عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-07-2024, 04:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حل إشكالات الإنتصار

حل إشكالات الإنتصار




وضاح أحمد الحمادي

قال رحمه الله ص105 : (قول مالك رحمه الله بأنه يهراق الماء ويؤكل الطعام ، لم يقع تفريقه فيه بينهما لعلة نجاسة الماء ، إلا لورود السنة في جواز إراقة الماء ، وإن لم يكن نجساً ، وهو ما رواه أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول الله! إني لا أروى من نفس واحد؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس، قال: فإني أرى القذاة فيه؟ قال: فأهرقها. فقد أجاز إراقة الماء وهو طاهر لأجل القذاة ، وولوغ الكلب أشد قذاة)
أقول : هذا الحديث فيه إهراق قدر من الماء تخرج به القذاة لا إهراق جميع الماء ، مع جواز أن لا يريق ذلك المقدار ويشربه كما دل عليه حديث سقوط الذباب في الشراب ، وحديث الولوغ فيه أمر بالإهراق والأصل فيه الوجوب ، ومقتضاه عدم جواز الإنتفاع بذلك المائع أو الماء ، فلو كان الإهراق لمجرد التقذر مع الحكم بالطهارة لما وجب ولجاز الإنتفاع بالماء الذي حكمتم بطهارته ، فكيف إذا انضم إليه الأمر بغسل الإناء لمجرد أن الماء الطاهر الذي ولغ فيه الكلب كان فيه ؟
فإن قيل : قد قدمنا أنه تعبد.
قلنا : فلا ينفعكم الإستدلال بهذا الحديث هنا ، لأنه ليس تعبدياً كما يدل عليه السياق ووجه استدلالكم به أيضاً.
فقولكم : (
فقد أجاز إراقة الماء) فرق مؤثر بين المسألتين بحيث يوجب منع قياس إحداها بالأخرى.
ثم قولكم : (
وولوغ الكلب أشد قذاة) ما معناه ؟
إن قلتم : أشد قذراً .
قلنا : فالنجاسة هي القذر الذي يجب غسله ، فما زاد تعليلكم هنا على أن أثبت التنجس بولوغ الكلب ، حيث دل الحديث على وجوب غسله ودل كلامكم هنا على تعليل وجوب الغسل بقذارته.
ثم نقول : أن الناس متفاوتون في الإستقذار وعدمه ، فقد يستقذر زيد ما لا يستقذره عمرو ، ألا ترى مالك لم يستقذر ولوغ الكلب وقال : (
لَا يُغْسَلُ مِنْ سَمْنٍ وَلَا لَبَنٍ وَيُؤْكَلُ مَا وَلَغَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ) وغيره يستقذره غاية الإستقذار والشارع أمر الجميع بالغسل ، فكيف يأمر الشارع عموم الأمة بالإراقة والغسل من أجل علة غير مطردة في جميعهم ؟ فدل على أن الغسل هو لقذارته عند الشارع وهو مرادنا بالنجاسة ، لا لقذارته في طباع الناس فقط لاختلافهم فيه.
ثم قال رحمه الله : (
ثم أوهم هذا الجاهل من لم يكن له رسوخ في العلم من الأغمار أن عكس المسألة على مالك فقال : أرأيت إن قال قائل : إن الطعام يهراق لأنه نجس ، إذ هو غير مطهر لغيره ، والماء يشرب ، ويستعمل ، إذ هو مطهر لغيره ، وأن السنة وردت أن الماء لا ينجسه شيء؟ فأوهم هذا الكلام غير ذوي الأفهام ، وهذا الكلام الذي قاله خارج عن الإجماع ، لأن الشافعي ـ رحمه الله ـ يقول بنجاسة الكلب والماء الذي ولغ فيه ، لأن الماء عنده مال لم يكن خمسمائة رطل ينجسه قليل النجاسة ، وإن لم يتغير ... ) ص105-106
أقول : قال المعترض كما تقدم (
وإذا جاز لغيرهم أن يقول : بل يهرق الطعام وحده ، ويترك الماء ولا يهرق، وهو أعذر ؛ لأن الماء قد جاء الحديث أنه لا ينجس ما لم يتغير ريحه أو لونه أو طعمه ...) ص 99-100 ، فكلامه صريح بأنه غير قائل بهذا القول حال اعتراضه ، ثم إنه صريح في كون هذا القول غير جائز عنده كقول مالك في المسألة ، إلا أن صاحبه أعذر.
وهذ المقدار لم يرده ابن الفخار رحمه واقتصر على أن لا قائل به ، وهذا ليس بمستحسن إذ ليس من شرط الإلزام أن يكون المُلْزِم قائلاً به أو يكون ثمة من قال به أصلاً ، بل الأصل أن يكون الإلزام باطلاً في نفسه مع صحة الإلزام نفسه كما تراه واضحاً في قوله : "يلزم منه كذا وهو باطل فملزومه مثله" فمراد المعترض على المالكية أنه إذا قال قائل : يجب إراقة الطعام لتنجسه دون الماء لرفعه النجاسة ، يكون أولى بالعذر ممن قال يراق الماء دون الطعام ، ولما كان قوله باطلاً كان قول المالكية أبطل.
