حكم الصلح على ترك الشهادة
[بترك شهادة]: الشهادة نعمة من الله سبحانه وتعالى على الناس وعلى القضاء، وهي توصل الحق لصاحبه.
ولذلك يقول القاضي أبو أمية شريح الكندي رحمه الله، وكان قاضياً لثلاثة من الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، عمر وعثمان وعلي وهو إمام من أئمة القضاء، وكانت له حكم عجيبة، يقول رحمه الله: (إن القضاء بلاء) وفي رواية: (إن القضاء جمرة) يعني: ناراً وعذاباً (فنحه عنك بعودين) فالجمرة تدفعها بعودين، والعودان هما الشاهدان العدلان.
فإذا جاء الشاهدان العدلان عرفت صدق المدعي في دعواه فأوصلت الحق لصاحبه، فالشهادة تعين على الحق، وتعين على الوصول إلى الحق.
فإذا استُخدم التزوير والكذب أو كُتمت الشهادة ضاعت الحقوق، فالذي يكتم الشهادة يظلم المظلوم ويكون معيناً للظالم على ظلمه؛ لأنه لو نطق بالحق لعرف القاضي الحق وأوصله إلى صاحبه، فهو ظالم للمظلوم، وظالم للقاضي، لأن القاضي سيحكم أن المدعى عليه بريء، مع أنه فعلاً متهم ومطالب، فلما سكت الشهود حكم بالباطل.
فيصبح الساكت عن الشهادة مضراً بصاحب الحق، حيث إنه لم يتوصل إلى حقه، ومضراً بالقضاء، وخائناً للأمانة؛ لأن الشهادة أمانة، والله تعالى بيّن ذلك بقوله: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] فشهد الله عز وجل بأنها مظلمة وأنها إثم، وقال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] فهي معونة على الإثم والعدوان إذا كتمت.
وعلى هذا فلو أن رجلاً شهد بالحق وهو يعلم أن فلاناً صادق في دعواه، فقال المشهود عليه للشاهدين: نعطيكما عشرة آلاف ريال، وتسكتا؛ فإنها رشوة، فكما أن القاضي يأخذ المال رشوة للحكم بالباطل؛ فإن الشاهد أخذ المال لسكوته عن الشهادة فيتوصل بها إلى ظلم المظلوم وإعانة الظالم، فلا يجوز أخذ العوض على كتمان الشهادة.
لكن لو كانت الشهادة في حق يسع السكوت عنه.
مثلاً: من رأى رجلاً يزني بامرأة فإن من حقه أن يسكت، وإذا سكت وسترهما فإن الله يستره، ويجوز ذلك ويشرع؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً ستره الله) وأجمع العلماء على مشروعية الستر، فلو قال له قائل: اسكت ولا تشهد وأعطيك.
فهل يجوز أن يأخذ؟ نقول كما قال الأئمة رحمهم الله: إنه إذا سكت في هذه الحالة فإن الشهادة في الأصل حسبة لله، فإذا سكت عنها لله قبل السكوت، لكن إذا سكت عنها من أجل المال، فقد أخذ المال بدون حق؛ لأنها ليست من جنس ما يعاوض عنه؛ ولأن السكوت عبادة لله، والعبادات لا تجوز المعاوضة عليها، هذا بالنسبة لكتمان الشهادة.
[وتسقط الشفعة والحد]: يعني: إذا أعطاه المال من أجل أن يسكت عن الحد وسكت سقط الحد، ويبوء بإثمه والعياذ بالله إن كان فيه ظلم، وكذلك بالنسبة للشفعة فإنه إذا رضي أن يناقل عنها وينتقل؛ فإنه لا تصح المعاوضة وتسقط الشفعة، فلا هو أخذ المال ولا هو أدرك حقه بالشفعة
مسائل الازدحام في الحقوق
قال رحمه الله: [وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله]: من هذه الجملة فما بعد سندخل في مسائل جديدة، وهي التي تسمى مسائل الازدحام في الحقوق، ومن دقة الفقهاء رحمهم الله أنهم يذكرونها بعد الصلح، حتى ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله وهو من القرون الأول من أئمة السلف، كما في مختصر المزني حيث ذكر عنه مسائل الازدحام بعد الصلح، والمناسبة واضحة؛ لأن الازدحام دائماً في الحقوق يقع فيه الصلح.
