عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 28-06-2024, 04:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,329
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قراءة في تعليل الأحكام الواردة في كتاب ابن دقيق إحكام الأحكام

المسألة الثامنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا
وذلك : أنه إذا توضأ ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحط عنه خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ، ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة } .
الكلام عليه من وجوه:
أحدها : أن لقائل أن يقول : هذا الثواب المقدر لا يحصل بمجرد صلاة الجماعة في البيت .
وذلك بناء على ثلاث قواعد:
الأولى : أن اللفظ - أعني قوله " وذلك " - أنه يقتضي تعليل الحكم السابق .
وهذا ظاهر ؛ لأن التقدير : وذلك لأنه، وهو مقتض للتعليل .
وسياق هذا اللفظ في نظائر هذا اللفظ يقتضي ذلك .
الثانية : أن محل الحكم لا بد أن تكون علته موجودة فيه .
وهذا أيضا متفق عليه، وهو ظاهر أيضا، لأن العلة لو لم تكن موجودة في محل الحكم لكانت أجنبية عنه، فلا يحصل التعليل بها .
الثالثة : أن ما رتب على مجموع لم يلزم حصوله في بعض ذلك المجموع إلا إذا دل الدليل على إلغاء بعض ذلك المجموع ، وعدم اعتباره، فيكون وجوده كعدمه ويبقى ما عداه معتبرا ولا يلزم أن يترتب الحكم على بعضه .
فإذا تقررت هذه القواعد:
فاللفظ يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بمضاعفة صلاة الرجل في الجماعة على صلاته في بيته وسوقه بهذا القدر المعين .
وعلل ذلك باجتماع أمور :
منها:
1- الوضوء في البيت.
2- والإحسان فيه.
3- والمشي إلى الصلاة لرفع الدرجات .
4- وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه .
وإذا علل هذا الحكم باجتماع هذه الأمور ، فلا بد أن يكون المعتبر من هذه الأمور موجودا في محل الحكم .
وإذا كان موجودا فكل ما أمكن أن يكون معتبرا منها ، فالأصل : أن لا يترتب الحكم بدونه .
فمن صلى في بيته في جماعة لم يحصل في صلاته بعض هذا المجموع ، وهو المشي الذي به ترفع له الدرجات وتحط عنه الخطيئات .
فمقتضى القياس :
أن لا يحصل هذا القدر من المضاعفة له .
لأن هذا الوصف - أعني المشي إلى المسجد ، مع كونه رافعا للدرجات ، حاطا للخطيئات - لا يمكن إلغاؤه .
وهذا مقتضى القياس في هذا اللفظ.
إلا أن الحديث الآخر - وهو الذي يقتضي ترتيب هذا الحكم على مطلق صلاة الجماعة- :
يقتضي خلاف ما قلناه ، وهو حصول هذا المقدار من الثواب لمن صلى جماعة في بيته .
فيتصدى النظر:
في مدلول كل واحد من الحديثين بالنسبة إلى العموم والخصوص.

============================== ========

البحث الثاني [المسألة التاسعة] :
هذا الذي ذكرناه:
أمر يرجع إلى المفاضلة بين صلاة الجماعة في المساجد والانفراد .
وهل يحصل للمصلي في البيوت جماعة هذا المقدار من المضاعفة أم لا ؟
والذي يظهر من إطلاقهم :
حصوله .
ولست أعني أنه لا تفضل صلاة الجماعة في البيت على الانفراد فيه.
فإن ذلك لا شك فيه .
إنما النظر:
في أنه هل يتفاضل بهذا القدر المخصوص أم لا ؟
ولا يلزم من عدم هذا القدر المخصوص من الفضيلة :
عدم حصول مطلق الفضيلة .
وإنما تردد أصحاب الشافعي:
في أن إقامة الجماعة في غير المساجد : هل يتأدى بها المطلوب؟
فعن بعضهم:
أنه لا يكفي إقامة الجماعة في البيوت في إقامة الفرض، أعني إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض على الكفاية .
وقال بعضهم :
يكفي إذا اشتهر ، كما إذا صلى صلاة الجماعة في السوق مثلا .
والأول عندي :
أصح ؛ لأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد .
هذا وصف معتبر لا يتأتى إلغاؤه.
وليست هذه المسألة هي التي صدرنا بها هذا البحث أولا:
لأن في هذه:
نظر في أن إقامة الشعار هل تتأدى بصلاة الجماعة في البيوت أم لا ؟
والذي بحثناه أولا :
هو أن صلاة الجماعة في البيت هل تتضاعف بالقدر المخصوص أم لا ؟

============================== ===============

المسألة العاشرة:
حديث أبي هريرة وأبي مسعود ... يدلان على التخفيف في صلاة الإمام .
والحكم فيها مذكور مع علته ، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول .
وفيه - بعد ذلك – بحثان:
أحدهما :
أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم:
1- فحيث يشق على المأمومين التطويل ، ويريدون التخفيف : يؤمر بالتخفيف .
2- وحيث لا يشق ، أو لا يريدون التخفيف : لا يكره التطويل .
وعن هذا قال الفقهاء : إنه إذا علم من المأمومين : أنهم يؤثرون التطويل طول ، كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل فإن ذلك - وإن شق عليهم - فقد آثروه ودخلوا عليه .
الثاني :
التطويل والتخفيف : من الأمور الإضافية:
فقد يكون الشيء طويلا بالنسبة إلى عادة قوم .
وقد يكون خفيفا بالنسبة إلى عادة آخرين .
وقد قال بعض الفقهاء :
إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود .
والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك ، مع أمره بالتخفيف.
فكأن ذلك:
لأن عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا .
هذا إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عاما في صلواته أو أكثرها .
وإن كان خاصا ببعضها:
فيحتمل أن يكون ؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل.
وهو متردد بين:
1- أن لا يكون تطويلا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة.
2- وبين أن يكون تطويلا لكنه بسبب إيثار المأمومين.
وظاهر الحديث المروي : لا يقتضي الخصوص ببعض صلواته صلى الله عليه وسلم .
ثم قال رحمه الله:
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أفعال مختلفة في الطول والقصر ، وصنف فيها بعض الحفاظ كتابا مفردا .
والذي اختاره الشافعية:
التطويل : في قراءة الصبح والظهر ، والتقصير في المغرب ، والتوسط في العصر والعشاء ، وغيرهم يوافق في الصبح والمغرب ، ويخالف في الظهر والعصر والعشاء .
واستمر العمل من الناس:
على التطويل في الصبح ، والقصر في المغرب.
وما ورد على خلاف ذلك من الأحاديث:
فإن ظهرت له علة في المخالفة:
فقد يحمل على تلك العلة ، كما في حديث البراء بن عازب المذكور ، فإنه ذكر " أنه في السفر " فمن يختار أوساط المفصل لصلاة العشاء الآخرة : يحمل ذلك على أن السفر مناسب للتخفيف ، لاشتغال المسافر وتعبه .
والصحيح عندنا:
أن ما صح في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يكثر مواظبته عليه ، فهو جائز من غير كراهة:
1- كحديث جبير بن مطعم في قراءة "الطور" في المغرب.
2- وكحديث قراءة " الأعراف " فيها .
وما صحت المواظبة عليه ، فهو في درجة الرجحان في الاستحباب إلا أن غيره مما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم غير مكروه .
وقد تقدم الفرق:
1- بين كون الشيء مستحبا.
2- وبين كون تركه مكروها .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.48%)]