عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-07-2024, 08:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْكَهْفِ
المجلد الحادى عشر
صـ 4046 الى صـ 4060
الحلقة (441)





الثالث: اعترضت هذه الآداب أعني من قوله تعالى: فلا تمار إلى هنا قبل تتميم نبئهم، مبادرة إلى الاهتمام بهذه الآداب والاحتفاظ بها، لتتمكن فضل تمكن، وترسخ في النفس أشد رسوخ. والله أعلم.

الرابع: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: واذكر ربك إذا نسيت إذا نسيت الاستثناء بالمشيئة ثم ذكرت فاستثن، وذلك (كما قال القرطبي) لتدارك التبرك والتخلص عن الإثم.

وقال في (الانتصاف): أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة، متى ذكرت ولو بعد الطول. وأما حلها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها. انتهى.

ودعوى أنه الظاهر هو أحد الوجوه فيها، مفرعا على أن المشيئة في الآية قبلها، مشيئة القول، وهو أحد معاني الآية. وقد حكي عن ابن عباس جواز الاستثناء وإن طال الزمان. ثم اختلف عنه فقيل إلى شهر وقيل إلى سنة وقيل أبدا. وفي (حصول المأمول): ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس ، لعله لم يعلم بأنها ثابتة في (مستدرك الحاكم) وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ: « إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة » ومثله عند أبي موسى المديني وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق. وبالجملة فالرواية عنه رضي الله عنه قد صحت، لكن الصواب خلاف ما قاله.

قال ابن القيم في (مدارج السالكين): إن مراده أنه إذا قال شيئا ولم يستثن، فله أن يستثني عند الذكر. وقد غلط عليه من لم يفهم كلامه. انتهى.

وهذا التأويل يدفعه ما تقدم عنه. والاستثناء بعد الفصل اليسير وعند التذكر، قد دلت [ ص: 4047 ] عليه الأدلة الصحيحة. منها حديث أبي داود وغيره: « والله! لأغزون قريشا » ثم سكت ثم قال: « إن شاء الله » . ومنها حديث « ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها » فقال العباس: (إلا الإذخر). وهو في الصحيح. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: « إلا سهل ابن بيضاء » انتهى. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[25] ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا [26] قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا .

ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا حكاية لقول أهل الكتاب في عهده صلى الله عليه وسلم، في مدة لبثهم نائمين في كهفهم الذي التجأوا إليه، ليتفرغوا لذكر الله وعبادته. وقد رد عليهم بقوله سبحانه: قل الله أعلم بما لبثوا وإليه ذهب قتادة ومطرف بن عبد الله . وأيده قتادة بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه (وقالوا ولبثوا) قيل: وعليه فيكون ضمير: وازدادوا لأهل الكتاب. وإنه يظهر فيه وجه العدول عن المتبادر وهو ثلاثمائة وتسع سنين. مع أنه أخصر وأظهر. وذلك لأن بعضهم [ ص: 4048 ] قال: ثلاثمائة: وبعضهم قال أزيد بتسعة. ولا يخفى ركاكة ما ذكر، فإن الضمير للفتية. ووجه العدول موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب. ودعوى الأخصرية تدقيق نحوي لا تنهض بمثله البلاغة. وأما الأظهرية فيأباها ذوق الجملتين ذوقا سليما. فإن الوجدان العربي يجد بينهما في الطلاوة بعد المشرقين. ودعوى أن فيها إشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما، إذ التفاوت بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين- دعوى يتوقف تصحيحها على ثبوت أن أهل الكتاب ازدادوا بالسنة الشمسية، وأنه قص علينا ما أرادوه بالسنة الهلالية، فلذلك قال: وازدادوا تسعا لنقف على تحديد ما عنوه، ومن أين يثبت ذلك؟ وما الداعي لهذا التعمق المشوش؟ والآية جلية بنفسها في دعواهم مدة لبثهم. وقد يريدون السنة الشمسية أو الهلالية، وبأي منها قالوا: فقد رد عليهم بقوله: قل الله أعلم بما لبثوا أي: بمقدار لبثهم. فلا تقفوا ما ليس لكم به علم، وما هو غيب يرد إليه سبحانه، كما قال: له غيب السماوات والأرض أي: ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما، أي: أنه هو وحده العالم به: أبصر به وأسمع أي: ما أبصره لكل موجود! وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء.

