
31-07-2024, 10:25 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,319
الدولة :
|
|
رد: تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية
تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية
مختار خَواجَة
أدوار متعددة
أناطت النقابات المهنية والحرفية بأفرادها مسؤوليات وأدوارا بعضها اجتماعي وبعضها اقتصادي، لكن تلك الأدوار ظلت تحت نظر السلطة وتتحكم فيها -إلى حد ما- بواسطة جهاز “الحِسْبة”، الذي ربما تدخل رئيسه في عملية اختيار النقيب، وخاصة حين يقع خلاف بين المترشحين لمنصب النقابة في إحدى المهن.
ومن وقائع ذلك التدخل ما حصل سنة 895هـ/1490م في القاهرة عندما ترشح محمد بن محمد الكتبي المعروف بابن أبي الفتح (ت بعد 895هـ/1490م) “ليكون رئيس القبّانية، فتحزبوا بأجمعهم عليه ومعهم المحتسب وجماعةُ بابِه (= إدارته)، فأحضره السلطان.. بحضرة القضاة والمشايخ فأبدى في صناعته ما يشهد لانفراده وحصل الثناء عليه، ودام النزاع إلى أن قهرهم ببراعته وقهروه بفجورهم وفحشهم وكونِ المحتسب معهم، ولولا علْمُهم بإقبال المَلِك عليه لكان ما لا خير فيه”؛ وفقا للسخاوي في ‘الضوء اللامع‘.
ورغم أنه لم يكن بمقدور أي نقابة أن تغالب الحكومات في تلك الحقبة؛ فإن هذه النقابات كان مطلوبا منها أداء أدوار اجتماعية واقتصادية محددة سواء لصالح الأعضاء، أو لصالح الدولة، أو لصالح المجتمع بصورة عامة. وهذا مستوى لا يقل عن الأثر الذي تمارسه النقابات في عالمنا اليوم، ويلاحظ أن هذا الدور نما مع انحلال مركزية الخلافة بل وضعف الدول المستقلة ذاتيا عنها.
فمن جهة الواجبات المتعلقة بالصنعة والمهنة؛ كان يُفترض في عريف كل مهنة الإحاطة الكاملة بواقعها وتفاصيل شؤونها وأوضاع منتسبيها، وتقديم الحلول للحكومة فيما يتعلق بإشكالياتها.
ولعل من أولى وقائع ذلك ما جاء في ‘المواعظ والاعتبار‘ للمقريزي من أن والي مصر الصحابي الجليل مسلمة بن مخلد الأنصاري (ت 62هـ/682م) رضي الله عنه بنى مآذن لجامع عمرو بن العاص بالفُسطاط، “واعتكف فيه فسمع أصواتَ النواقيس (= أجراس الكنائس) عاليةً، فشكا ذلك إلى شُرَحْبِيل بن عامر (المُرادي ت بعد 62هـ/682م)، وكان فيها أيامَ ولاية عريف المؤذنين”، فأوجد له حلًّا بأن يؤذن من منتصف الليل للفجر أذانا أول، وأن يُنهَى أصحاب الكنائس عن ضرب النواقيس وقت الأذان، فطبق تلك المقترحات وحُلت المشكلة.
وقد يُستدعَى النقيب للإدلاء بشهادته فيما يتعلق بمهنته وضبط سير مسؤوليات النقباء، ومن أقدم أخبار ذلك ما حصل أواسط القرن الأول الهجري/السابع الميلادي في قضية جرت بالكوفة في “سوق السنانير” و”سوق الدجاج”؛ إذْ استدعى القاضي شُرَيْح بن الحارث الكِنْدي (ت 73هـ/693م) عريفيْ السوقين، فسألهما عن حقيقة المشكلة “فأصاب فيها عريف سوق السنانير، فجمع له شريح [نقابتيْ] السوقيْن”؛ طبقا للقاضي وَكِيع الضبي في كتابه ‘أخبار القضاة‘.
