مهــارات بنــاءمجمـوعـات العـمـل الدعوي والتربوي وتفـعيـلها(3)
استكمالا لما بدأناه في الحلقة السابقة في الحديث عن خطوات بناء فريق العمل الفعال التي حددناها في دراسة الأهداف ومعرفة ماهية الإنـجاز المطلوب، وطريقة اختيار أفراد الفريق، ثم آلية التكليف والتوجيه، وكذلك الـمتابعة والتقويـم، نختم هذا الموضوع بالحديث عن مواصفات فريق العمل الفعال، والمراحل التي يمر بها الفريق، ولا شك أن معرفة مثل هذه الأمور من المربي والمشرف على مثل هذه التجمعات التربوية يوفر عليه كثيرًا من الجهد والوقت، ويزيد من أداء الأفراد وإنتاجهم مما يعود بالنفع الكبير على الدعوة وعلى الأفراد أنفسهم.
متى يكون فريق العمل فعالاً؟
نستطيع أن نقول: إن فريق العمل أو اللجنة الدعوية المشكلة لتنفيذ أهداف دعوية ما، تحقق دورها بفاعلية وإتقان، إذا تحققت فيها الخصائص الآتية:
(1) أن تكون أهداف العمل الدعوي واضحة ومحددة للجميع، ويفهمها أعضاء اللجنة جيدًا.
(2) أن تكون الأدوار مقسمة بدقة ووضوح، وكل عضو متقبل دوره ومقتنع به بقدر الإمكان.
(3) أن يكون الاتصال بين أعضاء اللجنة اتصالاً صحيًّا، يعتمد على المناقشة الصريحة والتعبير الصريح عن الآراء والأفكار، مع الحرص على علاقات الأخوة والود والمحبة بين أعضاء الفريق.
(4) معرفة جوانب القوة والضعف لدى الفريق، واستثمار جوانب القوة، ومعالجة جوانب الضعف.
(5) القدرة على تحفيز المجموعة، والحفاظ على ارتفاع روحها المعنوية بصورة دائمة، عن طريق مقاومة الإحباط والفتور وتسوية الخلافات الداخلية.
(6) رغبة الجميع في التعاون لتسوية أي خلاف يقع بين أفراد المجموعة.
(7) أن يكون المناخ العام للعمل غير رسمي، بعيداً عن التوتر والرسميات بما يتيح لفريق العمل فرصة الاستمتاع بالعمل الدعوي.
(8) المشاركة الجماعية في اتخاذ القرارات.
(9) تمتع أفراد المجموعة بالتحرك الذاتي؛ وهو أمر يتناسب مع مساحة الحرية المتوفرة لهم داخل اللجنة.
وعليه: فإنه يـمكننا أن نقيس مدى فعالية الفريق الدعوي، طبقًا للمعايير الآتية:
المشاركة: مدى اهتمام أعضاء اللجنة بالإسهام في أنشطة العمل.
التعاون: مدى توفر الرغبة لأعضاء الفريق للوصول إلى نتائج وحلول للمشكلات.
المرونة: درجة تقبل كل عضو لآراء الآخرين، وتنازله عن مواقفه الثابتة لصالح الفريق.
الحساسية: مدى ميل أعضاء الفريق لعدم الإساءة لمشاعر بعضهم البعض، ومدى رغبتهم في إيجاد جو نفسي مريح، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (الحجر: 47).
تحمل المخاطر: مدى استعداد أعضاء الفريق لمواجهة المواقف الصعبة.
الالتزام: مدى إخلاص الفرد في العمل لتحقيق أهداف اللجنة والمؤسسة ككل. {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110).
التيسير: مدى ميل أعضاء الفريق لتقديم مقترحات حل المشكلات، وتسوية الخلافات.
الانفتاح: مدى ميل أعضاء الفريق لتقديم معلومات للآخرين، وتقديم أفكار لتطوير العمل.
مراحل تشكيل فريق العمل (اللجنة الدعوية)
الـمراحل التي يـمر بها الفريق:
ما هي مراحل تطور فريق العمل؟
يتشكل فريق العمل عادة من أعضاء قد لا يعرفون بعضهم بعضًا، وبالتالي فإن فريق العمل يتكون من أناس مختلفين، وربما من دوائر وأقسام وهيئات مختلفة، وبالتالي قد يحتاج أعضاء الفريق إلى بعض الوقت (القليل أو الكثير حسب الظروف) للبدء بالمهمة الموكلة إليهم، وتشير العديد من الدراسات التي تابعت تطور الكثير من فرق العمل أنها تمر - عادة وليس بالضرورة دائمًا - بعدة مراحل هي كالتالي:
(1) مرحلة التشكيل:
تتميز المرحلة الأولى بالكثير من الغموض حول تشكيلة الفريق، ومن هم أعضاؤه، وتتم في هذه المرحلة المحاولات الأولى لاختيار الأعضاء لبعضهم البعض، ومحاولة التعرف عن كثب على بعضهم البعض، وتعد هذه المرحلة بمثابة مرحلة جس النبض والتعرف إلى تشكيلة الفريق، والتعرف إلى الهدف من تكوين الفريق، والغاية من وراء جمع هؤلاء الناس في فريق واحد.
(2) مرحلة النزاع:
تتميز هذه المرحلة بمحاولة فرض أعراف معينة للفريق وطريقة عمله، وفي هذه المرحلة يحاول أعضاء الفريق أو بعضهم إثبات أنفسهم، وربما حاول بعضهم فرض أعراف معينة.
