عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-06-2024, 06:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام المتعلقة بالصكوك الإسلامية (التوريق)




القول الثاني: يجوز بيع دين السلم لغير المسلم إليه إذا لم يكن طعامًا، ويجوز بيعه له إذا كان مما يجوز بيعه قبل قبضه، وكان المأخوذ مما يباع بدين السلم يدًا بيد، ومما يجوز أن يسلم فيه رأس مال.

وهو مذهب المالكية[74].


واستدلوا: بأن الأصل الجواز؛ ما لم يؤدِ هذا البيع إلى ما نُهي عنه؛ من بيع الطعام قبل قبضه، أو بيع ما لا يجوز بيعه قبل قبضه، أو بيع ما لا يباع يدًا بيد؛ كبيع اللحم غير المطبوخ بالحيوان، أو كان يؤدي إلى الصرف الممنوع[75].


ونوقش: أن بيع ما لا يجوز بيعه قبل قبضه، ولو طعامًا، إنما يمنع في بيع الأعيان دون الديون[76].


القول الثالث: جواز بيع دين السلم على من هو في ذمّته، وعلى غيره، بثمنه، أو بأقل، بلا ربح.

وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه،[77] ورواية لأحمد، اختارها ابن تيمية،[78] وابن القيم[79].


ففي الإنصاف في مسألة بيع السلم قبل قبضه: "وفي المبهج[80] وغيره رواية: بأن بيعه يصح، واختاره الشيخ تقي الدين - رحمه الله -"[81].


واستدلوا من السنة، والأثر، والمعقول:
(1) استدلوا من السنة: بما أخرجه الخمسة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: كنتُ أبيع الإبل بالبقيع، فأقبض الوَرِق من الدنانير، والدنانير من الورق، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك؛ إني كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأقبض هذه من هذه، وهذه من هذه، فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا، وبينكما شيء "[82].


ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع الثمن ممن هو في ذمّته قبل قبضه؛ فكذلك دين السلم[83].


ونوقش: بأن الحديث لم يصح مرفوعًا[84].


(2) واستدلوا من الأثر: بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا أسلفت في طعام فحلّ الأجل، فلم تجد طعامًا، فخذ منه عرضًا بأنقص، ولا تربح عليه مرتين[85].


ووجه الدلالة: أن ابن عباس رضي الله عنه أجاز بيع دين السلم إذا لم يربح فيه المسلِم، وهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالف[86].


(3) واستدلوا من المعقول: بأن دين السلم كغيره من المبيعات، يجوز الاعتياض عنه بغيره[87].


ونوقش: بأن العين أقبل للتصرف من الدين، بدليل أن الدين يفوت بفوات محله، متى ما مات المدين مفلسًا[88].


القول المخـتار:
هو القول الثالث؛ لدلالة أثر ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهما عليه، وعلى هذا فيصح تداول صكوك السلم.

‌د- وتتعلق بصكوك الإجارة مسائل:
‌أ- إذا كانت صكوك الإجارة تمثل ملكية أصول (أعيان) مؤجرة:
فتملك حملة الصكوك لهذه الأصول من تملك المشاع، وقد أجاز أهل العلم أن يقوم الشركاء بتأجير المشاع،[89] وعليه فلا حرج من إصدار مثل هذه الصكوك.

وأما ما يتعلق بتداولها في الأسواق المالية، فقد اتفق أهل العلم على جواز بيع المشاع،[90] لكن لما كانت هذه الأصول مؤجرة، تعلقت بها مسألة حكم بيع العين المؤجرة على غير المستأجر.

وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز بيع العين المؤجرة لغير المستأجر.

وهو مذهب المالكية،[91] والأظهر عند الشافعية،[92] والمذهب عند الحنابلة[93].


ففي مواهب الجليل: "يجوز للمؤاجر أن يبيع العين المستأجرة من المستأجر، وغيره"[94].


وفي منهاج الطالبين: "ويصح بيع المستأجرة للمكتري، ولا تنفسخ الإجارة في الأصح، ولو باعها لغيره جاز في الأظهر، ولا تنفسخ"[95].

