
03-08-2024, 09:22 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,620
الدولة :
|
|
رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله

كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد السابع
الحلقة (286)
صــــــــــ 38 الى صـــــــــــ 44
عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن نسطاس عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار».
(قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: وأخبرنا عن الضحاك بن عثمان الحزامي عن نوفل بن مساحق العامري عن المهاجر بن أبي أمية قال كتب إلي أبو بكر الصديق أن ابعث إلى نفيس بن مكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين يمينا عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قتل ذا دوي.
(قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: أخبرنا مالك عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع إلى مروان بن الحكم في دار فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر فقال زيد أحلف له مكاني فقال مروان لا والله إلا عند مقاطع الحقوق فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر فجعل مروان يعجب من ذلك قال مالك كره زيد صبر اليمين (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): وبلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل وأن عثمان ردت عليه اليمين على المنبر فاتقاها وافتدى منها وقال أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمينه (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -):، واليمين على المنبر مما لا اختلاف فيه عندنا في قديم ولا حديث علمته.
الخلاف في اليمين على المنبر
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فعاب علينا اليمين على المنبر بعض الناس فقال وكيف تختلف الأيمان فيحلف من بالمدينة على المنبر ومن بمكة بين البيت، والمقام؟ فكيف يصنع من ليس بمكة ولا المدينة أيجلب إليهما أم يحلف على غير منبر ولا قرب بيت الله؟ قال فقلت لبعض من يقول هذا القول كيف أحلفت الملاعن أربعة أيمان وخامسة وهو قاذف لامرأته وأحلفت القاذف لغير امرأته يمينا واحدة وكيف أحلفت في الدم خمسين وأحلفت في الحقوق غيره وغير اللعان يمينا واحدة؟ وكيف أحلفت الرجل على فعله ولم تحلفه على غير فعله، ثم أحلفته في القسامة على فعله وما علم فعل غيره؟ قال اتبعنا في بعض هذا كتابا وفي بعضه أثرا وفي بعضه قول الفقهاء (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فقلت له ونحن اتبعنا الكتاب وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآثار عن أصحابه واجتماع أهل العلم ببلدنا فكيف عبت علينا اتباع ما هو ألزم من إحلافك في القسامة ما قتلت ولا علمت؟ قال فإن صاحبنا قال إنما أخذ أهل المدينة اليمين على المنبر عن مروان وخالفوا زيدا فذكرت له ما كتبت في كتابي من قول الله عز وجل وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - فقال لم يذكر صاحبنا هذا وقال إن زيدا أنكر اليمين على المنبر فقلت له فصاحبك إن كان علم سنة فسكت عنها فلم ينصف وإن كان لم يعلمها فقد عجل قبل أن يعلم فقلت له زيد من أكرم أهل المدينة على مروان وأحراهم أن يقول له ما أراد ويرجع مروان إلى قوله (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: أخبرنا مالك أن زيدا دخل على مروان فقال أيحل بيع الربا؟ فقال مروان أعوذ بالله قال فالناس يتبايعون الصكوك قبل أن يقبضونها فبعث مروان حرسا يردونها (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فلو لم يعرف زيد أن اليمين عليه لقال لمروان ما هذا علي وكيف تشهر يميني على المنبر ولكان عند مروان لزيد
أن لا يمضي عليه ما ليس عليه لو عزم على أن يمضيه لقال زيد ليس هذا علي قال فلم حلف زيد أن حقه لحق؟ قلنا، أو ما يحلف الرجل من غير أن يستحلف فإذا شهرت يمينه كره أن تصبر يمينه وتشهر قال بلى قلنا، ولو لم يكن على صاحبك حجة إلا ما احتج به من حديث زيد كانت عليه حجة فكيف وهي بالسنة، والخبر عن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - أثبت؟ قال فكيف يحلف من بالأمصار على العظيم من الأمر قلنا بعد العصر كما قال الله عز وجل {تحبسونهما من بعد الصلاة} وكما أمر ابن عباس ابن أبي مليكة بالطائف أن يحبس الجارية بعد العصر، ثم يقرأ عليها {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} ففعل فاعترفت.
(قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: أخبرنا بذلك ابن مؤمل عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس.
باب رد اليمين
(قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: أخبرنا مالك عن ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا قال فتحلف يهود» (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى - وأخبرنا عبد الوهاب الثقفي وابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ الأنصاريين فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود» (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى - وأخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى - وأخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن رجلا من بني ليث بن سعد أجرى فرسا فوطئ أصبع رجل من جهينة فنزى فيها فمات فقال عمر للذين ادعى عليهم تحلفون خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان فقال للآخرين احلفوا أنتم فأبوا.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمين على الأنصاريين يستحقون بها فلما لم يحلفوا حولها على اليهود يبرءون بها ورأى عمر على الليثيين يبرءون بها فلما أبوا حولها على الجهنيين يستحقون بها فكل هذا تحويل يمين من موضع قد رئيت فيه إلى الموضع الذي يخالفه فبهذا وما أدركنا عليه أهل العلم قبلنا قلنا في رد اليمين.
وقد قال الله عز وجل {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} وقال الله عز وجل {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله} فهذا وما أدركنا عليه أهل العلم ببلدنا يحكونه عن مفتيهم وحكامهم قديما وحديثا قلنا برد اليمين فإذا كانت الدعوى دما فالسنة فيها أن يبدأ المدعون إذا كان ما تجب به القسامة وهذا مكتوب في كتاب العقول فإن حلفوا استحقوا وإن أبوا الأيمان قيل يحلف لكم المدعى عليهم فإن حلفوا برئوا ولا يحلفون ويغرمون، والقسامة في العمد والخطإ سواء يبدأ فيها المدعون، وإن كانت الدعوى غير دم وكانت الدعوى مال أحلف المدعى عليه فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين قيل للمدعي ليس النكول بإقرار فتأخذ منه حقك كما تأخذه بالإقرار ولا بينة فتأخذ بها حقك بغير يمين فاحلف وخذ حقك فإن أبيت أن تحلف سألناك عن إبائك فإن ذكرت أنك تأتي ببينة، أو تذكر معاملة بينك وبينه تركناك فمتى جئت بشيء تستحق به أعطيناك وإن لم تأت به حلفت فإن قلت لا أؤخر ذلك لشيء غير أني لا أحلف أبطلت يمينك فإن طلبتها بعد لم نعطك بها شيئا، وإن حلف المدعى عليه فبرئ، أو لم يحلف فنكل المدعي فأبطلنا يمينه، ثم جاء بشاهدين أخذنا له بحقه، والبينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وقد قيل: إن بعض أصحابنا لا يأخذ له بالشهود إذا حلف المدعى عليه ويقول قد مضى الحكم بإبطال الحق عنه فلا آخذه بعد أن بطل، ولو أبى المدعي اليمين، فأبطلت أن أعطيه بيمينه، ثم جاء بشاهد فقال أحلف معه لم أر أن يحلف لأني قد حكمت أن لا يحلف في هذا الحق، ولو ادعى عليه حقا فقلت للمدعى عليه احلف، فأبى ورد اليمين على المدعي فقلت للمدعي احلف فقال المدعى عليه، بل أنا أحلف لم أجعل ذلك له لأني قد أبطلت أن يحلف وحولت اليمين على المدعي فإن حلف استحق وإن لم يحلف أبطلت حقه بلا يمين من المدعى عليه (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): ولو تداعى رجلان شيئا في أيديهما، وكان كل واحد منهما يدعي كله أحلفت كل واحد منهما لصاحبه فإن حلفا معا فالشيء بينهما نصفان كما كان في أيديهما فإن حلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف قيل: للحالف إنما أحلفناك على النصف الذي في يدك فلما حلفت جعلناه لك