وربما أوكِل إلى العريف تنظيمُ العمل في المشروعات الكبرى، كما قد يدخل الإشراف الفني على الإنشاءات العامة وضبط ميزانياتها في أعمال “شيخ السوق”؛ فعمارة أحد المساجد بدمشق سنة 892هـ/1487م أسنِدت إلى “شيخ سوق الدهشة أحمد الملقب بحاتم”؛ وفقا لعبارة المؤرخ ابن طولون (ت 953هـ/1546م) في ‘مفاكهة الخلان‘. وبهذا تحول “شيخ السوق” إلى ما يشبه المسؤول البلدي أو رئيس الحي في بعض التنظيمات الحضرية الحديثة.
كما كان أهل كل مهنة مسؤولين عن جودة صناعتهم ضمن الدور الرقابي والأخلاقي المهني الذي كان يناط بالعريف/النقيب حمايةً للمستهلكين، واعتمدت سعة صلاحيات العريف وفعّالية دوره على حدود سلطات “المحتسب”، ففي بغداد مثلا توسعت سلطات المحتسب بحيث لا يكاد يظهر لفظ العريف أو شيخ السوق.
ولذا يرد في ‘مجمع الآداب‘ للمؤرخ الفُوَطي أن المحتسب كمال الدين محمد بن محمد (ت قبل 723هـ/1323م) كان “يتقدم إلى الخبازين والطاهين وباعة الإدام بتنظيف آلاتهم وتهذيب أدواتهم، وإلى أصحاب الصنائع في الأسواق بأداء الأمانة فيما يعملونه، ويأخذ على الجزارين أن يتخيروا ذبائحهم، ويشحذوا مُداهم (= سكاكينهم) وصفائحهم، ويأخذ أربابَ المحال بتطريق (= تعبيد) سُبُلهم وتنظيفها؛ إلى غير ذلك”.
صلاحيات محددة
أما في بلاد الشام -التي ورثت كثيرا من تقاليد النظام الفاطمي في الإشراف على المهن والحِرف- فقد سمحت فيها الدولة الأيوبية بالتقنين الرسمي لعلاقة العريف بالمحتسب، كما نجده في كتاب ‘بلوغ الرتبة الظريفة في الحسبة الشريفة‘ للمحتسب الشافعي ابن نصر الشَّيْزَري، الذي ينص على أنه من صلاحيات المحتسب “أن يجعل لأهل كل صنعة عريفا من صالح أهلها”.
وعلّل ذلك بكون الصناعات متشعبة وفيها تفاصيل خفية قد لا يتمكن المحتسب من الإلمام بحقيقتها ليحكم عليها؛ يقول الشَّيْزَري: “ولما لم تدخل الإحاطة بأفعال السُّوقة (= أهل السوق والصنائع) تحت وُسْع المحتسب؛ جاز له أن يجعل لأهل كل صنعة عريفا من صالح أهلها، خبيرا بصناعتهم، بصيرا بغُشوشهم وتدليساتهم، مشهورا بالثقة والأمانة”.
أما مهام النقيب أو العريف؛ فينبغي له أن “يكون مشرفا على أحوالهم، ويطالعه (= يبلغ المحتسبَ) بأخبارهم، وما يُجلب إلى سوقهم من السلع والبضائع، وما تستقر عليه من الأسعار، وغير ذلك من الأسباب التي يلزم المحتسب معرفتها”. وبهذا فعريف الصناعة مسؤول عن المحافظة على أخلاقيات المهنة، وضمان الشفافية في الممارسات المهنية، ومراقبة الأسعار والبضائع والسلع ضمن اختصاصه، وتبليغ أخبار أهل صناعته إلى السلطة الوصية عليه.
ومن الناحية الاقتصادية؛ كان للنقابات التجارية والصناعية أثرها في التحكم في الأسعار وتقييم البضائع وتثمينها، وقد قبل الفقهاء -وخاصة القائلين منهم بإباحة تسعير السلع والخدمات المختلفة- باستشارة رجالات المهن المختلفة، فيما يشبه اليوم الرجوع إلى “بيوت الخبرة” ومكاتب الاستشارات التخصصية؛ فربط الفقهاء ذلك بشرط استشارة “وجوه السوق” أي أعيانه وشيوخه، والوصول إلى ما فيه ربح مقبول للباعة ورخصٌ مناسب للعامة.
