
09-07-2024, 12:13 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: فقه تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل المعاصي
4- (فلما كان العَشِيُّ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله):
أ- خُطَبُ النبي صلى الله عليه وسلم للناس عامة على نوعين:
1- مرتبة كخطبة الجمعة.
2- خطبة عند الحاجة لبيان قضية مثل هذه.
ب- يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وتحيُّن الوقت المناسب، والعَشِيُّ يكون الناس في آخر النهار قد انتهوا من أعمالهم وتفرغوا؛ فالنفوس قابلة للسماع؛ قال ابن مسعود: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا))[13].
ج- قوله: (قام): يدل على الهمة والأهمية للموضوع؛ ولذا فالداعية يجب أن يكون لديه وسائل أداء عالية لبيان الحق وإظهاره.
د- القضية شرعية ذات وقع كبير في النفوس، فيجب تأديب النفوس بالعبودية؛ ولذا قدم الثناء على الله؛ لأنه المستحق له على الكمال، وليعلم الجميع أن هذا أمر الله وشرعه.
5- (ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد):
أ- قاعدة عامة صلبة عليها يقوم العدل: عند الأحكام الشرعية يستوي الشريف نسبًا مع الوضيع.
ب- تقديم الوجاهات الدنيوية على حساب الدين نهاية الدنيا بالفساد والعقاب، والآخرة بعظيم الخسران.
ج- قريش في جاهليتها غيَّرت دين إبراهيم، فظنَّت أن الأمور قريبة في دين الإسلام، وهيهات في وجود سيد الأنام، وهذا لم يخطر ببالِ الصحابة الكرام أصحاب السبق في الإسلام، وإنما في حديثي الإسلام يوم الفتح.
د- من يكرم الشرفاء، ويزدرِ الضعفاء، ففيه شيء من قَذَرِ الجاهلية.
6- (وإني والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها):
أ- يقسم النبي صلى الله عليه وسلم من باب التأكيد والتعظيم للأمر.
ب- وفي ذكر فاطمة خاصة قيل: لأن فاطمة أعز أهله عنده، ثم لم يبقَ من بناته إلا هي، ولأن اسم السارقة فاطمة، فناسب أن يُضرَب المثل بها.
ج- قمة العدل أن تُنصِفَ الناس من نفسك، وأعظم التمسك بالحق أن تُطبِّقه على نفسك ومن تحب.
د- (فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها): هذا التفصيل والبيان حتى لا يلتبس على الناس الحكم الفصلُ في هذا الحد.
ه- بعد هذا البيان نُفِّذَ الحدُّ، ولم يجرؤ أحدٌ على معارضته، واتضح للجميع جليًّا أنه لا محاباةَ لأحدٍ على حساب دين الله، بل الجميع عبيدٌ لله، فيلزمهم اتباع منهج الله.
7- (قالت عائشة: فحسُنت توبتُها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم):
أ- أعظم رحمة للعصاة إقامة حدود الله عليهم؛ لِما يترتب على ذلك من التوبة والرجوع إلى الله، والاستقامة على دينه.
ب- ما أجمل مجتمع السلف الصالح! حيث إن لإقامة الحد عليها، وقد عرف من الناس جميعًا، لم يمنع أن يأتي رجل فيتزوج هذه المرأة التائبة الصالحة؛ ولذا من أعظم مُعوِّقات التوبة رفضُ المجتمع للتائب.
ج- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بها؛ حيث أقام الحدَّ ولم يتركها تواجه مصاعب الدنيا، بحيث يدفعها هذا إلى العودة إلى الذنب، فكان يقضي حوائجها.
د- العصاة عندهم بذرة الخير، لكن رعايتها تحتاج إلى مجتمع كامل بكل أطيافه.
مداراة العصاة خوف الفتنة:
حديث جابر بن عبدالله قال: ((غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثُروا، وكان من المهاجرين رجل لَعَّاب، فكَسَعَ أنصاريًّا، فغضِب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا لَلأنصار، وقال المهاجريُّ: يا لَلمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجريِّ الأنصاريَّ، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دَعُوها؛ فإنها خبيثة، وقال عبدالله بن أُبَيِّ بن سلول: أقد تَدَاعَوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألَا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه))[14]، وفي رواية: ((فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق))[15]، وفي رواية: ((قال له ابنه عبدالله بن عبدالله: والله لا تنقلب حتى تُقِرَّ أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ففعل))[16].
1- (غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا):
أ- كان الصحابة يخرجون في الجهاد وكان يخرج معهم من ليس منهم من المنافقين، وهذه الغزوة قيل: غزوة المريسيع «بني المصطلق» سنة ست من الهجرة، وسبب خروج المنافقين فيها؛ لقرب الأمر، وطمعًا في الغنيمة.
ب- ازداد أعداد المهاجرين في المدينة بفضل الله، ثم ما قذف الله في قلوب الأنصار من الخير وحب إخوانهم في الدين، فلهم سابقةُ فضلٍ على المهاجرين، لم يكن لهذا التكاثر أثرٌ سلبي في حياة الأنصار.
ج- المهاجرون مع الأنصار جَمَعَهم دين واحد، فلم يكن الولاء إلا لدين الله، وأكرمهم الله بحبٍّ بينهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63]، هذه الأُلْفَةُ صهرت المجتمع كاملًا في قالب الإسلام المتين.
2- (وكان من المهاجرين رجل لعَّاب، فكسع أنصاريًّا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين):
أ- المهاجري اسمه جهجاه بن قيس الغفاري، وكان أجير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأنصاري سنان بن وبرة، فعدم ذكر الأسماء في الحديث لا يهم؛ لأن القضية متعلقة بالفعل لا بالأشخاص.