وقطعنا دعوى المدعي عليك وأنت تدعي نصفا في يده، فأبى أن يحلف فاحلف أنه لك كما ادعيت فإن حلف فهو له وإن أبى فهو للذي في يديه، ولو كانت دار في يدي رجل فادعى آخر أنها داره يملكها بوجه من وجوه الملك وسأل يمين الذي الدار في يديه، أو سأل أن تكون اليمين بالله ما اشتريتها وما وهبت لي فإن أبى ذلك الذي الدار في يديه أحلفناه بالله كما يحلف ما لهذا المدعي يسميه باسمه في هذه الدار حق بملك ولا غيره بوجه من الوجوه من قبل أنه قد يشتريها، ثم تخرج من يديه ويتصدق بها عليه فتخرج أيضا من يديه وتوهب له ولا يقبضها فإذا أحلفناه كما وصفت فقد احتطنا له وعليه في اليمين (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): وخالفنا في رد اليمين بعض الناس وقال من أين أخذتموها؟ فحكيت له ما كتبت من السنة، والأثر عن عمر وغيره مما كتبت وقلت له كيف لم تصر إلى القول بها مع ثبوت الحجج عليك فيها؟ قال فإني إنما رددتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» وقاله عمر فقلت له وهذا على ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي عن عمر وهو على خاص فيما بيناه في كتاب الدعوى والبينات فإن كانت بينة أعطى بها المدعي، وإذا لم تكن أحلف المدعى عليه وليس فيما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليمين على المدعى عليه أنه إن لم يحلف أخذ منه الحق قال فإني أقول هذا عام ولا أعطي مدعيا إلا ببينة ولا أبرئ مدعى عليه من يمين فإذا لم يحلف لزمه ما ادعي عليه، وإذا حلف برئ فقلت له أرأيت مولى لي وجدته قتيلا في محلة فحضرتك أنا وأهل المحلة فقالوا لك أيدعي هذا ببينة؟ فقلت لا بينة لي فقلت فاحلفوا واغرموا فقالوا لك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اليمين على المدعى عليه» وهذا لا يدعي علينا قال كأنكم مدعى عليكم قلنا وقالوا فإذا حكمت بكأن وكأن مما لا يجوز عندك هي فيما كأن فيه ليس كان أفعلينا كلنا، أو على بعضنا؟ قال، بل على كلكم قلت فقالوا، فأحلف كلنا وإلا، فأنت تظلمه إذا اقتصرت بالأيمان على الخمسين وهو يدعي على مائة وأكثر وهو عندك لو ادعى درهما على مائة أحلفتهم كلهم وظلمتنا إذ أحلفتنا فلم تبرئنا، واليمين عندك موضع براءة، وإذا أعطيته بلا بينة فخرجت من جميع ما احتججت به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر - رضي الله عنه - قال هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر خاصة قلت فإن كان عن عمر خاصا فلا نبطله بالخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر ونمضي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر في غير ما جاء فيه نص خبر عن عمر؟ قال نعم قلنا ولا يختلفان عندك؟ قال لا قلنا ويدلك خصوصه حكما يخرج من جملة قوله أن جملة قوله ليست على كل شيء؟ قال نعم وقلت له فالذي احتججت به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر في نقل الأيمان عن مواضعها التي ابتدئت فيها أثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» والذي احتججت به عن عمر أثبت عنه من قولك في القسامة عنه فكيف جعلت الرواية الضعيفة عن عمر حجة على ما زعمت من عموم السنة التي تخالفه ومن عموم قوله الذي يخالفه وعبت علي أن قلت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رد اليمين واستدللت بها على أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» خاص، فأمضيت سنته برد اليمين على ما جاءت فيه وسنته في البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه ولم يكن في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «، واليمين على المدعى عليه» بيان أن النكول كالإقرار إذا لم يكن مع النكول شيء يصدقه (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): وهو يخالف البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه بكثير قد كتبنا ذلك في اليمين مع الشاهد وكتاب الدعوى والبينات واكتفينا بالذي حكينا في هذا الكتاب، وقلت له فكيف تزعم أن النكول يقوم مقام الإقرار فإن ادعيت حقا على رجل كثيرا وقلت فقأ عين غلامي، أو قطع يده، أو رجله فلم يحلف قضيت عليه بالحق والجراح كلها فإن ادعيت أنه قتله قلت القياس إذا لم يحلف أن يقتل ولكن أستحسن، فأحبسه حتى يقر فيقتل، أو يحلف فيبرأ وقال صاحبك، بل أجعل عليه الدية ولا أحبسه وأحلتما جميعا في العمد وهو عندكما لا دية فيه فقال أحدكما هو حكم الخطإ وقال الآخر أحبسه وخالفتما أصل قولكما أن النكول يقوم مقام الإقرار فكيف زعمتم أنكم إن لاعنتم بين زوجين فالتعن الزوج وأبت المرأة تلتعن حبستموها ولم تحدوها، والقرآن يدل على إيجاب الحد عليها؛ لأن الله عز وجل يقول {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} فبين والله تعالى أعلم أن العذاب لازم لها إذا التعن الزوج إلا أن تشهد ونحن نقول تحد إن لم تلتعن وخالفتم أصل مذهبكم فيه فقال فكيف لم تجعلوا النكول يحق الحق للمدعي على المدعى عليه وجعلتم يمين المدعي يحقه عليه؟ فقلت له حكم الله فيمن رمى امرأة بزنا أن يأتي بأربعة شهداء، أو يحد فجعل شهود الزنا أربعة وحكم بين الزوجين أن يلتعن الزوج، ثم يبرأ من الحد ويلزم المرأة الحد إلا بأن تحلف فإن حلفت برئت وإن نكلت لزمها ما نكلت عنه وليس بنكولها فقط لزمها ولكن بنكولها مع يمينه فلما اجتمع النكول ويمين الزوج لزمها الحد، ووجدنا السنة والخبر برد اليمين فقلنا إذا لم يحلف من عليه مبتدأ اليمين رددناها على الذي يخالفه فإن حلف فاجتمع أن نكل من ادعى عليه وحلف هو أخذ حقه وإن لم يحلف لم يأخذ حقه؛ لأن النكول ليس بإقرار ولم نجد السنة ولا الأثر بالنكول فقط إقرارا ووجدنا حكم القرآن كما وصفت من أن يقام الحد على المرأة إذا نكلت وحلف الزوج لا إذا نكلت فقط اتباعا وقياسا، بل وجدتها لا يختلف الناس في أن لا حد عليها إلا ببينة تقوم، أو اعتراف وأن لو عرضت عليها اليمين فلم تلتعن لم تحد بترك اليمين، وإذا حلف الزوج قبلها، ثم لم تحلف فاجتمعت يمين الزوج المدافع عن نفسه الحد والولد الذي هو خصم يلزمه دون الأجنبي ونكولها عما ألزمها التعانه وهو يمينه حدت بالدلالة لقول الله عز وجل {ويدرأ عنها العذاب}.
في حكم الحاكم
(قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار» (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فبهذا نقول وفي هذا البيان الذي لا إشكال معه بحمد الله تعالى ونعمته على عالم فنقول ولي السرائر الله عز وجل فالحلال، والحرام على ما يعلمه الله تبارك وتعالى، والحكم على ظاهر الأمر وافق ذلك السرائر، أو خالفها فلو أن رجلا زور بينة على آخر فشهدوا أن له عليه مائة دينار فقضى بها القاضي لم يحل للمقضي له أن يأخذها إذا علمها باطلا ولا يحيل حكم القاضي علم المقضي له، والمقضي عليه ولا يجعل الحلال على واحد منهما حراما ولا الحرام لواحد منهما حلالا فلو كان حكم أبدا يزيل علم المقضي له وعليه حتى يكون ما علمه أحدهما محرما عليه، فأباحه له القاضي، أو علمه حلالا فحرمه عليه القاضي بالظاهر عنده حائلا بحكم القاضي عن علم الخصمين كان حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى الأحكام أن يكون هكذا فقد أعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يحكم بينهم بالظاهر وأن حكمه لا يحل لهم ما حرم الله تعالى عليهم، فأصل هذا ما وصفت لك من أن تنظر ما حل لك فإن حكم لك به أخذته وما حرم عليك فحكم لك به لم تأخذه، ولو طلق رجل امرأته ثلاثا، ثم جحد، فأحلفه الحاكم، ثم قضى له بحبسها.