قال الزمخشري : جاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر.

لطيفة:

قال في (الإكليل): استدل بقوله تعالى: أبصر به وأسمع المنتخب على جواز إطلاق صيغة التعجب في صفات الله تعالى ، كقولك: ما أعظم الله وما أجله. انتهى.

يعني [ ص: 4049 ] أن يشتق من الصفات السمعية صيغة التعجب قياسا على ما في الآية، وقد يقال بالوقف. ينبغي التأمل.

وقوله تعالى: ما لهم أي: أهل السماوات والأرض في خلقه: من دونه من ولي أي: يتولى أمورهم: ولا يشرك في حكمه أي: قضائه: أحدا أي: من مكوناته العلوية والسفلية. بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم، فيما شاء وأحب.

قال المهايمي : فيه إشارة إلى أن علمهم بهم إما من قبيل الغيب، فهو مختص بالله. أو من قبيل المسموع، فهو أسمع. أو من قبيل البصر، فهو أبصر. انتهى. وهو لطيف جدا. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[27] واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا .

واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك أي: بتبليغ ما فيه. ومنه ما أوحي إليك من نبأ الفتية، فإنه الحق الذي لا يحتاج معه إلى استفتاء فيه.

قال القاشاني : يجوز أن تكون (من) لابتداء الغاية. و(الكتاب) هو اللوح الأول المشتمل على كل العلوم الذي منه أوحي إلى من أوحي إليه، وأن تكون بيانا لما أوحي: لا مبدل لكلماته أي: لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل.

قال القاشاني : (كلماته) التي هي أصول التوحيد والعد وأنواعهما.

وقصده دفع ما يرد من وقوع نسخ بعض الشرائع السابقة باللاحقة وتبديلها بها. فأشار إلى أن النسخ إنما هو في الفروع لا الأصول.

والأظهر في معنى الآية; أنه لا أحد سواه يبدل حكمه كقوله: لا معقب لحكمه وأما هو سبحانه فهو فعال لما يريد: ولن تجد من دونه ملتحدا أي: ملجأ.

[ ص: 4050 ] وذهب ابن جرير في تفسير هذه الآية مذهبا قال: يقول تعالى لنبيه واتبع ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركن تلاوته واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه والعمل بحلاله وحرامه. فتكون من الهالكين. وذلك أن مصير من خالفه وترك اتباعه يوم القيامة، إلى جهنم: لا مبدل لكلماته يقول لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك، أهل معاصيه والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك. وقوله: ولن تجد من دونه ملتحدا يقول: وإن أنت لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك فتتبعه وتأتم به، فنالك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده، لن تجد من دون الله موئلا تئل إليه، ومعدلا تعدل عنه إليه. لأن قدرة الله محيطة بك وبجميع خلقه، لا يقدر أحد منهم على الهرب من أمر أراد به. انتهى.

تنبيه:

لهؤلاء الفتية أصحاب الكهف ذكر في تواريخ المسيحيين، وعيد سنوي يقام تذكارا لهم، في اليوم السابع والعشرين من شهر تموز. لكونهم اضطهدوا من قبل الأمراء اليونانيين، لإيمانهم بالله تعالى وحده ودخولهم في الملة المسيحية ورفضهم الوثنية التي كانت عليها اليونان. وقد رأيت في كتاب (الكنز الثمين في أخبار القديسين) ترجمة عن أحوالهم واسعة تحت عنوان (فيما يخص السبعة القديسين الشهداء الذين من أفسس ) نقتطف منها ما يأتي، دحضا لدعوى من يفتري أن نبأهم لا يعرف أصلا، كما قرأته في بعض كتب الملحدين.