فهم يذكرون الصلح كقاعدة عامة في الإقرار والإنكار، ثم بعد ذلك يدخلون مسائل الازدحام، وهذا منهج ورد عليه الأئمة من الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة وأتباعهم رحمة الله عليهم.
فلما فرغ رحمه الله من مسائل الحقوق الخاصة شرع في الحقوق العامة.
الحقوق العامة فيها مسألة الازدحام في الحق الخاص والحق العام، خاصة في الجيران، فلو كان لشخص شجرة ولهذه الشجرة غصن، فأطل الغصن على أرض جاره، فالجار سيتضرر من هذا الغصن بتساقط الورق، أو بشغله إذا أراد أن يرفع شيئاً أو يضع شيئاً فلا يستطيع؛ لأن الهواء قد شغل بالغصن.
هناك قاعدة نذكرها قبل أن ندخل في مسائل الازدحام: من ملك أرضاً ملك سماءها، الذي هو الهواء، وملك قرارها الذي هو الجوف.
فلو أنك ملكت (عشرة أمتار × عشرة أمتار) واشتريتها بمالك، فصارت ملكاً شرعياً ثابتاً، فأنت تملك الهواء وتملك الأرض، فليس من حق أحد أن يزاحمك في هوائها، وليس من حق أحد أن يزاحمك في قرارها هذا أصل.
دليل هذا الأصل قوله عليه الصلاة والسلام: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة) فجعله معذباً بأسفل الأرض كعذابه بأعلاه؛ لأنه باغتصابه للأعلى كان مغتصباً للأسفل، فدل على أن أسفل الأرض وأعلاها حكمه سواء، وتفرعت على هذا أحكام شرعية في المعاملات والعبادات.
ومن الأحكام في العبادات: أن من صلى في سقف المسجد الحرام نال أجر المائة ألف كما لو صلى في أسفله، وأن المعتكف لو صعد إلى سطح المسجد فإنه يصح اعتكافه ولا يبطل؛ لأنه لم يخرج عن المسجد، شريطة أن يكون خروجه للسطح من داخل المسجد لا من خارجه، وتفرع عليه مسألة الطواف في الدور الثاني؛ لأن الطواف كالصلاة، والصلاة تجوز في أعلاه كما تجوز لمن أسفله.
وتفرع عليه السعي في الدور الثاني إلا أن السعي أضعف من الطواف، ولذلك اختلف العلماء المعاصرين فيه؛ لأن هناك فرقاً بينهما من جهة قوله: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158] وهذه البينية (بِهِمَا) أي: بينهما؛ لأن الباء للظرفية ومن معاني الباء.
تعدَّ لصوقاً واستعن بتسبب وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلاء وزد بعضهم ظرفاً يميناً تحز معانيها كلها هذه كلها معانٍ للباء، فلما قال: {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158] أي: بينهما، بخلاف الطواف بالبيت فإنه صلاة، وجاء الأصل الشرعي أنه يجوز أن يصلي على أبي قبيس، وقعيقعان مع أن المصلي عليهما يسامت الهواء ولا يسامت الكعبة.
فدل على مشروعية الطواف مع مسامتة الهواء دون مسامتة الجذر، لكن بالنسبة للسعي فلا يشرع بمسامتة الهواء عند من يرى أن الأرض مستحقة للسعي بدليل الهرولة في هذا الموضع المخصوص -وإن كان يعترض عليه بالهرولة في الرمل- هذا القول مردود؛ لأن الهرولة ليست للموضع وإنما هي للسنة المتبعة بالرؤية.
