عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 23-06-2024, 07:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
الحلقة (511)
صــ 134 إلى صــ 147





[ ص: 134 ] أحدهما: أن ذلك للتوكيد .

والثاني: أن المعنى: السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، ذكرهما الزجاج .

قوله تعالى: أولئك المقربون قال أبو سليمان الدمشقي: يعني عند الله في ظل عرشه وجواره .

ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما

قوله تعالى ثلة من الأولين الثلة: الجماعة غير محصورة العدد .

وفي الأولين والآخرين ها هنا ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الأولين: الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، والآخرون: هذه الأمة .

والثاني: [أن الأولين]: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرين: التابعون .

والثالث: أن الأولين [والآخرين: من] أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

فعلى الأول يكون المعنى: إن الأولين السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا، وقليل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا وصدق به .

[ ص: 135 ] وعلى الثاني: أن السابقين: جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم بإحسان .

وعلى الثالث: أن السابقين: الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين، فقليل منهم من يقاربهم في السبق .

وأما "الموضونة" فقال ابن قتيبة: هي المنسوجة، كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع: موضونة، ومنه قيل: وضين الناقة، وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض . قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الآجر موضون بعضه على بعض، أي: مشرج .

وللمفسرين في معنى "موضونة" قولان .

أحدهما: مرمولة بالذهب، رواه مجاهد عن ابن عباس . وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة، وبه قال الأكثرون .

والثاني: مصفوفة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

وما بعد هذا قد تقدم بيانه [الكهف: 30] إلى قوله: ولدان مخلدون الولدان: الغلمان . وقال الحسن البصري: هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها، ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع .

وفي المخلدين قولان .

أحدهما: أنه من الخلد; والمعنى: أنهم مخلوقون للبقاء لا يتغيرون، وهم على سن واحد . قال الفراء: والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط: أو لم تذهب أسنانه عن الكبر: إنه لمخلد، هذا قول الجمهور . [ ص: 136 ] والثاني: أنهم المقرطون، ويقال: المسورون، ذكره الفراء، وابن قتيبة، وأنشدوا في ذلك:


ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان


قوله تعالى: بأكواب وأباريق الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، وقد ذكرناه في [الزخرف: 72]; والأباريق: آنية لها عرى وخراطيم; وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: الإبريق: فارسي معرب، وترجمته من الفارسية أحد شيئين، إما أن يكون: طريق الماء، أو: صب الماء على هينة، وقد تكلمت به العرب قديما، قال عدي بن زيد:


ودعا بالصبوح يوما فجاءت قينة في يمينها إبريق


وباقي الآيات في [الصافات: 46] .

قوله تعالى: لا يصدعون عنها ولا ينزفون فيه قولان .

أحدهما: لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا . و"عنها" كناية عن الكأس المذكور، والمراد بها: الخمر، وهذا قول الجمهور .

والثاني: لا يتفرقون عنها، من قولك: صدعته فانصدع، حكاه ابن قتيبة . ولا "ينزفون" مفسر في [الصافات: 47] .

[ ص: 137 ] قوله تعالى مما يتخيرون أي: يختارون، تقول: تخيرت الشيء: إذا أخذت خيره .

قوله تعالى: ولحم طير قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى . وقال مغيث بن سمي: تقع على أغصان شجرة طوبى طير كأمثال البخت، فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه، فيجيء حتى يقع على خوانه، فيأكل من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء، ثم يعود طيرا فيطير فيذهب .

قوله تعالى: وحور عين قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: "وحور عين" بالرفع فيهما . وقرأ أبو جعفر ، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم: بالخفض فيهما . وقرأ أبي بن كعب ، وعائشة، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: "وحورا عينا" بالنصب فيهما . قال الزجاج: والذين رفعوا كرهوا الخفض، لأنه معطوف على قوله: يطوف عليهم ، قالوا: والحور ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء، لأن المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير، فكذلك ينعمون بحور عين، والرفع أحسن، والمعنى: ولهم حور عين; ومن قرأ "وحورا عينا" حمله على المعنى، لأن المعنى: يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا، إلا أنها تخالف المصحف فتكره . ومعنى "كأمثال اللؤلؤ" أي: صفاؤهن وتلألؤهن كصفاء اللؤلؤ وتلألئه . والمكنون: الذي لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال، فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه .

[ ص: 138 ] "جزاء" منصوب مفعول له; والمعنى: يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر، لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون : يجازون جزاء بأعمالهم; وأكثر النحويين على هذا الوجه .

وقوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا قد فسرنا معنى اللغو والسلام في سورة [مريم: 62] ومعنى التأثيم في [الطور: 23] ومعنى "ما أصحاب اليمين" في أول هذه السورة [الواقعة: 9] .

