المسألة التاسعة والعشرون:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
{ من أدرك ماله بعينه عند رجل - أو إنسان - قد أفلس فهو أحق به من غيره } .
فيه مسائل:
الأولى:
رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس ، أو الموت .
فيه ثلاثة مذاهب:
الأول : أنه يرجع إليه في الموت والفلس، وهذا مذهب الشافعي .
والثاني : أنه لا يرجع إليه ، لا في الموت ولا في الفلس وهو مذهب أبي حنيفة .
والثالث : يرجع إليه في الفلس دون الموت، ويكون في الموت أسوة الغرماء، وهو مذهب مالك.
وهذا الحديث دليل على الرجوع في الفلس:
ودلالته قوية جدا ، حتى قيل : إنه لا تأويل له.
وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي:
لو قضى القاضي بخلافه نقض حكمه .
ورأيت في تأويله وجهين ضعيفين :
أحدهما : أن يحمل على الغصب الوديعة ، لما فيه من اعتبار حقيقة المالية .
وهو ضعيف جدا ؛ لأنه يبطل فائدة تعليل الحكم بالفلس .
الثاني : أن يحمل على ما قبل القبض .
وقد استضعف بقوله صلى الله عليه وسلم " أدرك ماله ، أو وجد متاعه " فإن ذلك يقتضي إمكان العقد وذلك بعد خروج السلعة من يده .
============================== ==========
المسألة الثلاثون:
حديث المسيء صلاته:
الوجه الرابع من الكلام على الحديث :
استدل بقوله " فكبر " على وجوب التكبير بعينه .
وأبو حنيفة يخالف فيه ، ويقول : إذا أتى بما يقتضي التعظيم ، كقوله " الله أجل " أو " أعظم " كفى .
وهذا نظر منه إلى المعنى ، وأن المقصود التعظيم ، فيحصل بكل ما دل عليه .
وغيره اتبع اللفظ .
وظاهره تعيين التكبير .
ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات .
ويكثر ذلك فيها .
فالاحتياط فيها الاتباع .
وأيضا:
فالخصوص قد يكون مطلوبا ، أعني خصوص التعظيم بلفظ " الله أكبر " وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلقة ، كما تدل عليه الأحاديث فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى ، ولا يعارض هذا: أن يكون أصل المعنى مفهوما .
فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل ، كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع ، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به .
ويتأيد هذا:
باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة، أعني " الله أكبر".
وأيضا:
فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة ويخرج على هذا حكم هذه المسألة .
فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير .
وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرا وتفصيلا .
وعلى تقدير تقريرها مطلقا يخرج ما ذكرناه .
المسألة الواحدة والثلاثون:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
{ بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل .
فقال : يا رسول الله ، هلكت .
قال : ما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي ، وأنا صائم - وفي رواية : أصبت أهلي في رمضان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا .
قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا .
قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا .
قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السائل ؟ قال : أنا .
قال : خذ هذا ، فتصدق به .
فقال الرجل : على أفقر مني : يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي .
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه .
ثم قال : أطعمه أهلك } .
قوله " فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ ":
يدل على وجوب إطعام هذا العدد .
ومن قال بأن الواجب إطعام ستين مسكينا فهذا الحديث يرد عليه من وجهين :
أحدهما : أنه أضاف " الإطعام " الذي هو مصدر " أطعم " إلى ستين .
ولا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام .
الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال وقد عرف ما في ذلك في أصول الفقه .
============================
المسألة الثانية والثلاثون:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
{ إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها .
قال : فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن .
قال : فأقبل عليه عبد الله ، فسبه سبا سيئا ، ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟ } وفي لفظ { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } .
الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان وقوله في الرواية الأخرى { لا تمنعوا إماء الله } يشعر أيضا بطلبهن للخروج فإن المانع إنما يكون بعد وجود المقتضى .
ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن ؛ لأنه لو كان ممتنعا لم ينه الرجال عن منعهن منه .
والحديث عام في النساء ، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات : منها : أن لا يتطيبن.
وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات { وليخرجن تفلات } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة } فألحق بالطيب ما في معناه .
فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم .
وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة أيضا .
فما أوجب هذا المعنى التحق به .
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة } ويلحق به أيضا : حسن الملابس ، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة .
وحمل بعضهم قول عائشة رضي الله عنها في الصحيح " لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده : لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل " على هذا ، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة .
ومما خص به بعضهم هذا الحديث : أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة .
ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص : أن يكون بالليل، وقد ورد في كتاب مسلم ما يشعر بهذا المعنى
============================== ====
المسألة الثالثة والثلاثون:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين } .
الرابع : قد يستدل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء .
فإن مسمى السجود يحصل بالوضع .
فمن وضعها فقد أتى بما أمر به .
فوجب أن يخرج عن العهدة .
وهذا يلتفت إلى بحث أصولي:
وهو أن الإجزاء في مثل هذا هل هو راجع إلى اللفظ؟
أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به ، مضموما إلى فعل المأمور به ؟ .
وحاصله:
أن فعل المأمور به : هل هو علة الإجزاء ، أو جزء علة الإجزاء ؟
ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب .
وكذلك القدمان .
أما الأول: فلما يحذر فيه من كشف العورة .
وأما الثاني: وهو عدم كشف القدمين فعليه دليل لطيف جدا ؛ لأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف .
فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين .
وانتقضت الطهارة ، وبطلت الصلاة .
وهذا باطل .
ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخف ، فيدل عليه بحديث صفوان الذي فيه { أمرنا أن لا ننزع خفافنا } - إلى آخره " .
فتقول : لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدة التي دل عليها لفظة " أمرنا " المحمولة على الإباحة .
وأما اليدان:
فللشافعي تردد في وجوب كشفهما .