ثم قال رحمه الله : (
ثم نرجع إلى أصحاب الشافعي ، فإن قالوا : إن الكلب ما ولغ فيه نجس ، وإن جاء غسل الإناء بعدد من الغسل لا يدل على أنه تعبد دون نجاسة ... )
ثم ذكر استدلالهم بالاستنجاء من البول والغائظ مع مجيء العدد فيه وعدم دلالته على التعبد دون النجاسة فأراد أن يُبْرِزَ فرقاً غير موجود فقال : (
قيل لهم : أيجوز عندكم في ولوغ الكلب أن يغسل الإناء أكثر من سبع مرات أو أقل من سبع ؟ ... ) وحين سأل عن الإستنجاء قال : (فهل يجوز عندكم إذا استنجى من الغائط ثلاث مرات ولم ينقِ ما هنالك ، أيقتصر على ثلاث ولا يزيد شيئاً ؟)فأطلق السؤال عن نجاسة الكلب وقيده في الاستنجاء بما إذا لم ينقِ ، فتحصل له جوابين مختلفين ، في الأول لا تجوز الزيادة ولا النقصان ، وفي الثاني تجب الزيادة حتى ينقي ، وفي الحقيقة لم يفرق الشافعية فإنه يجب عندهم الزيادة على السبع متى علم بقاء نجاسة ولوغ الكلب ، كما تجوز الزيادة على الثلاثة في الاستنجاء متى علمنا عدم الإنقاء.
أما النقصان فقال رحمه الله : (
قيل لهم : إن أنقى بحجر أو بحجرين : أيجوز عندكم الاقتصار على ذلك ، أم يبلغ ثلاثة أحجار ؟ قالوا : إذا زال النجو ، جاز ذلك مع وجود الإنقاء.قيل لهم : فليس الغرض في الاستنجاء العدد ، فأي علة جمعت بين الاستنجاء وغسل الإناء من ولوغ الكلب؟ وقد وقعت التفرقة بينهما على قولكم وفعلكم)
أقول : ليس هذا جواب الشافعية فإن مذهبهم عدم الاكتفاء بأقل من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء ، تماماً كما في الغسل من ولوغ الكلب.
وعلى فرض أنه قولهم فجواب قوله : (
فأي علة جمعت بين الاستنجاء وغسل الإناء من ولوغ الكلب؟ وقد وقعت التفرقة بينهما على قولكم وفعلكم) هو الأمر بالغسل.
فإن قال : استدلالكم كان بالتسوية بين الغسل من الولوغ والاستنجاء بالتعدد في الجميع ، وقد بان أن التعدد في الغسل من الولوغ غيره في الاستنجاء.
قلنا : قد دل الأمر بالغسل على النجاسة ، ولم يُفِدْ التعدد في اللاستنجاء عدم النجاسة ، فكذلك في الغسل من الولوغ ، ولا نمنع أن يختلف سبب التعددين في الحالين ، بل نمنع أن يكون التعدد مانعاً من الحكم بالنجاسة.
ولإيضاحه نسأل : ما الفائدة من الأمر بالثلاث في الاستنجاء إن كان يجوز الاقتصار على أقل منها إذا حصل الإنقاء؟ ولِمَ لَمْ يقتصر الشارع على الأمر بإزالة عين النجاسة فمتى حصلت توقفنا عن المسح؟
إن قيل : تعبد ؟
قلنا : فكذلك هو في الغسل من الولوغ.
وإن قيل : لأن حصول الإنقاء يحصل غالباً بالثلاث.
قلنا : وكذلك في الغسل من الولوغ ، غايته أن السبع هنا حتم لعدم تميز نجاسة الكلب عما ولغ فيه ، وهناك مستحب لإمكان معرفة الإنقاء بالحس فيكفي.
ثم لماذا لا يجوز أن يكون الأمر بالغسل دال على النجاسة والتعدد في كلٍّ منهما له علته التي تخصه؟
ثم قال رحمها لله : (
فإن قلتم : إن زال النجو بحجر ، لم يجز الاقتصار على حجر ، حتى يبلغ ثلاثة أحجار. قيل لهم : قد ورد الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بحجرين ، وروى عنه أنه قال : "من استجمر فليوتر" وأقل الوتر واحد ، فلهذا لم تكن الثلاثة الأحجار حتماً ، لكن في أغلب الحال قد تنقي ...) ص108.
أقول : الأمر بالثلاث يفيد الوجوب اتفاقاً ما لم يأتِ صارف ، وقوله "فليوتر" عام يشمل الإيتار بواحد والإيتار بغيره ، فكيف يكون العام صارفاً للخاص والتخصيص ممكن ؟ وفي هذا الصرف إخراج للحديث عن ظاهره من غير موجب.