فالشاهد أن المسألة عند من يقول: بأنه يجوز السعي -هو قول له وجهه ودليله- لأنه ينظر إلى أن الأسفل كالأعلى وأن الأعلى كالأسفل، فمن ملك أرضاً ملك هواها، وملك علوها وسفلها، ويتفرع عليها بطلان بيع الشقق؛ لأن الشقة إذا كانت في الأرض وبيعت فسطحها ملك لمن ملك الشقة، وإن استحدث شقة ثانية فقد استحدثها على ملك الغير، وصار على هذا من ملك الأسفل من الشقة ملك أعلاها وإن علا، فلو أنه قيل له إنما يملك الشقة السفلى ولا يملك العليا ناقض الأصل.
ولذلك ما يعمل به اليوم من قيام البعض بشراء أرض ثم يبني عليها عمارة، ويقسم العمارة على أربعة، وكل يأخذ دوراً، فأصبحت العمارة منقسمة على أربعة ويصبح السطح للمالك الحقيقي، ثم يبني المالك الحقيقي شقة أخرى ويبيعها ويقول: أنا ما بعت له إلا الشقة، فأصبح الملك في هذه الحالة متردداً، ويصبح الملك قابلاً للزيادة، وقابلاً للغرر، وهذا يخالف مسألة أن من ملك أرضاً ملك سماءها.
فلو نازع وقال: الشقة العليا لا تملك بالسفلى نوزع بالأصول التي ذكرناها، وقلنا: كيف تصحح الاعتكاف لمن يعتكف بسطح المسجد مع أنه ليس في قراره؟ ومعنى ذلك أنك أعطيت الأعلى حكم الأسفل، وتقول له أيضاً: كيف تصحح الطواف بالدور الثاني، فمعناه أنك تقول: إن من ملك الأرض ملك سماها، وأن علوي الأرض كأسفلها وإلا انتقض قولك في البيع، إذا قلت: بجواز بيع الشقة.
فالشاهد في مسألة سقوط الغصن في ملك الغير، أن الغصن يكون قد جاء على ملك الغير فالهواء ملك لصاحب الأرض، فإن قال صاحب الأرض: الهواء ملك لي، فارفع هذا الغصن عني، فقال: لن أزيله.
حينئذٍ من حقه أن يلوي هذا الغصن، سواء لحقه منه ضرر أو لم يلحقه، فمن حقه أن يقول: لا أريد هذا الغصن أن يطل على أرضي، فهذه أرضه، ومن حقه أن يأذن لمن يشاء ويمنع من يشاء، فإن أصر حل له أن يقطع هذا الزائد من الغصن؛ لأنه اعتداء عليه واعتداء على ملكه، لكن بعد أن يستوفي ما ذكرناه.
قال رحمه الله: [فإن أبى لواه إن أمكن] أي: يحرفه ويصرفه عن أرضه.
[وإلا فله قطعه]: أي: من حقه أن يقطعه ولا يطالبه صاحبه بالضمان
حكم الاستطراق في الدرب النافذ
قال رحمه الله تعالى: [ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق]: الحقيقة أن من يقرأ كتب العلماء والأئمة خاصة في الفقه يحس أنهم تركوا ثروة عظيمة لنا فرحمة الله عليهم، وفي بعض الأحيان تنظر إلى الفقهاء فإذا بهم أئمة في كل شيء.
إذا جئت إلى باب الطيب مثلاً في محذورات الإحرام تقرأ فروع الطيب، وما هو الطيب المؤثر في الإحرام؟ ما كان أصله طيباً، وما كان الطيب فيه تبع، وما يؤثر في الطعام، وما يؤثر في البدن، وغير ذلك من الفروع حتى تكاد تقول: إن الفقهاء عطارون.
وإذا أخذت مسائل النفاس وأحكام النفاس والولادة، فإذا أسقط المولود قبل تمام خلقته أو بعد تمام خلقته، تكاد تقول إنهم أطباء، ثم تأتي وتدخل في مسائل ازدحام الحقوق فتظنهم مهندسين، وهذا من التقعيد والتأصيل وضبط المسائل، فرحمة الله عليهم، ولكن هذه الثروة تحتاج من يعتني بها ويتأملها، ويتمعن فيها ويقررها على أصول الشريعة؛ لأنهم أئمة ما كانوا يأتون بشيء من عندهم، وإنما كانوا يستنيرون بنور الشرع، وهدي الكتاب والسنة في إعطاء الأحكام، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
ومسألة الغصن ليست منحصرة في الغصن بل هي أصل لغيره، فكل جار أطل على جاره بشيء فيه ضرر وأذية فمن حقه أن يمنعه، وحتى لو لم يكن فيه ضرر عليه، فمن حقه أن يقول: ارفع هذا عني.