فإن قيل: التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟

فالجواب: أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، فيقولون: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يؤكل، إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل، قال الفراء: أنشدني بعض العرب:


إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا


قال:

والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف، وأنشدني آخر:


ولقيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا


وأنشدني آخر:


علفتها تبنا وماء باردا


والماء لا يعلف وإنما يشرب، فجعله تابعا للتبن; قال الفراء: وهذا [هو] [ ص: 139 ] وجه قراءة من قرأ، "وحور عين" بالخفض، لإتباع آخر الكلام أوله، وهو وجه العربية .

وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين

وقد شرحنا معنى قوله: وأصحاب اليمين في قوله: فأصحاب الميمنة [الواقعة: 9] . وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أصحاب اليمين: أطفال المؤمنين .

قوله تعالى: في سدر مخضود سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى وج . وهو واد بالطائف مخصب . فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية، والضحاك .

وفي المخضود ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الذي لا شوك فيه، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقسامة بن زهير . قال ابن قتيبة: كأنه خضد شوكه، أي: قلع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: لا يخضد شوكها" .

[ ص: 140 ] والثاني: أنه الموقر حملا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك .

والثالث: أنه الموقر الذي لاشوك فيه، ذكره قتادة .

وفي الطلح قولان .

أحدهما: أنه الموز، قاله علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، [والحسن]، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة .

والثاني: أنه شجر عظام كبار الشوك، قال أبو عبيدة: هذا هو الطلح عند العرب، قال الحادي:


بشرها دليلها وقالا غدا ترين الطلح والجبالا


فإن قيل: ما الفائدة في الطلح؟ .

فالجواب أن له نورا وريحا طيبة، فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون إليه، وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا . وقال مجاهد: كانوا يعجبون بـ "وج" وظلاله من طلحه وسدره . فأما المنضود، فقال ابن قتيبة: هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره، فليس له ساق بارزة، وقال مسروق: شجر الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها .

قوله تعالى: وظل ممدود أي: دائم لا تنسخه الشمس .

وماء مسكوب أي: جار غير منقطع .

[ ص: 141 ] قوله تعالى: لا مقطوعة ولا ممنوعة فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: لا مقطوعة في حين دون حين، ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير، إنما هي مطلقة لمن أرادها، هذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة . ولخصه بعضهم فقال: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان .

والثاني: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمنع من أحد إذا أريدت، روي عن ابن عباس .

والثالث: لا مقطوعة بالفناء، ولا ممنوعة بالفساد، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: وفرش مرفوعة فيها قولان .

أحدهما: أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم . وفي رفعها قولان . أحدهما: [أنها] مرفوعة فوق السرر . والثاني: أن رفعها: زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها .

والثاني: أن المراد بالفراش: النساء; والعرب تسمي المرأة: فراشا وإزارا ولباسا; وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال . أحدها: أنهن رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، والثاني: رفعن عن الأدناس . والثالث: في القلوب لشدة الميل إليهن .

قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء يعني النساء . قال ابن قتيبة: اكتفى بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن . وفي المشار إليهن قولان .

أحدهما: أنهن نساء أهل الدنيا المؤمنات; ثم في إنشائهن قولان . أحدهما: أنه إنشاؤهن من القبور، قاله ابن عباس . والثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر أبكارا صغارا، قاله الضحاك .

[ ص: 142 ] والثاني: أنهن الحور العين، وإنشاؤهن: إيجادهن عن غير ولادة، قاله الزجاج . والصواب أن يقال: إن الإنشاء عمهن كلهن، فالحور أنشئن ابتداء، والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير الصفات; وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا" .

قوله تعالى: فجعلناهن أبكارا أي: عذارى . وقال ابن عباس: لا يأتيها زوجها إلا وجدها بكرا .

قوله تعالى: عربا قرأ الجمهور: بضم الراء . وقرأ حمزة، وخلف: بإسكان الراء; قال ابن جرير: هي لغة تميم وبكر .

وللمفسرين في معنى "عربا" خمسة أقوال .

أحدها: أنهن المتحببات إلى أزواجهن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير ، وابن قتيبة، والزجاج .

والثاني: أنهن العواشق، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمبرد; وعن مجاهد كالقولين .

والثالث: الحسنة التبعل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة .

والرابع: الغنجات، قاله عكرمة . [ ص: 143 ] والخامسة: الحسنة الكلام، قاله ابن زيد .

فأما الأتراب فقد ذكرناهن في [ص: 52] .

قوله تعالى: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين هذا من نعت أصحاب اليمين . وفي الأولين والآخرين خلاف، وقد سبق شرحه [الواقعة: 13] . وقد زعم مقاتل أنه لما نزلت الآية الأولى، وهي قوله: وقليل من الآخرين وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت وثلة من الآخرين فنسختها . وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى .

قلت: وادعاء النسخ ها هنا لا وجه له لثلاثة أوجه .

أحدها: أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا .

والثاني: أن الكلام في الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، [فهو ها هنا لا وجه له] .

والثالث: أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة; قال الزجاج: اشتقاقهما من القطعة، والثل: الكسر والقطع . فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل .

وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين .

[ ص: 144 ] قوله تعالى: ما أصحاب الشمال قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم; والمعنى: ما لهم، وما أعد لهم من الشر؟! ثم بين لهم سوء منقلبهم فقال: "في سموم" قال ابن قتيبة: هو حر النار .

قوله تعالى: وظل من يحموم قال ابن عباس: ظل من دخان . قال الفراء: اليحموم: الدخان الأسود، "لا بارد ولا كريم" فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله، ومثله "زيتونة لا شرقية ولا غربية" [النور: 35]، وكذلك قوله: وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، ولو رفعت ما بعد "لا" كان صوابا، والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوى [به] الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم .

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر .

قوله تعالى: إنهم كانوا قبل ذلك أي: في الدنيا "مترفين" أي: متنعمين في ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد .

"وكانوا يصرون" أي: يقيمون "على الحنث" وفيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد .

والثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد . وعن قتادة كالقولين .

والثالث: أنه اليمين الغموس، قاله الشعبي .

والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج .

قوله تعالى: أوآباؤنا الأولون قال أبو عبيدة: الواو متحركة لأنها ليست بواو "أو" إنما هي "وآباؤنا"، فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة . وقرأ أهل المدينة، وابن عامر: "أو آباؤنا" بإسكان الواو .

[ ص: 145 ] وقد سبق بيان ما لم يذكر ها هنا [هود: 103،الصافات: 62، الأنعام: 70 ] إلى قوله: فشاربون شرب الهيم قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: "شرب" بضم الشين; والباقون بفتحها . قال الفراء: والعرب تقول: شربته شربا، وأكثر أهل نجد يقولون: شربا بالفتح، أنشدني عامتهم:


تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويكفي شربه الغمر


وزعم الكسائي أن قوما من بني سعد بن تميم يقولون: "شرب الهيم" بالكسر . وقال الزجاج: "الشرب" المصدر، و"الشرب" بالضم: الاسم، قال: وقد قيل: إنه مصدر أيضا .

وفي "الهيم" قولان .

أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة . قال ابن قتيبة: هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء .

والثاني: أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ابن عباس أيضا . قال أبو عبيدة: الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير .

قوله تعالى: هذا نزلهم أي: رزقهم . ورواه عباس عن أبي عمرو: [ ص: 146 ] "نزلهم" بسكون الزاى، أي: رزقهم وطعامهم . وفى "الدين" قولان قد ذكرناهما في "الفاتحة" .

نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون

قوله تعالى: نحن خلقناكم أي: أوجدناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم تقرون بهذا "فلولا" أي: فهلا "تصدقون" بالبعث؟!

ثم احتج على بعثهم بالقدرة على ابتدائهم فقال: أفرأيتم ما تمنون قال الزجاج: أي: ما يكون منكم من المني، يقال: أمنى الرجل يمني، ومنى يمني، فيجوز على هذا "تمنون" بفتح التاء إن ثبتت به رواية .

قوله تعالى: أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أي: تخلقون ما تمنون بشرا؟! وفيه تنبيه على شيئين .

أحدهما: الامتنان، إذ خلق من الماء المهين بشرا سويا .

والثاني: أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ما غاب عنكم من إعادتكم .

قوله تعالى: نحن قدرنا بينكم الموت وقرأ ابن كثير: "قدرنا" بتخفيف الدال . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: قضينا عليكم بالموت .

والثاني: سوينا بينكم في الموت "وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل أمثالكم" قال الزجاج: المعنى: إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا [ ص: 147 ] سابق، ولا يفوتنا ذلك . وقال ابن قتيبة: لسنا مغلوبين على أن نستبدل بكم أمثالكم .

قوله تعالى: وننشئكم في ما لا تعلمون وفيه أربعة أقوال .

أحدها: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم، قاله الحسن .

والثاني: ننشئكم في حواصل طير سود تكون بـ "برهوت" كأنها الخطاطيف، قاله سعيد بن المسيب .

والثالث: نخلقكم في أي خلق شئنا، قاله مجاهد .

والرابع: نخلقكم في سوى خلقكم، قاله السدي . قال مقاتل: نخلقكم سوى خلقكم في ما لا تعلمون من الصور .

قوله تعالى: ولقد علمتم النشأة الأولى وهي ابتداء خلقكم من نطفة وعلقة فلولا تذكرون أي فهلا تعتبرون فتعلموا قدرة الله فتقروا بالبعث






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:33 AM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.02 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]