وأخيراً الدليل على نجاسة الكلب حديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ»وروي بلفظ : أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»
والحديث صحيح باللفظين.
والأمر بالغسل فيهما دالٌّ دلالة ظاهرة على النجاسة ، حيث لا دليل على النجاسة في غيره كالمذي ودم الحيض وغيره سوى الأمر بالغسل ، وكيف يكون التشديد فيه والتغليظ فيه دالٌّ على عدم النجاسة ؟ والحمل على التعبد مع إمكان التعليل خروج عن الأصل ، كيف لو كان العذر الذي من أجله تركوا ظاهر الحديث هو التغليظ في الغسل ، والتغليظ أدل على النجاسة منه على التعبد ، لذا حكم بعض الأئمة الفقهاء على أن نجاسة الكلب أشد من نجاسة غيره ، ولم يعكسوا.
ويدل عليه أيضاً أمره صلى الله عليه وسلم بإراقة ما في الإناء ، وهو ممكن التعليل بتنجسه ، فهو مقوٍّ للدلالة الحديث على النجاسة.
ويزيده قوة على قوة رواية "طهور إناء أحدكم ... " الدالة على نجاسة الإناء ، ورام ابن الفخار رد دلالته بأن الله سمى الغسل من الجنابة طهوراً مع أن المؤمن لا ينجس.
وهذا تمحل ، فإن غايته أن يدل على صلوح الطهور لرفع النجس والحدث ، ونزيده فنقول : ويجوز أن يطلق التطهر ويراد به التطهر من الذنوب ، وجميع هذه المعاني وغيرها هي بالنظر إلى لفظة طهور حال الإطلاق وعدم الإقتران بما يدل على بعض المعاني دون بعض كما تقول مثلاً في { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} فعيون من غير نظر إلى السياق لفظ يدل على العيون الباصرة وعيون المياه الجارية ، فهل هذا يعني أنا لا نفهم أي المعنيين أريد في الآية.فإذا بان لك ذلك فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم حيث قال (طهور إناء أحدكم ...) أراد الإناء الذي ولغ فيه الكلب خاصة ، وحيث أمر بالإراقة ، أراد إراقة ما ولغ فيه الكلب ، وحيث أمر بالغسل ، أمر بغسل ما ولغ فيه الكلب ، فأي معاني الطهارة صالحٌ هنا ؟ أتراه يريد الطهارة من الجنابة أم الذنب ؟
فإن قيل : أراد مجرد النظافة لأنها طهارة.
قلنا : وهل النجاسة إلا القذر ؟
فإذا أمر أمراً ملزماً عاماً للقذر من غير مراعاة لعدم استقذار نحو مالك رحمه الله وغيره، دل على أن المراد القذر عند الشارع ، وهو النجس لا محالة.
ثم في قوله صلى الله عليه وسلم (طهور إناء أحدكم ...) فائدة جليلة ، وهي أن الأمر بالغسل معلل بحصول الطهور به وليس هو تعبدي كما ذهب إليه المالكية ، ثم ذلك الطهور حصل لأن ولوغ الكلب أحدث في الأناء أمراً أخرجه عن كونه طاهراً ، ولا نعلم أمراً يصلح هنا سوى النجاسة.
ثم أقول : قد يعترض معترض على مذهب الشافعية عموماً بكون النجاسة مختصة بالمتحلب من لسان الكلب ، وهو لعابه ، لأن الأمر بالغسل ورد في الولوغ خاصة.
قلنا : ما الدليل على القصر وإصابة الماء بعض أجزائه حال شربه غير لسانه ممكن فيجوز أن يكون مراداً ؟ وقد اجتمع في الكلب حرمة أكله ويمكن تعليله بالنجاسة ، وحرمة بيعه ويجوز تعليله بالنجاسة ، وبخاصة أنه حيوان ذو منفعة ، ورش صلى الله عليه وسلم على موضع الجرو ماء ، ويجوز أن يكون لنجاسته ، بل ظاهره ـ والله أعلم ـ أنه للنجاسة .
إنما ورد فيه لأن الأغلب أن الكلب لا يقصد الأواني إلا للأكل أو الشرب ، فذكر الولوغ لغلبته لا غير .
ثم نخفف من أمر الخلاف بأن المعروف عن الكلب أنه يكرر لعق بدنه ويعممه ما أمكنه ، ويمكن مشاهدة ذلك.
[يمكنك البحث عبر اليوتيوب عن Dog liking himself لترى العجب حيث يبدأ الكلب بلعق ما دبره ثم يلعق باقِ بدنه]
فيصير باقي أجزاء الكلب متنجسة إن لم تكن نجسة ، ويجب التسبيع في الجميع.
أما اعتذار بعضهم بالضرر ، فلا ينافي النجاسة ، فقد اتفقوا على نجاسة دم الحيض لأمره صلى الله عليه وسلم بغسله ، مع قوله سبحانه {وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} فلم يمنع ضرره كون الغسل دال على نجاسته.
بل لا خلاف في نجاسة البول والعذرة ولا خلاف في الضرر الذي يلحق بملابستهما الظاهر منها والباطن ، والأغلب في النجاسات ، إن لم تكن كلها ، أنها مضرة ، فلا يقال أن وجود الضرر يمنع أن يكون الغسل للنجاسة ، إنما يكون ذلك ـ والله أعلم ـ إن لم يرد بالغسل أمر ملزم أو ما في معناه مما يفيد وجوب الغسل.


هذا والله سبحانه أعلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.63%)]