحَامِدُونَ [التوبة: 112]، ولا يحمَد الله حقَّ حمدِهِ إلا من عرف فضله تعالى عليه وعلى الخلق، وتدبَّر نعماءه ظاهرة وخفية، فحمِده بلسانه وجَنانه، وكفَّ عما يُغضبه وما لا يُرضيه، ثم قال: ﴿ السَّائِحُونَ [التوبة: 112]، في الأرض أقطارًا وشعابًا ووديانًا، وبين الناس شعوبًا وقبائلَ، دعاة إلى الله مبشرين بدينه؛ ثم قال: ﴿ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ [التوبة: 112]، أداءً للصلاة في وقتها، وعلى أرضى هيئاتها، ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [التوبة: 112]، ولا معروف أرضى لله تعالى مما شرعه في كتابه وسنة رسوله، ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 112]، ولا منكر أحقُّ بالنهي عنه من منكر خالف تشريعاته تعالى للناس، أو حرَّض على فساد في الأمة، أو مهَّد له، ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة: 112]، وحدود الله هي التي تمنع من الوقوع في الإثم، وتضبط حركة المؤمن، وتشمل العبادات والمعاملات في جميع المجالات؛ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وهي خمسة أحكام: الواجب، والمندوب، والمحرَّم، والمكروه، والمباح؛ لقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 229]؛ أي: تلك هي الحدود الشرعية التي لا يجوز تجاوزها، أو الاعتداء عليها بتعطيلها، أو التحايل عليها، أو التلاعب بمدلولها، أو تبرير عدم العمل بها، ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 112]، الذين يحفظون هذه الحدود بالجزاء الحسن يوم القيامة.


ثم بنوعٍ من الالتفات إلى ما يعترض المرء في رعايته لحدود الله من الحرج، إذا تعارضت مع بعض العلاقات الإنسانية نسبًا وصهرًا وقربى، أو تقاليدَ وأعرافًا، تعزيةً لقريب كافر، أو وقوفًا على قبره، أو دعاء له، أو صلاة عليه، أو توارثًا معه، أو استغفارًا له؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: 113]، ليس لهم ولا يجوز لهم جميعًا، مهما كانت الظروف والملابسات، أن يسألوا المغفرة لمشركٍ خُتِمَ له بالكفر، ومات على شركه، أو مشرك حيٍّ متمسك بشركه، إلا أن تدعو له بالهداية إلى الإيمان والإسلام، ﴿ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة: 113]، ذوي قرابة من النسب أو المصاهرة، أو العرق أو الطائفة، أو غيرها من القرابات الموروثة أو المستحدثة، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: 113]، من بعدما ماتوا على الكفر، وتأكَّد استحقاقهم جهنمَ، هذا الحكم الشرعي لا يجوز تجاوزه أو تعطيله من قِبَلِ أيِّ مسلم، ولو كان نبيًّا مرسلًا، أو ملِكًا متوَّجًا، أو ذا شأن في المجتمع؛ ولذلك ضرب الحق تعالى لتثبيته وتأكيده المثل بإبراهيم عليه السلام، إذ استغفر لأبيه تحت ضغط عاطفة الأبوة؛ فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ [التوبة: 114]؛ أي: إلا لأنه وعده بالاستغفار له، ولا شكَّ أن إبراهيم عليه السلام قد حمله الإشفاق على والده، فوعده بالاستغفار بما دلَّ عليه القرآن؛ في قوله تعالى: ﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: 86]، وقوله: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب [إبراهيم: 41]، وقوله: ﴿ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة: 4]، وقوله تعالى عنهما معًا: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 46، 47]، وهو وعدٌ لم يكن محرَّمًا ما دام والده حيًّا تُرجى توبته، فيدعوه ويدعو له بالهداية؛ ولذلك لم يعاتبه الله على الوعد، بل بيَّن عذره فيه، ثم عندما مات أبوه على الكفر ولم يبقَ مطمع في توبته، وتأكد أنه من أهل النار تبرَّأ منه، فأثنى عليه الله ومدح مفاصلته لأبيه ولأهل الكفر والنفاق جميعًا؛ وقال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: 114]، وكان من قبل قد تبرأ من