ب- أصل الْمِزاح مشروع؛ ففي حديث أبي هريرة قيل: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا، قالوا: إنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إني لا أقول إلا حقًّا))[17]، لكن دون أذية أو ارتكاب محرم، فالكسع ضرب بيده أو رجله دُبُرَ الأنصاري، وهذه معيبة وقبيحة.
ج- دعوى العصبية القبلية باطلة، وقد جعل الله الولاء للمسلمين.
3- (فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟! ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاريَّ، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دَعُوها؛ فإنها خبيثة):
أ- يجب على الراعي أن يعيش مع أحداث الرعية؛ حتى لا تنحرف عن المنهج العام، فالمعالجة المبكرة لها طيِّب الأثر.
ب- (ما بال دعوى أهل الجاهلية؟): هذا سؤال استنكاري تعجبي، كيف العودة إلى قضايا جاهلية في لحظة عز الإسلام وتمكينه؟
ج- (ثم قال: ما شأنهم؟): التحقق قيمة عظيمة، وركيزة أساسية في العدل والحكم على الأحداث، وهذا منهج نبوي حتى لا يتم التعدي على أحد بكلام أو موقف لا يستحقه، فمن عادة النبي لا يحكم على الشيء إلا بعد التحقق من حدوثه وأسبابه، أما هنا، فأنكر ثم سأل؛ لأن الفعل ليس له مبرر، مهما كان السبب الدافع له.
د- عرف النبي صلى الله عليه وسلم الإساءة، لكنه تجاوزها وذهب لِما هو أهم منها؛ إذ الإساءة قضية شخصية، فالضرر محصور في اثنين، وأما دعوى الجاهلية فالضرر على الدين أولًا، وعلى لُحمة المجتمع ثانيًا، وهذا بلغ من الفظاعة ما يُنسي السبب السهل اليسير.
ه- خبث دعوى الجاهلية من عدة أوجه، لكن يكمن خبثها في ثلاث قضايا:
أ- عدواتها المستمرة على الإسلام.
ب- نقض وحدة المجتمع المسلم.
ج- الطريق المعبَّد للعدوِّ الداخلي من المنافقين، والخارجي من أهل الكفر والفساد.
4- (وقال عبدالله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل):
أ- كان ابن أبي بن سلول سيد الخزرج قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وناصب العداء للنبي صلى الله عليه وسلم لفوات شيء من الدنيا؛ ولذا قال سعد بن عبادة: (يا رسول الله، اعفُ عنه واصفح؛ فلقد أعطاك الله ما أعطاك، ولقد اجتمع أهل هذه البَحْرَة على أن يتوِّجوه فيُعصِّبوه، فلما ردَّ ذلك بالحق الذي أعطاك، شرِق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت)[18].
ب- كان لابن أبي بن سلول ابنٌ مؤمن تقي يسمى عبدالله، فلما عرف ذلك قال: (والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل)[19].
ج- خبث السريرة يفضحها فلتات اللسان، ويحكم على الشخص من ظاهره.
د- أهل الفجور يعتقدون صلاح أنفسهم، فيتهمون أهل الصلاح بكل مَذَمَّة، وهذا لخُبْثِ سريرتهم، وفرط جهلهم.
5- (فقال عمر: ألَا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)، وفي رواية: (دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق)[20]:
أ- عمر يحكم بحسب الظاهر فهو يستحق القتل بلا شك، وإلا ما دخل الحادثة بالتعرض لشخص النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون مملوءًا بالزندقة والنفاق.
ب- وهنا علَّل النبي صلى الله عليه وسلم عدم السماح بقتله، وفي هذا مسائل:
1- أن المنافق مسلم في الظاهر، فيُعامل معاملة المسلم فلا يُقتَلُ إلا بحقٍّ بيِّنٍ.
2- الغائب إذا سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل أحدًا من أتباعه، فسوف يكون ذلك مانعًا من الدخول في الإسلام؛ لأنه لن ينظر إلى السبب بل إلى النتيجة.
3- فيه حماية للمجتمع من الانقسام؛ إذ إن ابن أبي بن سلول له أنصار، وهذا مداراةٌ للعاصي لمصلحة أعظم.
======================================
[1] أخرجه أحمد (22211) واللفظ له، والطبراني (8/ 190) (7679)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء) (2/ 452)؛ قال العراقي في تخريج الإحياء: إسناده جيد، رجاله رجال الصحيح، وبه قال الهيثمي في المجمع، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، والأرنؤوط في تخريج المسند.
[2] البخاري.
[3] https:/ / www.dorar.net/ h/ zPbuh0Am?alts=1
[4] البخاري.
[5] البخاري.
[6] تفسير السعدي.
[7] البخاري.
[8] صححه أبو نعيم في الحلية.
[9] البخاري ومسلم.
[10] البخاري ومسلم.
[11] تفسير السعدي.
[12] تفسير ابن كثير.
[13] البخاري.
[14] البخاري ومسلم.
[15] البخاري
[16] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
[17] أخرجه الترمذي (1990) وقال: حسن صحيح، وأحمد (8481)، والبيهقي (21706) واللفظ له، وحسنه الهيثمي في المجمع، والبغوي في شرح السنة، والأرنؤوط في تخريج العواصم والقواصم، وصححه أحمد شاكر في لمسند والألباني في هداية الرواة.
[18] البخاري.
[19] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
[20] البخاري.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|