وفي الإنصاف: "ويجوز بيع العين المستأجرة، هذا المذهب "[96].
واستدلوا: بأن بيع العين المؤجرة لا يضرّ بحق المستأجر؛ لأن البيع وارد على العين، وحق المستأجر وارد على المنفعة مدّة الإجارة[97].


ونوقش: أن يد المستأجر على العين تمنع من تسليم المبيع حالاً، وبيع الأعيان لا يقبل التأجيل[98].


وأجيب: أن يد المستأجر واقعة على المنفعة مدّة الإجارة، والبيع واقع على العين، فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر[99].


القول الثاني: أن بيع العين المؤجرة لغير المستأجر موقوف على إجازة المستأجر؛ فإن أجاز البيع صحّ، وبطلت الإجارة، وإن لم يجزه ثبت للمشتري الخيار في البيع.

وهو مذهب الحنفية[100].


ففي المبسوط: "وإن باعه فبيعه باطل، لا يجوز لعجزه عن التسليم، وقد بيّنا في البيوع أن الصحيح من الرواية أن البيع موقوف على سقوط حق المستأجر"[101].


واستدلوا: بأن حق المستأجر متقدم على البيع، فتشترط إجازته[102].


ونوقش: بأن بيع العين المؤجرة لا يبطل حق المستأجر؛ لأن المشتري إنما يتسلم منفعتها بعد انتهاء مدّة الإجارة، وكل تصرف لا يمنع حق المستأجر لا يمنع[103].



القول الثالث: أن بيع العين المؤجرة باطل.

وهو قول عند الحنفية،[104] وقول عند الشافعية،[105] ووجه عند الحنابلة[106].


واستدلوا: بأن من باع العين المؤجرة باع ملكه وملك غيره، ولا يصح ذلك[107].


ويناقش: بأن البيع متّجه إلى العين، وإلى الأجرة في مدّة الإجارة، وإلى المنفعة بعدها، وكلها مملوكة لبائعها.

القول المخـتار:
جواز بيع العين المؤجرة؛ لعدم وقوع الضرر على المستأجر في ذلك، فإن لم يعلم المشتري أنها مؤجرة فله الخيار.

‌ب- إذا كانت صكوك الإجارة تمثل ملكية منافع أعيان معينة، دون ملكية أصولها:
ومعنى ذلك أن حملة الصكوك استأجروا هذه الأصول، وأرادوا تأجيرها، وتتعلق بهذه الصورة مسألة حكم قيام المستأجر بتأجير ما استأجره:
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الثمن، أو أكثر، أو أقل.

وهو مذهب الجمهور؛ من المالكية،[108] والشافعية،[109] والحنابلة،[110] واشترطوا أن لا يكون المستأجر الثاني أشدّ ضررًا من الأول[111].


ففي مواهب الجليل: "وله أن يؤجر مؤجره وغيره، بمثل الإجارة، وبالأقل والأكثر"[112].


وفي روضة الطالبين: "يصح من المستأجر إجارة ما استأجره بعد قبضه، سواء أجر بمثل ما استأجر، أم بأقل، أم بأكثر"[113].


وفي المغني: "ويجوز للمستأجر إجارة العين، بمثل الأجر وزيادة، نصّ عليه أحمد"[114].


واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول: أن الإجارة بيع منافع؛ فكما يصح بيع المبيع بأكثر من ثمنه، يصح ذلك في الإجارة[115].


الدليل الثاني: أن مقتضى عقد الإجارة ملك المنفعة، فيجوز له أن يستوفيها بنفسه، أو بمن يُقيمه مقام نفسه[116].


القول الثاني: لا يجوز للمستأجر أن يؤجر بأكثر مما استأجر به، إلا إذا زاد في العين المؤجرة زيادة.

وهو مذهب الحنفية،[117] ورواية لأحمد[118].


ففي بدائع الصنائع: "ولو أجرها المستأجر بأكثر من الأجرة الأولى، فإن كانت الثانية من خلاف جنس الأولى طابت له الزيادة، وإن كانت من جنس الأولى لا تطيب له، حتى يزيد في الدار زيادة؛ من بناء، أو حفر، أو تطيين، أو تجصيص"[119].


وفي المغني: "وعن أحمد أنه إن أحدث في العين زيادة، جاز له أن يكريها بزيادة، وإلا لم تجز الزيادة"[120].