لم يحل له إصابتها ولا لها أن تدعه يصيبها وعليها أن تمتنع منه بأكثر ما تقدر عليه ويسعها إذا أرادها ضربه وإن أتى الضرب على نفسه، ولو شهد شاهدا زور على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا ففرق القاضي بينهما لم يحل لها أن تنكح أبدا إذا علمت أن ما شهدا به باطل ولم يحل له أن ينكح أختها ولا أربعا سواها، وكان له أن يصيبها حيث قدر عليها إلا أنا نكره له أن يفعل خوفا أن يعد زانيا فيحد ولم يكن لها أن تمتنع منه، وكان لكل واحد منهما إن مات صاحبه قبله أن يرثه ولم يكن لورثته أن يدفعوه عن حقه في ميراثه إذا علموا أن الشهود كاذبون وإن كان الزوج الميت فعلى المرأة العدة منه، والبيوع مجامعة ما وصفنا من الطلاق في الأصل، وقد تختلف هي وهي في التصريف فيحتمل أن يكون معناهما لا يفترقان للاجتماع في الأصل ويحتمل أن يفرق بينهما حيث يفترقان ونسأل الله تعالى التوفيق بقدرته
ولو باع رجل من رجل جارية فجحده البيع فحلف كان ينبغي للقاضي أن يقول للمشتري بعد اليمين إن كنت اشتريت منه، فأشهد أنك قد فسخت البيع ويقول للبائع أشهد أنك قد قبلت الفسخ ليحل للبائع فرجها بانفساخ البيع، فإن لم يفعل ففيها أقاويل أحدها لا يحل فرجها للبائع؛ لأنها في ملك المشتري وهذا قياس الطلاق، ولو ذهب ذاهب إلى أن جحده البيع وحلفه يحلها للبائع ويقطع عنها ملك المشتري وأن يقول هذا رد بيع إن شاء البائع حلت له بأن يقبل الرد كان مذهبا، ولو ذهب مذهبا آخر ثالثا وقال وجدت السنة إذا أفلس بثمنها كان البائع أحق بها من الغرماء فلما كانت البيوع تملك بأخذ العوض فبطل العوض عن صاحب الجارية رجعت إليه بالملك الأول كان مذهبا أيضا والله تعالى أعلم وهكذا القول في البيوع كلها ينبغي بالاحتياط للقاضي إن أحلف المدعى عليه الشراء أن يقول له أشهد أنه إن كان بينك وبينه بيع فقد فسخته ويقول للبائع اقبل الفسخ حتى يعود ملكه إليه بحاله الأولى، وإن لم يفعل الحاكم فينبغي للبائع أن يقبل فسخ البيع حتى يفسخ في قول من رأى الجحود للشراء فسخ البيع وقول من لم يره، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل أنه نكحها بشهود وغابوا، أو ماتوا فجحد وحلف كان ينبغي للقاضي أن يبطل
دعواها ويقول له أشهد أنك إن كنت نكحتها فهي طالق إن كان لم يدخل بها وإن كان دخل بها أعطاه شيئا قليلا على أن يطلقها واحدة ولا يملك رجعتها.
وإن ترك ذلك القاضي ولم يقبل ذلك المدعى عليه النكاح، والمرأة والرجل يعلمان أن دعواها حق فلا تحل لغيره ولا يحل له نكاح أختها حتى يحدث لها طلاقا قال وهما زوجان غير أنا نكره له إصابتها خوفا من أن يعد زانيا يقام عليه الحد ولها هي منعه نفسها لتركه إعطاءها الصداق والنفقة فإن سلم ذلك إليها ومنعته نفسها حتى يقر لها بالنكاح خوف الحبل وأن تعد زانية كان لها إن شاء الله تعالى؛ لأن حالها في ذلك مخالفة هو إذا ستر على أن يؤخذ في الحال التي يصيبها فيها لم يخف وهي تخاف الحمل أن تعد بإصابته، أو بإصابة غيره زانية تحد وحالها مخالفة حال الذي يقول لم أطلق، وقد شهد عليه بزور، والقول في البعير يباع فيجحد البيع والدار فيجحد المشتري البيع ويحلف كالقول في الجارية وأحب للوالي أن يقول له افسخ البيع وللبائع اقبل الفسخ فإن لم يفعل فللبائع في ذلك القول يقبل الفسخ فإن لم يفعل ولم يعمل بالوجه الآخر من أنه كالمفلس فله إجارة الدار حتى يستوفي ثمنها، ثم عليه تسليمها إليه، أو إلى وارثه، وكذلك يصنع بالبعير، وإن وجد ثمن الدار، أو البعير من مال المشتري كان له أخذه وعليه تسليم ما باعه إليه إذا أخذ ثمنه فعلى هذا هذا الباب كله وقياسه في النكاح، والبيع وغير ذلك
ولو شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا، وكان الرجل يعلم أنهما كاذبان وفرق القاضي بينهما وسعه أن يصيبها إذا قدر وإن كانت تعلم أنهما كاذبان لم يسعها الامتناع منه وتستتر بجهدها لئلا تعد زانية وإن كانت تشك ولا تدري أصدقا أم كذبا لم يسعها ترك الزوج الذي شهدا عليه أن يصيبها وأحببت لها الوقوف عن النكاح وإن صدقتهما جاز لها أن تنكح والله وليهما العالم بصدقهما وكذبهما، ولو اختصم رجلان في شيء فحكم القاضي لأحدهما فكان يعلم أن القاضي أخطأ لم يسعه أخذ ما حكم به له بعد علمه بخطئه وإن كان ممن يشكل ذلك عليه أحببت أن يقف حتى يسأل فإن رآه أصاب أخذه وإن كان الأمر مشكلا في قضائه فالورع أن يقف؛ لأن تركه وهو له خير من أخذه وليس له، والمقضي عليه بمال للمقضي له إن علم أن القاضي أخطأ عليه وسعه حبسه وإن أشكل عليه أحببت له أن لا يحبسه ولا يسعه حبسه حتى يعلم أن القاضي أخطأ عليه فعلى هذا هذا الباب كله وقياسه وهذا مثل أن يشهد رجلان أن فلانا توفي وأوصى له بألف ويجحد الوارث فإن صدقهما وسعه أخذها وإن كذبهما لم يسعه أخذها وإن شك أحببت له الوقوف وفي مثل هذا أن يشهد له رجلان أن فلانا قذفه فإن صدقهما وسعه أن يحده وإن كذبهما لم يسعه أن يحده وإن شك أحببت له أن يقف وحاله فيما غاب عنه من كل ما شهد له به هكذا، ولو أقر له رجل بحق لا يعرفه، ثم قال مزحت فإن صدقه بأنه مزاح لم يحل له أخذه.
وإن كذبه وكان صادقا بالإقرار الأول عنده وسعه وأخذ ما أقر له به وإن شك أحببت له الوقوف فيه.
الخلاف في قضاء القاضي
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فخالفنا بعض الناس في قضاء القاضي فقال قضاؤه يحيل الأمور عما هي عليه فلو أن رجلين عمدا أن يشهدا على رجل أنه طلق امرأته وهما يعلمان أنهما شهدا بزور ففرق القاضي بينهما وسع أحدهما فيما بينه وبين الله أن ينكحها.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): ويدخل عليه أن لو شهد له رجلان بزور أن فلانا قتل ابنه وهو يعلم أن ابنه لم يقتل، أو لم يكن له ابن فحكم له
القاضي بالقود أن يقتله، ولو شهد له على امرأة أنه تزوجها بولي ودفع إليها المهر وأشهد على النكاح أن يصيبها، ولو ولدت له جاريته جارية فجحدها، فأحلفه القاضي وقضى بابنته جارية له جاز له أن يصيبها، ولو شهد له على مال رجل ودمه بباطل أن يأخذ ماله ويقتله، وقد بلغنا أنه سئل عن أشنع من هذا وأكثر فقال فيه بما ذكرنا أنه يلزمه (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): ثم حكى لنا عنه أنه يقول في موضع آخر خلاف هذا القول يقول لو علمت امرأة أن زوجها طلقها فجحدها وحلف وقضى القاضي بأن تقر عنده لم يسعها أن يصيبها، وكان لها إذا أراد إصابتها قتله وهذا القول بعيد عن القول الأول.