قال صاحب الترجمة: هؤلاء الشهداء السبعة كانوا إخوة بالجسد. وأسماؤهم: مكسيميانوس ومالخوس. ومرتينيانوس. وديونيسيوس . ويوحنا. وسارابيون. ثم قسطنطين. هؤلاء الشباب قربوا حياتهم ضحية من أجل المسيح ، بالقرب من مدينة أفسس نحو سنة (252) مسيحية. في زمن الاضطهاد القاسي الذي صنعه ضد المسيحيين، الملك داكيوس.

[ ص: 4051 ] وقد أجلهم المسيحيون كشهداء حقيقيين. فيقام لهم في الكنائس مدائح تنشر فيها صفاتهم الفاضلة يوم استشهادهم ثمة، في اليوم الرابع من شهر آب، المختص بتذكار الأعجوبة التي بواسطتها قد ظهرت أجسادهم المقدسة في المغارة الغربية من مدينة أفسس .

ثم قال: وأما نوع استشهادهم فليس بمعروف. لأن أعمالهم الجهادية في سبيل الإيمان لم توجد مدونة في التواريخ الكنائسية المدققة. بل إن المؤكد عنهم أن استشهادهم كان زمن الملك داكيوس ، حذاء مدينة أفسس . حيث وجدت فيما بعد أجسادهم في مغارة ليست بعيدة من أهل هذه المدينة.

ثم قال: فالبعض من الكتبة الكنائسيين يرتؤون بأنه لما اختفى هؤلاء الفتية في تلك المغارة هربا من الاضطهاد، عرف أمرهم فأغلق عليهم باب المغارة بصخور عظيمة. وهكذا ماتوا فيها. وغيرهم يروون أنهم قتلوا من أجل الإيمان في مدينة أفسس. وبعد موتهم نقلت أجسادهم ودفنت في المغارة المذكورة. وآخرون يظنون أنهم حبسوا أنفسهم أحياء باختبائهم في المغارة المذكورة، ليموتوا برضاهم، هربا من خطر أنواع العذاب القاسية التي كان يتكبدها المسيحيون في ذاك الاضطهاد الوحشي.

ثم قال: فكيفما كان نوع استشهاد هؤلاء السبعة، فقد تحقق أن الله أراد أن يكرمهم بإظهار أجسادهم بواسطة رؤيا سماوية. وذلك في 4 آب سنة 447 في زمن ولاية الملك ( ثاوضوسيوش الصغير ).

ثم قال: ودرج على أفواه الشعوب; أن هؤلاء الفتية، بعد أن أغلق عليهم باب المغارة بأمر داكيوس الملك، لم يموتوا ضمنها، لا موتا طبيعيا ولا قسريا. بل رقدوا رقاد النوم مدة، نحو مائتي سنة. ثم نهضوا من نومهم الطبيعي سنة (447).

ثم قال: وقد ذهب بعض المؤرخين إلى تأويل ما روي من رقادهم الطويل، بأنه لما ظهرت أجسادهم سالمة من البلى، بعد أن دفنوا في ذلك الغار أحياء أو أمواتا، بواسطة خارقة ما، [ ص: 4052 ] ونقلت من مدفنهم الذي كانوا فيه، اعتبرت تلك الأجساد كأنها صودفت مستيقظة من نوم لذيذ كانت راقدة فيه. إلا أن الذي يبطل هذا التأويل ما نقله بعد عن القنداق، من أنهم نهضوا بعد أن رقدوا عدة من السنين وانتصروا على ضلال أولئك الوثنيين. وبظهورهم كذلك أيدوا حقية إيمانهم ووطدوا المؤمنين في رجاء القيامة في الحياة الأبدية.

هذا ما اقتطفناه من كتاب (الكنز الثمين) وبه تعلم ما لدى أهل الكتاب المسيحيين من الاختلاف فيهم، الذي أشار له القرآن الكريم. وقد جاء في (تاريخ الكنيسة): إن أقوال وأعمال الشهداء في المسيحية لم ينقل منها إلا القليل. لأن أكثرها أحرق بالنار مدة العشر سنوات. من سنة (293 إلى 303) وإن من القرن الثامن فصاعدا، اعتنى الروم واللاتيون بجمع حياة الشهداء الأولين. غير أن الأكثر حذاقة، حتى الذين في حضن الكنيسة الرومانية، يسلمون الآن بأن أكثر الأخبار أحاديث ملفقة، غراما بالبلاغة. وجداول القديسين المسماة (أقوال الشهداء) ليست بأكثر ثقة. التي ألفها أناس جهلاء غير قادرين، أو دخلها منذئذ أكاذيب. فهذا القسم من تاريخ الكنيسة إذ ذاك مظلم خال من النور. انتهى كلامه بالحرف.