وقد يختلف الأعضاء حول تلك الأعراف والقوانين، أو بتحديد القواعد والنظم والأعراف التي على أساسها يجتمع الفريق.
(3) مرحلة الاستقرار:
بعد انتهاء النزاع، أو معظمه تبدأ فترة الاستقرار؛ حيث يتم الاتفاق على الأعراف والقوانين المتعلقة بالفريق (الاجتماعات – طريقة أخذ القرارات – الجدولة الزمنية- وغير ذلك)، وفي فرق العمل الناضجة يكون هذا الاختيار نتيجة لمرحلة من تبادل الأفكار وتلاحقها.
4) مرحلة الأداء أو الإنجاز:
وهي المرحلة الأهم؛ إذ إنها تعني حسن إنجاز المهمة الموكلة على عاتق الفريق، فبعد الاستقرار يتفرغ أعضاء الفريق للمهمة الموكلة لهم، ويتم تبادل الأفكار والخبرات حول السبيل الأمثل للإنجاز، وفي هذه المرحلة تبدأ نتائج عمل الفريق بالظهور، من ناحية سرد الوقائع المكتشفة، أو اتخاذ القرارات، أو التوصيات، أو التقارير إلى ما هنالك من أمور.
إن الفهم الصحيح لمراحل تطور الفريق التي عرضت آنفًا تفيد قائد فريق العمل في طريقة إدارته للفريق، فلا يخفى أن المراحل الأربعة تلك تمثل مستويات «نضج» معينة للفريق، وما نعنيه «بنضج الفريق» هو: إلى أي درجة تمكن فريق العمل من تجاوز الحواجز النفسية والشخصية والتنظيمية نحو البدء بمرحلة الأداء الفعلي والإنجاز؟
إن تصرف مسؤول الفريق يكون تبعًا لتطور نضج الفريق، فلا يُعقل مثلًا أن تكون قيادة فريق متجانس ومتفاهم ويعرف بعضه بعضًا، مثل قيادة فريق غير متآلف وغير منسجم ولا توجد لديه رؤية مشتركة، ولا تعريف موحداً لواجباته وأهدافه.
وفيما يلي بعض السلوكيات القيادية المطلوبة في مستويات النضوج المختلفة:
(1) عند تشكيل الفريق:
لأن أعضاء الفريق في هذه الفترة في أمسِّ الحاجة للمعلومات، فيحتاجون بالتالي في هذه المرحلة إلى فهم لطبيعة المهمة، وتوضيح سبب تشكيل فريق العمل، كما يحتاج الأعضاء إلى التعرف على بعضهم البعض، ومعرفة لماذا تم تجميعهم بهذا الشكل؟ إن السلوك القيادي المطلوب هنا هو سلوك إرشادي وتوجيهي يزود أعضاء الفريق بكافة المعلومات الضرورية لابتداء عمله، ويهدف القائد في هذه المرحلة إلى نشر الوعي حول المهمة وأهميتها، ودور أعضاء الفريق في الإنجاز الصحيح، وكيف يخدم هذا الإنجاز المؤسسة وأهدافها ورؤيتها؟
(2) عند مرحلة النزاع:
ليس كل نزاع رديئاً، وليس كل صراع سلبيا، فينبغي على القائد في هذه المرحلة أن لا يعمل على كبت النزاع؛ لأن كبته دون حل أسبابه يكون بمثابة تغطيته وستره لفترة محدودة دون حله من جذوره.
ففي هذه المرحلة يستخدم القائد النزاع الموجود لشحذ الأفكار واستخراج الآراء، والبحث عن قوانين وأعراف خاصة بالفريق تناسبه دون تعارض مع قوانين المؤسسة.
كما يحرص القائد في هذه المرحلة على أن يمنع النزاعات من أن تتحول إلى نزاعات شخصية، بل يجب أن تتم الاستفادة من الصراع الموجود لبناء الأفكار وتنقيتها، كما يسعى لحل المشاكل، والتعاطف مع الأعضاء؛ لأن هذه مرحلة طبيعية في العديد من فرق العمل، غير أنه لابد من تجاوزها إلى مرحلة أرقى وأنضج.
(3) مرحلة الاستقرار:
في هذه المرحلة يبدأ القائد بالتخفيف من تدخله بعمل الفريق، ويسعى إلى أن يطور الفريق نفسه؛ ليصبح لاحقًا مستقلًا في عمله، وهذا لا يحدث إلا بعد أن يطمئن القائد إلى أن الأعضاء قد اتفقوا على معظم قواعد عملهم، وأن النزاعات الموجودة هي نزاعات هادفة ترمي إلى تطوير الأفكار وشحذها، وليس إلى النزاعات الشخصية أو النفسية، كما يتفق الأعضاء في هذه المرحلة على القيادة، وعلى نظم وقوانين الاجتماعات، وعلى طرق اتخاذ القرارات، كما يتفقون على تحديد لأدوارهم المختلفة المكملة لبعضها البعض.
(4) مرحلة الأداء:
وهذه مرحلة متطورة يتضاءل فيها دور القائد؛ حيث يُفوّض الكثير من الأمور إلى الفريق نفسه الذي يعمل بشبه استقلالية، ويعتمد على أفكار أعضائه ويتعلم من أخطائه، وهنا يتغير دور القائد من كونه منظمًا ومتدخلًا، إلى كونه مرشدًا استشاريًا.
اعداد: وائل رمضان