واستدلوا: بأن المستأجر يربح في هذه الإجارة ما لم يضمن؛ لأن العين المؤجرة في ضمان المؤجر، بخلاف ما إذا عمل عملاً فيها، فإنه تطيب له الزيادة؛ لأنها في مقابلة العمل[121].


ونوقش من وجهين:
الأول: بأن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه، فإنها لو تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه[122].


والثاني: أن المستأجر لما أجرّ المنافع صارت مضمونة عليه، فيرجع المستأجر الثاني بالضمان عليه، وهو يرجع بالضمان على المؤجر الأول[123].


القول الثالث: لا يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره مطلقًا.

وهي رواية لأحمد[124].


واستدلوا: بأن المنافع لم تقبض بعد، ولا يحل بيع الشيء المعين قبل قبضه[125].


ونوقش: أن قبض العين قام مقام قبض المنافع؛ بدليل أنه يجوز له أن يتصرف فيها، فجاز له أن يؤجرها[126].


القول المخـتار:
يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره؛ سواء بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، لمن هو مثله، أو أخفّ منه ضررًا؛ لقوة أدلة هذا القول، وانفكاكها عن المناقشة، ولأن المستأجر ملك منفعة العين المؤجرة، فلا يمنع من التصرف فيها، ما لم يشترط عليه المؤجر خلاف ذلك.

‌ج- إذا كانت صكوك الإجارة تمثل ملكية منافع أصول موصوفة في الذمّة:
كتصكيك حقوق بعض الجهات في تأمين العمّال وتشغيلهم لصالح جهة أخرى، ويتعلق حكم هذه الصورة بمسألة حكم إضافة الإجارة إلى المستقبل، ذلك لأن هذه الأصول لم يتملكها المؤجر بعد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تجوز إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل.

وهو مذهب الجمهور؛ من الحنفية،[127] والمالكية،[128] والحنابلة[129].


ففي الفتاوى الهندية: "إذا أضاف الإجارة إلى وقت في المستقبل؛ بأن قال: آجرتك داري هذه غدًا، أو ما أشبهه، فإنه جائز"[130].


وفي الشرح الكبير، للدردير: "وجاز لمن له رقيق، أو ولد تعليمه؛ أيّ دفعه لمن يعلمه صنعة معينة بعمله سنة مثلاً... وابتداء السنة من يوم أخذه، لا من يوم العقد عند الإطلاق، فإن عيّنا زمنًا عُمل به فيما يظهر"[131].


وفي كشاف القناع: "ولا يشترط أن تلي المدّة؛ أيّ مدّة الإجارة العقد، فلو أجره سنة خمس، في سنة أربع صح العقد"[132].


واستدلوا بدليلين:
الأول: بأن المدّة المستقبلة مدّة يجوز العقد عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفردة؛ كالتي تلي العقد[133].


والثاني: أن كثيرًا من التصرفات تصح مضافة إلى المستقبل؛ كالطلاق، والعتاق، وتقاس الإجارة عليهما[134].


القول الثاني: جواز إضافة إجارة الموصوف في الذمّة إلى زمن مستقبل، دون إجارة الأعيان.
وهو مذهب الشافعية[135].


ففي روضة الطالبين: "أما إجارة العين، فلا يصح إيرادها على المستقبل، كإجارة الدار السنة المستقبلة، والشهر الآتي... أما الواردة على الذمّة، فيحتمل فيها التأجيل والتأخير، كما إذا قال: ألزمت ذمّتك حملي إلى موضع كذا، في دابّة صفتها كذا، غدًا، أو غرة شهر كذا"[136].


واستدلوا: بأن الإجارة عقد معاوضة، وحكمها حكم البيع، فلا تقبل الإضافة إلى المستقبل، إلا إن كانت العين المستأجرة موصوفةً في الذمّة؛ فتصح كبيع السلم[137].


ونوقش: أن العقد في الإجارة ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المعقود عليه، وهو المنفعة، والمنفعة حال وجودها لا يمكن إنشاء العقد عليها، فدعت الضرورة إلى الإضافة؛ وهي بهذا تفارق البيع[138].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.92%)]