وتقول: هو كغصن الشجرة، وهذا ما يسمونه بالتخريج، والتخريج أن تقرر المسألة القديمة بكلام العلماء بدليلها ثم تأتي للمسألة المعاصرة وتقول: هذه المسألة كمسألة الغصن، فتعطي المسألة المعاصرة حكم المسألة القديمة، وهذا من تخريج النازلة على المسألة القديمة.
مثلاً: الطريق النافذ: كان في القديم نظام البيوت أن يكون الحي والمجموعة من البيوت -عشرة بيوت مثلاً- تطل على حوش واحد -مثلاً- والأبواب كلها تطل على هذا الحوش، ويوجد طريق ينفذ من هذا الحي الذي فيه الأحواش إلى خارج المنطقة التي فيها البيوت، ويسمونه طريقاً غير نافذ، إذا كان بحي مغلق، وقد يكون الطريق نافذاً لحي غير مغلق، مثل أن يأتي الطريق في وسط الأحياء، مثل الشارع الذي يكون اليوم بين الفلل أو بين العمائر والبيوت، فهذا يسمونه الطريق النافذ، ففي هذه الحالة إذا كان الطريق نافذاً فإنه يشترك فيه عموم المسلمين.
إلا أنه في حالة كونه على حي أو على حوش أو حارة يسمى في القديم خاصاً، فحينئذٍ يكون حكمه أضيق مما لو كان طريقاً سابلاً للجميع، فإذا كان على حي وحارة خاصة فإنه يشرع ويجوز أن يستثنى برضا أهل الحي، ولكن إذا كان طريقاً عاماً لم يكن الإذن لأهل الحي؛ لأن الحق فيه ليس لحي مخصوص وإنما هو لعموم الناس، فهذا هو الفرق بين الصورتين.
و (الاستطراق): استفعال من الطرق.
أي: يجوز أن تفتح باباً من أجل أن يكون مخرجاً لك على هذا الطريق.
لو أن عمارة لها منفذ على طريق فيجوز لأي إنسان أن يفتح عليها باب؛ لأن الطريق للجميع، فليس من حق أحد أن يمنعني أن أفتح باباً في عمارتي أو بنايتي أو بيتي على هذا الطريق.
هذا من حيث الأصل العام
حكم إخراج الرواشن والبلكونات
[لا إخراج روشن]: الرواشن موجودة في البيوت القديمة وتكون من الخشب عادة، وإن كان أصلها وقرارها مثبت في نفس الجدار بخشب أو حديد أو نحوه، فملكيتك للبيت هو الأصل المسامت للقرار لا ما خرج عن ذلك، وإنما قال: (لا إخراج روشن)؛ لأن الروشن إذا خرج زحف على الطريق؛ ولأن فضاء الطريق للطريق؛ ولأن الفضاء تابع للأصل، فإذا أبرز الروشن فإنه في هذه الحالة دخل على ملك عموم المسلمين، وليس هناك إذن له بهذا؛ لأنه ينبغي أن يستأذن جميع المسلمين، وهذا يتعذر، فقالوا: لا روشن.
إلا أن بعض العلماء أجاز له أن يخرج الروشن إذا أذن له ولي الأمر، مثل ما يسمى بالبلكونات، فنظام البلكونات الآن في بعض الأحيان يكون على نفس الأرض، ويخرج بلكونته على أرضه فليس فيها إشكال، لكن لو أنه أخرجها زائدة عن حد أرضه وملكيته فلا بأس إذا كان بإذن، وإذا كانت بدون إذن فهذه لعموم المسلمين؛ لأنه إذا أبرز الروشن وكان الطريق مثلاً عرضه خمسة أمتار وأجزنا إبراز الروشن؛ امتنع مرور ما كان بهذا العرض؛ لأنه سيبرز الروشن مثلاً بمتر أو بنصف متر، فمعناه أنه في الهواء ضيق الطريق من خمسة أمتار إلى أربعة ونصف، فلو أن أهل الحي في يوم من الأيام احتاجوا أن يدخلوا شيئاً بعرض خمسة أمتار تعذر عليهم الإدخال
حكم الساباط
[وساباط]: الساباط يوجد في الأحياء القديمة، وهو أن يخرج من البيت بروز، فقد يكون الرجل مالكاً للبيتين وبينهما طريق، فيصل البيتين بالساباط، كالكبري الذي يكون في الطريق، ولا يستطيع أحد أن يمر إلا إذا كان دون هذا الساباط، فضيق على الناس في مرورهم إلى هذا الحد.