عبادة أبيه وقومه وحدها، ولم يتبرأ منهم استدراجًا لهم إلى الإيمان؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: 26 – 28]؛ ولذلك مدحه الله، ووصفه بأحسن خصاله؛ بقوله عن خصلته الأولى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ [التوبة: 114]، من التأوُّه، وهو قول المرء: "آه"، من فعل "تأوَّه" تأوُّهًا وتأويهًا: إذا توجَّع؛ قال أبو عبيدة: "الأوَّاه: المتأوِّه شفقًا وفَرَقًا وتضرعًا"، وكان إبراهيم عليه السلام كثيرَ التأوُّهِ بين يدي الله في خلواته وشكاواه، تألمًا وتوجُّعًا لكفر أبيه وقومه، ولما ناله منهم، وأصابه في دعوته للتوحيد من محاربة ومطاردة، وما عاناه من المحن في سبيل الله؛ تهديدًا ووعيدًا وحرقًا، وشتاتَ أسرةٍ بين العراق والشام وفلسطين، والحجاز ومصر، وعن خصلته الثانية؛ بقوله عز وجل: ﴿ حَلِيمٌ [التوبة: 114]، من: حلُم الرجل يحلُم، بضمة على اللام، ضد طاش يطيش، ويعني الحِلْمُ في تصرفات الناس الأناةَ والتثبُّتَ، وضبط النفس وكظم الغيظ، والحليم بذلك من لا يستفزه الغضب، ولا يتسرع بالعقوبة، بل يتريَّث في كل أمر، ويتصرف حسب مقتضى الحكمة، وهي صفات كلها تجلَّت في مسيرة إبراهيم عليه السلام فمدحه الله بها، ومن حِلْمِهِ عليه السلام أنه كان يحرص على إسلام أبيه وكبار أعدائه، ويستغفر لهمقبل أن يموتوا على الكفر فيتبرأ منهم، كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض صحابته كانوا يستغفرون لبعض الأقارب، ويدعون لهم بالتوبة والإيمان ولو ماتوا، فلما نزل المنع من ذلك؛ بقوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 80]، وقوله عز وجل: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84]، جزِعَ بعضالصحابة لظنِّهم أنهم أذنبوا باستغفارهم من قبلُ لمن مات على كفره؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا [التوبة: 115]، مؤمنين فيعُدهم من الضالين، ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ [التوبة: 115]، للإيمان بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ثم يكتب عليهم سيئات لم يُنزِلْ عليهم بيانَ تحريمها، ﴿ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: 115]، فإن نزل عليهم بيان ما يحرم عليهم منها، وما يجب عليهم أن يتقوه منها أو يفعلوه فيها، كُتِبت عليهم السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها، ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة: 115]، عليم بنواياكم وأعمالكم وما ينبغي لكم تجنُّبه، وما ينبغي لكم اتقاؤه؛ ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: 19]، وهو إلى علمه بكل شيء يملك كل شيء ملكيةَ إيجادٍ وتحكُّم وتصريف، وإفناء وإعدام؛ ولذلك نبَّه سبحانه إلى هذه الحقيقة الإيمانية بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [التوبة: 116]؛ لأنه خلقهما ودبَّر أمرهما، وقادر على توسيعهما أو تقليصهما أو إفنائهما؛ قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات: 47، 48]، وقال عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: 41]، ثم نبَّه سبحانه إلى ما هو أخطر من إيجاد السماوات والأرض؛ فقال: ﴿ يُحْيِي وَيُمِيتُ [التوبة: 116]، يحيي من يشاء وما يشاء، فيجعله خلقًا جديدًا، ويميت من يشاء وما يشاء، فيرده لعالم الغيب، يحيي قلوبًا اصطفاهم بالإيمان، ويميت قلوبًا علِم ما فيها فأماتها بالغفلة والكفران: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 116]، وليس لكم من غيره سبحانه ﴿ مِنْ وَلِيٍّ [التوبة: 116]، يحفظكم ويتولى أمركم بالتسديد والعون والرعاية، ﴿ وَلَا نَصِيرٍ [التوبة: 116]، ينصركم في مواقف الضعف والحاجة.


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.21 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]