وفيه ميل إلى النصفة من عدم الثقة بما لديهم من هذا الخلاف الذي حسم مادته، واقتلعه من جذوره، القرآن الكريم.

قال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة " ، الآية الآتية، معتذرا عما نقله، ما مثاله: روي في هذا آثار كثيرة عن السلف. وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها. والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه، لمخالفته للحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة . لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان. وقد وضع فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها [ ص: 4053 ] تحريف الغالين وانتحال المبطلين. كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والجهابذة النقاد، والحفاظ الذي دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه ومنكره وموضوعه ومتروكه. وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين من أصناف الرجال. كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر، أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم. وجعل جنات الفردوس مأواهم. وقد فعل. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[28] واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا .

واصبر نفسك أي: احبسها وثبتها: مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أي: مع أصحابك الذين يذكرونه سبحانه طرفي النهار، بملازمة الصلاة فيهما: يريدون وجهه أي: ذاته طلبا لمرضاته وطاعته، لا عرضا من أعراض الدنيا: ولا تعد عيناك عنهم أي: لا تجاوز نظرك إلى غيرهم بالإعراض عنهم: تريد زينة الحياة الدنيا أي: تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء تألفا لقلوبهم: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي: جعلناه غافلا لبطلان استعداده للذكر بالمرة. أو وجدناه غافلا عنه. وذلك لئلا يؤديك إلى الغفلة عنه: واتبع هواه وكان أمره فرطا أي: متروكا متهاونا به مضيعا. أو ندما أو سرفا. وفي التعبير عن المأمور بالصبر معهم والمنهي عن إطاعتهم، بالموصول، للإيذان بعلية ما في حيز الصلة.

قال ابن جرير : إن قوما من أشراف المشركين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم جالسا مع خباب [ ص: 4054 ] وصهيب وبلال. فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا. وفي رواية ابن زيد: أنهم قالوا له صلوات الله عليه: إنا نستحي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم وجالس أشراف العرب، فنزلت الآية: واصبر نفسك وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر. فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله عز وجل: ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية.

قال ابن كثير : انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري . وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[29] وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا .

وقل الحق من ربكم أي: جاء بالحق وهو ما أوحي إلي منه تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إما من تمام المقول المأمور به، والفاء لترتب ما بعدها على ما قبلها، بطريق التهديد. أي: عقيب تحقق أن ما أوحي إلي حق لا ريب فيه، وأن ذلك الحق من جهة ربكم. فمن شاء أن يؤمن به، فليؤمن كسائر المؤمنين. ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعلل. ومن شاء أن يكفر به فليفعل. وفيه من التهديد وإظهار الاستغناء عن متابعتهم، وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم، وجودا وعدما- ما لا يخفى. وإما تهديد من جهة الله تعالى، [ ص: 4055 ] والفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر. والمعنى: قل لهم ذلك. وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدقك فيه فليؤمن. ومن شاء أن يكفر به أو يكذبك فيه فليفعل. أفاده أبو السعود. وفي (العناية): الأمر والتخيير ليس على حقيقته. فهو مجاز عن عدم المبالاة والاعتناء به. والأمر بالكفر غير مراد. فهو استعارة للخذلان والتخلية، بتشبيه حال من هو كذلك بحال المأمور بالمخالفة. ووجه الشبه عدم المبالاة والاعتناء به فيهما. وهذا كقوله: (أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة) وهذا رد عليهم في دعائهم إلى طرد الفقراء المؤمنين ليجالسوه ويتبعوه. فقيل لهم: إيمانكم إنما يعود نفعه عليكم، فلا نبالي به حتى نطردهم لذلك، بعد ما تبين الحق وظهر. وقوله تعالى: إنا أعتدنا للظالمين نارا وعيد شديد، وتأكيد للتهديد وتعليل لما يفيده من الزجر عن الكفر. أو لما يفهم من ظاهر التخيير، من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بزجرهم عنه. فإن إعداد جزائه من دواعي الإملاء والإمهال. وعلى الوجه الأول، هو تعليل للأمر بما ذكر من التخيير التهديدي. أي: قل لهم ذلك: إنا أعتدنا للظالمين أي: هيأنا للكافرين بالحق، بعد ما جاء من الله سبحانه. والتعبير عنه بــ(الظالمين) للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره، تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير موضعه. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: أحاط بهم سرادقها أي: فسطاطها. وهي الخيمة. شبه به ما يحيط بهم من النار. فإن انتشار لهب النار في الجهات شبيه بالسرادق. ويطلق السرادق على الحظيرة حول الفسطاط للمنع من الوصول إليه. شبه ما يحيط بهم من جهنم، بها. يقال بيت مسردق، ذو سرادق: وإن يستغيثوا أي: من الظمأ لاحتراق أفئدتهم: يغاثوا بماء كالمهل أي: كالحديد المذاب وكعكر الزيت، وقال القاشاني : من جنس الغساق والغسلين، أي: المياه المتعفنة التي تسيل من أبدان أهل النار، مسودة يغاثون بها. أو غسالاتهم القذرة ويؤيده قوله تعالى: ويسقى من ماء صديد يتجرعه يشوي الوجوه أي: إذا قدم إليه ليشرب، من فرط حرارته.