والفقهاء لا يقصدون ساباطاً أو روشناً أو غيره، فهذه أمثلة لقواعد كما ذكرنا، أرادوا من ذكر هذه الأمثلة أن تصبح نفسك مطمئنة لشيء واحد، وهو أن ملك الغير لا يحق لك أن تستحدث فيه شيئاً على وجه يضر به، أي: حتى يستبين لك ويتقرر عندك أن لك أن تحدث في حدود ملكك، أما ملك الغير وما كان ملكاً لعامة المسلمين فلا
حكم بناء الدكة في الدرب العام
[ودكة]: الدكة معروفة إلى زماننا هذا، تكون أمام البيت متصلة به من حجارة أو غيرها، يجلس عليها، وتكون بمثابة مكان يستقبل فيه الناس أو يجلس فيه في بعض الأوقات، لكن إذا كان الدكة في نفس الملك فلا إشكال
حكم إخراج الميزاب إلى الدرب العام
[وميزاب]: الميزاب هو الذي يسمى بـ (المرزاب) وتخرج منه الفضلات من سطوح البيوت والمنازل والغرف على الطرقات، وهذا فيه ضرر على الناس؛ لأنه إذا صب فإنه يصب على الناس، ولو قال قائل: إن صاحبه لا يصب منه إلا بحذر، قلنا له: إذا نزل المطر لا يستطيع أن يتحكم فيه، ففيه ضرر، ومثل هذه الميازيب لا يشرع فتحها على الطرقات العامة.
وخاصة بعد أن نظمت الطرق اليوم، وهذا يؤكد مشروعية المنع من إشراع الميازيب على طرق الناس لما فيها من الضرر والأذية، فقد يكون فيها نجاسة، فيخرج الناس إلى الصلاة وتسيل النجاسة في طرقاتهم، وإن كان والحمد لله الآن قد نظمت هذه الأشياء، وإلا فقد كان الناس يعانون من هذا عناءً لا يعلمه إلا الله، خاصة إذا كان صاحب الميزاب لا يتقي الله.
ولكن قد لطف الله بعباده وتغيرت الأحوال، فمن عاش القديم وعرف الأحياء القديمة ونظر إلى أحوالها يجد فيها عظيم الأذية والضرر بهذه الميازيب، من جهة صبها على الناس وما فيها من النجاسات، أو ما فيها حتى من الطاهرات المنتنة والمؤذية، فالرجل ليس في همه إلا أن يخرج عنه الضرر بغض النظر عن أن يكون في طريق الناس أو يكون مؤذياً للناس، فهذا لا يهمه فالذي يعنيه أن يدفع الضرر عن نفسه، فكان هذا من أعظم ما يستضر الناس به، ولكن الله عز وجل وسع عن الناس والحمد لله.
قال رحمه الله: [ولا يفعل ذلك في ملك جار]: فلو سلط المرزاب على جاره حق له أن يمنعه، ولو سلط الروشن أو الساباط على ملك جاره حق لجاره منعه.
قال رحمه الله: [ودرب مشترك بلا إذن مستحق] (ودرب مشترك): لا يجوز في الدرب المشترك أن يشرع عليه المرزاب، ولا يجوز في الدرب المشترك أن يضع الدكة كمداخل الأحياء، إلا بإذن مستحق.
