قراءة في تعليل الأحكام الواردة في كتاب ابن دقيق إحكام الأحكام
د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
المسألة الخامسة:
اختلفوا في علة هذا النهي من حيث المعنى [أي النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول]
والظاهر:
أنه لإظهار الاحترام والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد الحكم على وفقه، فيكون علة له.
وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل:
ما روي من حديث سلمة بن وهرام عن سراقة بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله عز وجل ، ولا يستقبل القبلة }
وهذا ظاهر قوي في التعليل بما ذكرناه .
ومنهم من علل بأمر آخر :
فذكر عيسى بن أبي عيسى قال : قلت للشعبي - هو بفتح الشين المعجمة ، وسكون العين المهملة - عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر قال : وما قالا ؟ قلت : قال أبو هريرة " لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها " وقال نافع عن ابن عمر " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مذهبا مواجه القبلة " قال : أما قول أبي هريرة : ففي الصحراء ، إن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء ، فلا تستقبلوهم ، ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها .
وذكر الدارقطني : أن عيسى هذا ضعيف .
وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء ، فاستتر بشيء:
هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا ؟
فالتعليل باحترام القبلة : يقتضي المنع.
والتعليل برؤية المصلين : يقتضي الجواز .
ثم قال ابن رجب في المسألة التي تليها:
قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الخلاء ، فلا تستقبلوا القبلة - الحديث " يقتضي أمرين: أحدهما : ممنوع منه .
والثاني : علة لذلك المنع .
وقد تكلمنا عن العلة .
والكلام الآن على محل العلة:
فالحديث دل على المنع من استقبالها لغائط أو بول ، وهذه الحالة تتضمن أمرين :
أحدهما : خروج الخارج المستقذر .
والثاني: كشف العورة.
فمن الناس من قال : المنع للخارج ، لمناسبته لتعظيم القبلة عنه .
ومنهم من قال : المنع لكشف العورة .
وينبني على هذا الخلاف :
خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة؟
فمن علل بالخارج: أباحه ، إذ لا خارج .
ومن علل بالعورة: منعه .
==============================
المسألة السادسة:
عن عبد الله بن عمر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: { يا رسول الله ، أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد } .
ليس في هذا الحديث - الذي ذكره المصنف - متمسك للوجوب:
فإنه وقف إباحة الرقاد على الوضوء ، فإن هذا الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام " فليرقد " ليس للوجوب ، ولا للاستحباب ، فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب ، فإذا هو للإباحة ، فتتوقف الإباحة ههنا على الوضوء ، وذلك هو المطلوب .
والذين قالوا : إن الأمر ههنا على الوجوب ، اختلفوا في علة هذا الحكم:
فقيل: علته أن يبيت على إحدى الطهارتين ، خشية الموت في المنام.
وقيل: علته أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه.
وبنوا على هاتين العلتين :
أن الحائض إذا أرادت النوم ، هل تؤمر بالوضوء ؟
فمقتضى التعليل بالمبيت على إحدى الطهارتين :
أن تتوضأ الحائض ؛ لأن المعنى موجود فيها.
ومقتضى التعليل بحصول النشاط :
أن لا تؤمر به الحائض ؛ لأنها لو نشطت لم يمكنها رفع حدثها بالغسل .
وقد نص الشافعي على أنه ليس ذلك على الحائض:
فيحتمل: أن يكون راعى هذه العلة ، فنفى الحكم لانتفائها.
ويحتمل أن يكون لم يراعها ، ونفى الحكم ؛ لأنه رأى أن أمر الجنب به تعبد ، ولا يقاس عليه غيره ، أو رأى علة أخرى غير ما ذكرناه ، والله أعلم .
==============================
المسألة السابعة:
الظاهرية أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة .
وزادوا - فيما نقل عنهم - فقالوا : إن صلى فصلاته باطلة .
وأما أهل القياس والنظر: فإنهم نظروا إلى المعنى ، وفهموا : أن العلة التشويش ، لأجل التشوف إلى الطعام، وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها، وهي قوله " وأحدكم صائم " فتتبعوا هذا المعنى .
فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام .
واقتصروا أيضا على مقدار ما يكسر سورة الجوع .
ونقل عن مالك : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون طعاما خفيفا .
------------------
قال أبو فراس:
قد يقال: أليس في هذه الطريقة تخصيص عموم النص بالعلة المستنبطة ، وهو ممنوع عند المؤلف ويكرره كثيرا فيشترط في العلة المستنبطة ألا تعود على النص بالإبطال أو التخصيص.
وهنا أطلق النص تقديم الطعام على الصلاة، ومقتضى العلة المستنبطة التي قررها المصنف في هذا الموضع يقتضي تقديم الصلاة على الطعام في بعض المواطن الذي لا يقع فيها التشوف إلى الطعام.
وأنا هنا لا أنازعه في صحة هذه العلة أو فسادها، وإنما أطبق القاعدة التي استفدناها منه على تقريره لهذه المسألة.