[ ص: 4056 ] وساءت أي النار: مرتفقا أي: متكأ. وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد. وذكره لمشاكلة قوله: وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء. وقد يكون تهكما، كقوله:


إني أرقت فبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها الصاب مذبوح


والصاب: شجر مر يحرق ماؤه العين. ومذبوح: مشقوق. وفي كتاب (تنزيل الآيات) في الصحاح: بات فلان مرتفقا، أي: متكئا على مرفق يده. وهو هيئة المتحزنين المتحسرين. فعلى هذا لا يكون من المشاكلة ولا للتهكم، بل هو على حقيقته. كما يكون للتنعم يكون للتحزن. وتعقبه في (العناية) فقال: وأما وضع اليد تحت الخد للتحزن والتحسر، فالظاهر أن العذاب يشغلهم عنه. فلا يتأتى منهم حتى يكون هذا حقيقة لا مشاكلة، فلذا لم يعرجوا عليه. ثم علل الحث على الإيمان المفهوم من التخيير المتقدم، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[30] إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا [31] أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا .

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون [ ص: 4057 ] ثيابا خضرا من سندس وهو ما رق من الديباج: وإستبرق وهو ما كثف منه: متكئين فيها على الأرائك أي: السرر على هيئة المتنعمين: نعم الثواب أي: الجنات المذكورة: وحسنت مرتفقا أي: متكأ. وقيل المرتفق المنزل والمستقر، لآية: إنها ساءت مستقرا ومقاما وآية حسنت مستقرا ومقاما
القول في تأويل قوله تعالى:

[32] واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا .

واضرب لهم مثلا أي: للمؤمن والكافر: رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وهي أعز ما يؤثره أولئك في تأزير كرومهم بالأشجار: وجعلنا بينهما أي: بين الجنتين، أو بين النخيل والأعناب: زرعا أي: فحصل منهما الفواكه والأقوات، فكانتا منشأ الثروة والجاه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[33] كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا .

كلتا الجنتين آتت أكلها أي: ثمرها كاملة: ولم تظلم أي: لم تنقص: منه شيئا وفجرنا خلالهما أي: فيما بينهما: نهرا أي: يسقي الأشجار والزروع، ويزيد في بهجة مرآهما، تتميما لحسنهما.
القول في تأويل قوله تعالى:

[34] وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا .

وكان له أي: لصاحب الجنتين: ثمر أي: أنواع من المال غير الجنتين. من [ ص: 4058 ] (ثمر ماله) إذا كثره: فقال لصاحبه وهو يحاوره أي: يراجعه الكلام، تعييرا له بالفقر، وفخرا عليه بالمال والجاه: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أي: أنصارا وحشما.
القول في تأويل قوله تعالى:

[35] ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا .

ودخل جنته أي: بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها. كما يدل عليه السياق ومحاورته له. وإفراد الجنة هنا مع أن له جنتين كما مر، إما لعدم تعلق الغرض بتعددها، وإما لاتصال إحداهما بالأخرى، وإما لأن الدخول يكون في واحدة فواحدة. قيل: الإضافة تأتي لمعنى اللام. فالمراد بها العموم والاستغراق. أي: كل ما هو جنة له يتمتع بها. فيفيد ما أفادته التثنية مع زيادة. وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه: وهو ظالم لنفسه أي: بما يوجب سلب النعمة، وهو الكفر والعجب. وفي (العناية) ظلمه لها إما بمعنى تنقيصها وضررها، لتعريض نعمته للزوال ونفسه للهلاك، أو بمعنى وضع الشيء في غير موضعه. لأن مقتضى ما شاهده التواضع المبكي، لا العجب بها وظنها أنها لا تبيد أبدا. والكفر بإنكار البعث كما يدل عليه قوله: قال ما أظن أن تبيد أي: تهلك وتفنى: هذه أي: الجنة: أبدا لاعتقاده أبدية الدهر، وأن لا كون سوى ما تقع عليه مشاعره. ولذا قال:
القول في تأويل قوله تعالى:

[36] وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا .

وما أظن الساعة قائمة أي: كائنة، وقوله: ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا إقسام منه على أنه، إن رد إلى ربه، على سبيل الفرض والتقدير، كما يزعم صاحبه، ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده. وإنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله. [ ص: 4059 ] وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه. كقوله: إن لي عنده للحسنى لأوتين مالا وولدا و: منقلبا أي: مرجعا وعاقبة. أفاده الزمخشري .

قال المهايمي : فكفر بالقول بقدم العالم ونفي حشر الأجساد واعتقد عكس الجزاء إذ قال: لأجدن خيرا منها منقلبا والقول بقدم العالم ينفي اختيار الصانع وإرادته . وبإنكار حشر الأجساد ينفي قدرته على الإعادة. وبعكس الجزاء ينفي الحكمة الإلهية.
ثم بين تعالى ما أجابه صاحبه المؤمن واعظا له، وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار، بقوله:

القول في تأويل قوله تعالى:

[37] قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا .

قال له صاحبه أي: الذي عيره بالفقر، تعييرا له على كفره: وهو يحاوره أي: يراجعه كلام التعيير على الكفر، محاورته كلام التعيير على الفقر، في ضمن النكر عليه: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة أي: يجعل التراب نباتا ثم جعله غذاء يتولد منه النطفة: ثم سواك رجلا أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. قال أبو السعود : والتعبير عنه تعالى بالموصول، للإشعار بعلية ما في حيز الصلة، لإنكار الكفر. والتلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى عز من قائل: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب وكما قال تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم قال ابن كثير : أي: كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه. فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما ثم وجد. وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء. [ ص: 4060 ] من المخلوقات، لأنه بمثابته. فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء. ولهذا قال صاحبه المؤمن:
القول في تأويل قوله تعالى:

[38] لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا .

لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية. ولا أشرك به أحدا معه من العلويات والسفليات. وقد قرأ ابن عامر : ((لكنا) بإثبات الألف وصلا ووقفا. الباقون بحذفها وصلا، وبإثباتها وقفا، فالوقف وفاق. وأصله لكن أنا. وقرئ كذلك فحذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها فصار (لكن) ثم ألحق الألف إجراء للوصل مجرى الوقف. لأن الوقف على (أنا) بالألف، ولأن الألف تدل على أن الأصل (لكن أنا) وبغيرها يلزم الإلباس بينه وبين (لكن) المشددة. قال الزمخشري : ونحوه قول القائل:


وترمينني بالطرف أي: أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي


أي لكن أنا لا أقليك. ويقرب منه قول الآخر:


ولو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافر


أي ولكنك.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.93 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]