قالوا: وإذا أذن أهل الحي أو أهل الحارة أو الذين يستفيدون من هذا الدرب فلا بأس، وإن كان بعض العلماء منع وقال: حتى لو أذنوا؛ لأنهم قد يأتيهم الضيف من خارج.
فهم إذا رضوا بالضرر فإن الضيف لا يرضى؛ ولأن الضيف سيطرق الطريق، والطريق حق عام للمسلمين، والعلماء رحمهم الله ما جاءوا بشيء من عند أنفسهم، إنما يبحثون عن صاحب الحق ومن له حق التنازل، حتى إن الإمام الشافعي وطائفة من العلماء لما ذكروا مسألة سد الطريق النافذ إلى الحي، قالوا: لو كان الطريق نافذاً إلى حي وله طريق بديل فاتفق أهل هذا الحي أن يسدوا هذا الطريق ويبقوا هذا الطريق قال: فمن حقهم سدها.
فاعترض بعض العلماء وقالوا: لو سد هذا الطريق وهو مشرع إلى طريق عام لاستضر من يحتاج إلى هذا الطريق؛ فإنه قد يحتاجه غير أهل الحي.
وقالوا: لو حدثت زحمة وفر الناس إلى هذا الطريق، خفف الزحام عنهم، فإذا سد الطريق استضروا.
كل هذا التقعيد المراد به: (من صاحب الحق).
ولتدرك أن هذه الأمثلة ما جاءت من فراغ، فهي تبحث عن مسألة: (من صاحب الحق، ومن يملك الإسقاط في هذا الحق)، فإذا عرفت من صاحب الحق عرفت وجه الاستحقاق، فمثلاً: لو اتفق أهل الحي على سد طريق وسدوه، ثم تراجع البعض فقالوا: نريد أن نفتحه، فلا يحق لهم أن يفتحوه إلا إذا اتفقوا كلهم على الفتح؛ لأنهم اتفقوا كلهم على السد، فينبغي أن يتفق جميعهم على فتحة.
وكل هذا تأصيل وتقعيد لمسألة الاستحقاق، وهذه المسائل ما جاءت عارضة، وليس المراد منها ذات المثال إنما المراد منها بيان صاحب الحق، ووجه الاستحقاق
حكم وضع خشبة على جدار الجار
قال رحمه الله: [وليس له وضع خشبه على حائط جاره إلا عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلا به]: أي: لأن الأصل أن الجار يملك جداره، وليس من حق أحد أن يضع خشبه على جداره إلا بإذنه، ويجوز إذا احتاج.
فالجار له حالتان: الحالة الأولى: أن لا يكون محتاجاً لوضع الخشب على جداره، فليس من حقه أن يحرجه وأن يضع الخشب على جداره، وكانوا في القديم ربما بنى الجار الدور الأول بجدار، وفي الدور الثاني احتاج أن يضع خشبة على جدارك؛ لأن جدارك مهيأ لهذا، فهل من حقه أم لا؟ يجوز له ذلك، ولا يجوز لك منعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن جاراً جاره أن يغرز خشبه في جداره) وفي رواية: (خشبة في جداره) وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (ما لي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكنافكم) يعني: إنني أبِّرئ ذمتي وأبلغكم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تتحملون المسئولية إن خالفتم السنة: فمنعتم الجار من غرز خشبه في الجدار.
وقيل في رواية: (مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) أي: لأجعلن الخشب حتى ولو على أكتافكم.
يعني: تحقيقاً لهذه السنة، وكلاهما وجه في الرواية، وهذا يدل على مشروعية غرز الخشب في جدار الجار.
قال رحمه الله: [وكذلك المسجد وغيره]: أي: إذا احتاج المسجد أن يوضع سقفه على جدار الجار فيوضع، أو العكس: لو أن الجار احتاج أن يضع خشبه على جدار المسجد فإنه يجوز؛ لأن السنة ماضية، فجار المسجد جار، فيستوي في ذلك الأوقاف وغيرها.