، والقول الأول خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يعرفه أهل العلم من المسلمين (قال): فخالفه صاحبه في الزوجة يشهد الرجلان بزور أن زوجها طلقها ففرق الحاكم بينهما فقال لا يحل لأحد الشاهدين أن ينكحها ولا يحل القضاء ما حرم الله (قال): ثم عاد فقال ولا يحل للزوج أن يصيبها فقيل: أتكره له ذلك لئلا يقام عليه الحد فنحن نكرهه أم لغير ذلك؟ قال لذلك ولغيره قلنا أي غير؟ قال قد حكم القاضي فهو يحل لغيره تزويجها، وإذا حل لغيره تزويجها حرم عليه هو إصابتها فقيل له: أو لبعض من يقول قوله أرأيت قوله يحل لغيره تزويجها يعني من جهل أن حكم القاضي إنما كان بشهادة زور فرأى أن حكمه بحق يحل له نكاحها فهو لا يحرم هذا عليه على الظاهر ويحرم عليه إن علم بمثل ما علم الزوج، وكذلك لا يحرم عليه في الظاهر لو نكح امرأة في عدتها، وقد قالت له ليست علي عدة أم يعني أنه لو علم ما علم الزوج والمرأة أن الشاهدين شهدا بباطل حل له أن ينكحها فهذا الذي عبت على صاحبك خلاف السنة.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): ولا أحفظ عنه في هذا جوابا بأكثر مما وصفت.
الحكم بين أهل الكتاب
(قال الشافعي): - رحمه الله - تعالى: الذي أحفظ من قول أصحابنا وقياسه أنهم لا ينظرون فيما بين أهل الكتاب ولا يكشفونهم عن شيء من أحكامهم فيما بينهم وأنهم لا يلزمون أنفسهم الحكم بينهم إلا أن يتدارءوا هم والمسلمون فإن فعلوا فلا يجوز أن يحكم لمسلم ولا عليه إلا مسلم فهذا الموضع الذي يلزمون أنفسهم النظر بينهم فيه فإذا نظروا بينهم وبين مسلم حكموا بحكم المسلمين لا خلاف في شيء منه بحال، وكذلك لو تدارءوا هم ومستأمن لا يرضى حكمهم، أو أهل ملة وملة أخرى لا ترضى حكمهم وإن تداعوا إلى حكامنا فجاء المتنازعون معا متراضين فالحاكم بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم وأحب إلينا أن لا يحكم فإن أراد الحكم بينهم قال لهم قبل أن ينظر فيه إني إنما أحكم بينكم بحكمي بين المسلمين ولا أجيز بينكم إلا شهادة العدول المسلمين وأحرم بينكم ما يحرم في الإسلام من الربا وثمن الخمر، والخنزير.
وإذا حكمت في الجنايات حكمت بها على عواقلكم، وإذا كانت جناية تكون على العاقلة لم يحكم بها إلا برضا العاقلة فإن رضوا بهذا حكم به إن شاء وإن لم يرضوا لم يحكم فإن رضي بعضهم وامتنع بعض من الرضا لم يحكم (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فقال لي قائل ما الحجة في أن لا يحكم بينهم الحاكم حتى يجتمعوا على الرضا، ثم يكون بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم؟ فقلت له قول الله عز وجل لنبيه {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآية (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فإن جاءوك وجاءوك كأنها على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض وجعل له الخيار فقال

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|