وفي ذلك يقول الفقيه المالكي محمد ابن يونس الصَّقَلي (ت 451هـ/1060م) في ‘الجامع لمسائل المدوَّنة‘: “فينبغي للإمام العادل -إن أراد أن يُسعِّر شيئا من ذلك- أن يجمع «وجوه سوق» ذلك الشيء، ويحضر غيرهم [من الخبراء] استظهارا (= تأكيدا) على صدقهم”. ويسألهم عن الحركة التجارية والبيع والشراء ليضع قواعد عادلة للتسعير.
ويضيف الصَّقَلي أنه عند مخالفة البائع بزيادته الأسعار لما اتُّفِق عليه فإن للمسؤول عن شؤون السوق أن “يؤدِّب المعتدي ويخرجه من السوق..، ويكشف (= يفتش) الإمام (= السلطة) كلَّ حين على السعر، فإن زاد أو نقص عاودهم في التسعير على ما ذكرنا”.
وقد يناظر رؤساءُ المهنة غيرَهم دفاعا عن مهنهم أمام الآخرين، كما حصل حين ناظر ابن تيمية المنجّمين؛ فقال عن ذلك في ‘مجموع الفتاوى‘: “وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، [فـ]ـقال لي رئيس منهم: والله إنا نكذب مئة كذبة حتى نصدق في كلمة”!! وهذا يشبه تقليد تنقيح ممارسات المهنة في الملتقيات العلمية المهنية التي تُعقد اليوم.
أما فض المنازعات والمحاكمة لمخالفي المهنة وإصدار العقوبات بحقهم، وكل ما يتصل بقضايا المهنة من غش تجاري وحل منازعات بين الحرفيين أنفسهم وبينهم وبين الدولة؛ فهي تقاليد تطورت تدريجيا.
ولعل أقدم إشارة إلى هذه الصلاحية تلك الواردة عند الشَّيْزَري في كتابه ‘نهاية الرتبة‘، حيث يشير إلى أن من واجبات العريف مساعدة المحتسب في مكافحة الغش، فيقول: “ويعتبر (= يختبر/يفتش) عليهم ما يفعلونه ويغشّون به الصبغ، ويعرض ذلك على عريفهم”، أي نقيبهم بوصفه ضامنا لاستقامتهم وسلامة صنعتهم.
وظائف قضائية
أما نقباء القيساريات -وهي مجمعات تجارية كانت تباع فيها السلع الفاخرة- فقد كانوا مسؤولين عن الجانب الأمني للسوق؛ فقد وقعت سرقة عام 734هـ/1333م باتفاق بين لص وصانع أقفال وحارس سوق، وتسببت في كارثة في “قيسارية جهاركس” بالقاهرة، حيث فقد كثير من التجار كميات كبيرة من الأقمشة والأموال، و”ألزَم والي القاهرة «عريفَ قيسارية جهاركس» ألا يسكن بها تاجرا حتى يضمن عليه”؛ طبقا للمقريزي في كتابه ‘السلوك‘.
وربما ألزمت الحكومةُ نقيبَ مهنة ما بالتحري في سلوك أعضاء نقابته وتعاملاتهم مع من يرتكبون جرائم معينة؛ فقد تشدد والي القاهرة الأمير المملوكي سيف الدين قدادار (ت 730هـ/1330م) سنة 724هـ/1324م في مطاردة شاربي الخمور ومصنّعيها في البيوت، فـ”أحضر «عريف الحمّالين» وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب، فلما حضروا عنده استمْلاهم (= استكتبه) أسماء مَنْ يشتري العنب ومواضع مساكنهم”، وبهذا حدَّد مَن يجلبون العنب لصناعة الخمور منه في بيوتهم بتحقيق مباشر وظّف فيه الحمّالين بواسطة نقيبهم.
وكانت المحاكمات تعُقد لمرتكبي المخالفات من أصحاب المهن المختلفة، وهناك درجات من العقوبة يُسمح للنقيب عادة بإيقاعها على المخالفين، وتتضمن “التعزير” الذي هو عقوبة تقديرية بدنية أو مالية، فعندما تجري مخالفة كالغش التجاري في منتجات حرفة ما يحاكِم مرتكبَها نقيبُ تلك الحرفة. ومن الوقائع التاريخية في ذلك ما جرى عام 894هـ/1489م من معاقبة شيخ “سوق الجُوخيين” بدمشق لأحد منتسبي مهنته “لأجل تدليسه في بيع الجُوخ (= نسيجُ صوفٍ)”؛ حسب ابن طولون.
وسبق أن ذكرنا أنه كان يحق لـ”أمين الأمناء” في تونس أن يعاقب “بالحبس والضرب” كل من يخالف الأعراف التجارية في البلد. وهذا يفيد بتعدد مستويات الاختصاص القضائي؛ فما كان داخلا في دائرة الإخلال بأعراف المهنة كان لأمين الأمناء الحكم فيه، وما كان متعلقا بالحكم الفقهي فإنه يوكل إلى القضاء للبت في نزاعاته، وإن كان نقباء المهن غالبا ما يقومون بما يشبه عمل نقابة المحامين في الدفاع عن منتسبي مهنهم وصنائعهم.
وتطورت النقابات في تونس فتأسس فيها مجلس للمهن التجارية، يمكن وصفه بأنه غرفة تجارة متكاملة ذات وظيفة نقابية مثل نقابة التجاريين في عصرنا؛ فقد توسعت صلاحيات “مجلس العشرة” المهني وأحيلت إليه بعض أعمال المحتسب.
وفي ذلك يقول العلامة محمد كرد علي (ت 1373هـ/1953م) -في مقالة له بعنوان “أخبار وأفكار” منشورة في العدد 61 من مجلة ‘المقتبس‘- إنه “جُعلت بعض أعمال المحتسب في تونس بيد مجلس العشرة الأعيان” الذي كان معظم أعضائه من ذوي الأصول الأندلسية، “وإليهم يرجع الأمر في فصل قضايا التزوير في الشواشية (= صناعة القبعات/الطواقي) والإشراف على عملها أن يكون صباغها جيداً، وكان نقيب حرفة الشواشية تحت أمرهم”.
كما دخل في اختصاصات مجلس العشرة “النظر في غش البضائع، وهو يحكم على الجيد منها والعاطل فيما إذا حدث اختلاف بين البائع والمشتري، وذلك بوساطة أمين التجار”، إلا أن أعضاءه يتقاضون راتبا، كما أن ممثل مدينة جِرْبة في تونس -وهو من يهودها- لا يحضر إلا عند مناقشة القضايا التجارية فقط.
وهو ما يعني أن غير المسلمين كان من الشائع منحهم حق العضوية في النقابات المهنية، كما سبق القول عن وجود “عريف للذميين” منذ القرنين الأولين للهجرة؛ بل إنهم كانوا يتولون رئاسة بعض النقابات ذات المكانة العالية مثل نقابة الأطباء، ومن نماذج ذلك أن الطبيب “فتح الدين فتح الله بن معتصم بن نفيس الإسرائيلي (= اليهودي) الداوودي (ت 814هـ/1411م).. كان رئيس الأطباء” في مصر؛ وفقا للمؤرخ زين الدين المَلَطي (ت 920هـ/1514م) في كتابه ‘نيل الأمل‘.
وقد دفعت هذه التعدديةُ الدينية الرحبةُ في النقابات المهنية الإسلامية المستشرقَ برنارد لويس للاعتراف بأن “الميزة الثالثة في الطوائف (= النقابات) الإسلامية هي كونها تضم أفرادا من مختلف الطوائف. فبينما أبعدت الطوائف الأوروبية من صفوفها حتى المسيحيين المختلفي المذاهب؛ نجد الطوائف الإسلامية مفتوحة لليهودي والمسيحي والمسلم على السواء، بينما تجد بعض الطوائف الإسلامية تسودها الأغلبية غير المسلمة”.
سابقة فريدة
على أن مما يكمل زوايا التفرد في تلك التعددية النقابية الإسلامية أنها لم تكن شاملة فقط للطبقات المجتمعية والطوائف الدينية، بل امتدت أيضا لتشمل الجنسين من الرجال والنساء وبأعلى مستوى في الهرمية النقابية؛ فتلاقينا نقيبات نسائيات في غير ما مجال مهني وحِرَفي، بما في ذلك مجال كالغِناء الذي ربما تولت نقابتَه (نقابة الفنانين) امرأةٌ كانت تسمى “ضامنة المغاني” (= المغنيات)؛ طبقا للإمام ابن الحاج المالكي (ت 737هـ/1337م) في كتابه ‘المدخل‘.
ومن ذلك أيضا في الحقل الطبي نموذج الطبيبة المصرية فاطمة بنت شهاب الدين ابن الصائغ الحنفي (توفيت بعد 1036هـ/1627م)، التي كانت وحيدة والدها الذي تولى “مشيخةَ الطب بدار الشفاء المنصوري ورياسة الأطباء”؛ حسب المؤرخ محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي (ت 1111هـ/1699م) في كتابه ‘خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر‘. والمقصود بـ”دار الشفاء المنصوري” هنا هو ما يُعرف بـ”المارستان المنصوري”، أي المستشفى الذي أنشأه السلطان المملوكي المنصور قلاوون (ت 689هـ/1290م) في القاهرة سنة 684هـ/1285م.
وقد أخذت هذه السيدة المصرية مهنة الطب عن أبيها فبرعت فيها إلى درجة أنها أصبحت المرجع الأول للقضايا الطبية بمصر، ولذلك فإنه بمجرد وفاته سنة 1036هـ/1627م “تولَّتْ مكانَه مشيخةَ الطب”؛ طبقا للمحبي. وبذلك تكون جمعت -على غرار أبيها- بين مسؤولية نقابة الأطباء والإدارة العامة لمؤسسة طبية عظمى، حتى إن المؤرخ الأميركي وِلْ ديورانت (ت 1402هـ/1981م) -في كتابه ‘قصة الحضارة‘- يصفها بأنها “أعظم مستشفيات العصور الوسطى على الإطلاق”!!
وقد يحصل أن تتدخل السلطة لفض نزاع بين “عريف” نقابة عمالية وأحد العاملين في حرفته، وتستأثر القاهرة بأقدم واقعة نزاع من هذا القبيل بين “عريف الخبّازين” وأحد بائعي الخبز، فوقفت السلطة القضائية بجانب العامل المظلوم وعزلت النقيب الذي قاد التحقيقُ القضائي في الواقعة إلى أنه هو الظالم، “فأمر القاضي بصَرْف (= إقالة) ذلك العريف، وأن يغرّم ما أخذ من الخباز”؛ وفقا للمقريزي في ‘اتّعاظ الحنفاء‘.
وقد شهدت منطقة الأناضول إضافات هامة في صلاحيات النقابات في العهد العثماني؛ إذْ أوكِلت إلى رئيس الحرفة المهام التي راجت في العصر المملوكي من الأمور الإدارية والمالية وحلّ النزاعات.
ويقول عبد العزيز الدوري -في مقاليْه المشار إليهما نقلا عن مصادر تركية متنوعة ترجع للقرن الثالث عشر الهجري/الـ19م- إن نقباء الحرفيين أصبحوا في بعض مناطق الأناضول يشرفون على ترقية الأعضاء من رتبة لأخرى، وكان النقيب ذا مكانة تسمح له أيضا بعرض المسائل على الجهات المختصة حكوميا.
ويبدو أن بعض النقابات كانت تضيق أحيانا بتزايد أعداد المنخرطين في صناعتها، وتسعى لإغلاق الباب دون ذلك احتكارا لمجالها المهني؛ وهو ما واجهه الفقهاء بقوة فنصّوا على “عدم جواز ما عليه أهلُ بعض الصنائع والحرف مِن منْعهم مَن أراد الاشتغال في حرفتهم وهو مُتْقِن لها أو أراد تعلمها”؛ حسب الإمام ابن عابدين الدمشقي الحنفي (ت 1252هـ/1836م) في ‘رد المحتار على الدر المختار‘.
وتطورت الإجراءات التنظيمية لنقباء الطوائف الحرفية المختلفة في دمشق؛ فكان المنصب الأعلى الجامع لنقبائها والمسمى “شيخ المشايخ” (= رئيس اتحاد النقابات العمالية) متوارثا داخل عائلة العجلاني الدمشقية حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري/الـ19م؛ طبقا للدوري الذي يذكر أن هذه العائلة “تعين المشايخ لأكثر من مئتيْ حرفة، وتأمر وتنهي وتقاصّ وتفصل في كل مسألة وتحسم كل مشكلة”.
وكانت لدى “شيخ المشايخ” هذا “سلطة سجن رجال النقابة أو جلدهم”، ومن مظاهر قوة سلطته أنه “لم يكن ممكنا إقالته أو استبداله”، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنه كان “يعتمد.. على وقف وراثي”.
إسهام مجتمعي
وقد ظهر الدور السياسي والاجتماعي للنقابات المهنية بصورة بارزة في عدة حقب؛ ونذكر من مظاهر ذلك مشاركة منتسبيها في الجهاد متطوعين ضمن الجيش النظامي، وهو ما يؤكده الدوري -في مقاليْه المشار إليهما سابقا- بقوله إنه “كان الجهاد في الأناضول والحرب على الحدود الإسلامية البيزنطية خير دافع لامتزاج تقاليد الفتوة بالمبادئ الروحية الصوفية وبتقاليد الحرفة”.
وأدت النقابات -ممثلة بجماعات الفتيان الآخية في الأناضول وتجمعات الصناعيين بأصفهان وشيراز ببلاد فارس- أدوارا هامة في حماية الأمن الاجتماعي وإيواء الغرباء، وإيجاد مناخ إيجابي تعيش فيه الحرف وتتطور، ويكفل الأمن الأخلاقي والفتوة والمروءة والحفاظ على السلوك العام، ويحمي مقومات الحياة الاجتماعية المنضبطة.
ولذا ساهمت النقابات الحرفية في مقاومة الظلم وتعديات رجال السلطة وأشرار المجتمع، وخاصة نقابات الأناضول الذين يصفهم ابن بطوطة قائلا: “لا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالا (= اعتناءً) بالغرباء من الناس، وأسرع إلى إطعامهم الطعام وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشُّرَط (= الشرطة) ومن لحق بهم من أهل الشر”.
كما اتخذ بعض أرباب الحِرَف من الإضراب المهني وسيلة لمقاومة المظالم التي قد تلحقهم، وهو ما يدل بوضوح على انتظامهم في نقابات توحّد مواقفهم حتى تتحقق مطالبهم؛ فالراغب الأصفهاني (ت 502هـ/1108م) يحدثنا -في ‘محاضرات الأدباء‘- عن أن “الحجّامين (= الحلّاقين) بِقُمْ (= في إيران) في بعض الأوقات غضبوا، فاجتمعوا وخرجوا من البلد حتى طالت شعور أهلها، واضطروا إلى أن خرجوا إليهم وقبّلوا الأرض بين أيديهم، وحلفوا لهم ألا يؤذوهم ولا يلقّبوهم [بألقاب مُهِينة]؛ فرجعوا” إلى محلات مهنتهم بالمدينة!!
ومن تجليات الدور الاجتماعي للنقابات المهنية أن منتسبي النقابات الحرفية كانوا رافعة اجتماعية ضمنت حماية الفقراء وإسعافهم وتمكنت من الحد من المظالم المجتمعية، وهذا ما يمكن فهمه في سياق فوضى ما بعد الهجمات المغولية والتيمورية في القرون السابع والثامن والتاسع الهجرية/الـ13 والـ14 والـ15 الميلادية.
ففي هذه الحقبة؛ تولت النقابات واجبات متنوعة كانت تتضمن ما يشبه التأمين الصحي والتعليمي، كما برزت ظاهرة تأسيس صناديق الإيرادات المالية من بدل الإيجارات والأوقاف والوصايا، واشتراكات الأعضاء والتبرعات. ويذكر كتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘ أن الحمالين في المغرب كانوا يجمعون مكاسبهم جماعيا، وفي نهاية الأسبوع يوزع عليهم جميعا المبلغ المتحصل في الصندوق.
ويورد عبد العزيز الدوري -في مقاليْه المشار إليهما- قائمة بحسابات حلّاجي القطن بمدينة سيروز في الأناضول خلال القرن الثاني عشر الهجري/الـ18م، وما كانت تصرف فيه أموال “صندوق الحرفة” من تكافل اجتماعي بين أصحاب المهنة الواحدة، وأيضا رعاية لفقراء مدينتهم.
ونلاحظ في تلك المصروفات شموليتها للجوانب الصحية والتعليمية، بل وحتى التعويضات عن الخسائر الناتجة عن الحوادث، وصرف معاشات التقاعد والضمان الاجتماعي لغير القادرين من أهل الحرفة، علاوة على صرف الصدقات للمجتمع باسم منتسبي النقابة.
المصدر : صفحة تراث - الجزيرة نت
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|