قال رحمه الله: [وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه] هذه المسألة يقع تطبيقها في الأملاك القديمة، حيث يوجد جدار بين مزرعتي ومزرعتك بناه الأجداد، ولا تدري هل جدك الذي بناه أو جدي، لكن المعروف أن هذا الجدار فاصل بيني وبينك، فانهدم هذا الجدار بالسيل أو الريح فسقط، فجئتك لأجل أن نبنيه فقلت لك: يا فلان! أريد أن أبني الجدار.
فقلت لي: ابنه أما أنا فلا أدفع شيئاً، فمن ناحية شرعية تلزم بالدفع؛ لأن الجدار بيني وبينك، والحق مشترك بيننا، ولا تتعطل مصالحي بتقاعسك عنه.
أي أنه لابد من وجود الفاصل بين الحدين، فيبنى الجدار وتكون القيمة بين الطرفين، وهكذا في الحقوق المشتركة، إذا امتنع أحدهما واستضر الآخر بامتناعه ألزم وأكره على ذلك.
قال رحمه الله: [وكذا النهر]: مثلاً: نهر يسقي المزارع -مثل العيون- لأنها تسقي الجميع، فلو احتاجوا أن ينظفوها ويوسعوها وامتنع البعض من المساهمة فإنهم يلزمون بذلك، وهذا من باب الحقوق المشتركة؛ لأن امتناعه عن المساهمة يضر بالجماعة وفقه المسألة: أنه إذا امتنع تعطل الماء عن المزارع فتضرر الجماعة، فرضنا عليه أن يدفع.
فالقاعدة: (أن الضرر الخاص يحتمل للضرر العام) فنقدم ضرر الجماعة على ضرر الفرد، مع أنه إذا دفع حصلت المصلحة، فكأنه بامتناعه عن الدفع يتجاهل مصلحته، فيلزم وكأنه سفيه بما فيه رشده.
وكذا في الطرقات فلو أنه احتيج إلى طريق يكون مشتركاً واستهموا كلهم إلا واحداً، أجبر على أن يساهم إلا أن يكون عاجزاً فيكون بمثابة الدين عليه، يجب أن يقضيه متى تيسر له، فيعطي إخوانه حقهم فيما توجب عليه في المشاركة.
قال رحمه الله: [والدولاب]: كذلك دواليب السقي في المزارع ومنها: العيون والخيوف.
قال رحمه الله: [والقناة]: القناة التي تجري فيها المياه، كأن تبنى وتنظف ويجري فيها الماء، فإذا امتنع البعض اجبروا على المساهمة معهم
الأسئلة
حكم تأجير النفس للعمل
السؤال
هل من صور المعاوضة بالمنافع: أن يؤجر نفسه للعمل عنده شهراً لاستيفاء حقه؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فعلى القول بمشروعية الصلح بالإجارة يستقيم أن يؤجر نفسه أو يؤجر شيئاً يملكه كسيارته أو داره أو نحو ذلك، ولا فرق بين إجارة الأشخاص والذوات وبين إجارة المنافع، فالحكم فيها سواء، فيصح أن يقول له: على أن أعمل عندك شهراً أو أسبوعاً أو سنةً، وهذا ما يسميه العلماء بإجارة المسانهة والمشاهرة والمياومة، وكل ذلك جائز ومشروع.
والله تعالى أعلم
حكم الصلح على وجه يقع به الضرر
السؤال
ما حكم الصلح إذا كان فيه تمادٍ واستمرارٌ لصاحب الخطأ؟
الجواب
الصلح كما ذكرنا لا يكون على سبيل الظلم، فالظالم لا يصالح على ظلمه، إنما نتكلم على شيء محتمل أن يكون فيه مصيباً ومحتمل أن يكون خاطئاً، فيصالحه عليه، على التفصيل الذي ذكره الفقهاء فيما قد بيناه.
أما لو صالحه على وجه يكون فيه ضرر فلا؛ مثلاً: إذا وقعت خصومة بين اثنين وأحدهما معروف بالأذية والإضرار، فقد سبق وأن بينّا أنه ينبغي أن يُنصَف المظلوم من ظالمه وأن يقال للظالم: اتقِ الله، ولا تظلم فلاناً، ويبين الحق، فهذا واجب عليه؛ لأنه من باب النصيحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تكفه عن ظلمه، فذلك نصر له).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد