عرض مشاركة واحدة
  #507  
قديم 23-06-2024, 06:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,490
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ النجم
الحلقة (507)
صــ 76 إلى صــ 90






ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

قوله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض هذا إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله: ليجزي الذين أساءوا لأن اللام في "ليجزي" متعلقة بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهما، جازى كلا بما يستحقه، وهذه لام العاقبة، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك، فلذلك أخبر به في قوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض قال المفسرون: "وأساؤوا" بمعنى أشركوا، "وأحسنوا" بمعنى وحدوا . والحسنى: الجنة . والكبائر مذكورة في سورة (النساء: 31) وقيل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش: كل ذنب فيه الحد . وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف: "يجتنبون كبير الإثم" ، واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء . وفي المراد به ها هنا ستة أقوال .

[ ص: 76 ] أحدها: ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر في الإسلام، قاله زيد بن ثابت .

والثاني: أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي .

والثالث: أنه صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي، ومسروق، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تشتهي وتتمنى، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم بفرجه كان الزنا، وإلا فهو اللمم .

والرابع: أنه ما يهم به الإنسان، قاله محمد بن الحنفية .

والخامس: أنه ألم بالقلب، أي: خطر، قاله سعيد بن المسيب .

والسادس: أنه النظر من غير تعمد، قاله الحسين بن الفضل . فعلى القولين [الأولين] يكون الاستثناء من الجنس، وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس .

قوله تعالى: إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب . وها هنا تم الكلام . ثم قال: هو أعلم بكم يعني قبل خلقكم إذ أنشأكم من الأرض يعني آدم عليه السلام وإذ أنتم أجنة جمع جنين; والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون؟، فلا تزكوا أنفسكم أي: لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي . وقيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها . وفي سبب نزول هذه الآية قولان .

[ ص: 77 ] أحدهما: أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي، قالوا: صديق، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة رضي الله عنها .

والثاني: أن ناسا من المسلمين قالوا: قد صلينا وصمنا وفعلنا، يزكون أنفسهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل .

قوله تعالى: هو أعلم بمن اتقى فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: عمل حسنة وارعوى عن معصية، قاله علي رضي الله عنه .

والثاني: أخلص العمل لله، قاله الحسن . والثالث: اتقى الشرك فآمن، قاله الثعلبي .

أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى

قوله تعالى: أفرأيت الذي تولى اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال .

أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل ففعل، فأعطاه بعض الذي ضمن له، ثم بخل ومنعه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وابن زيد .

[ ص: 78 ] والثاني: أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص حتى ارتد عن إسلامه، وضمن له أن يحمل عنه إثمه، قاله الضحاك .

والثالث: أنه أبو جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق، قاله محمد بن كعب القرظي .

والرابع: أنه العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، قاله السدي .

ومعنى "تولى": أعرض عن الإيمان . وأعطى قليلا فيه أربعة أقوال .

أحدها: أطاع قليلا ثم عصى . قاله ابن عباس . والثاني: أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع، قاله مجاهد . والثالث: أعطى قليلا من ماله ثم منع، قاله الضحاك . والرابع: أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع، قاله مقاتل . قال ابن قتيبة: ومعنى "أكدى": قطع، وهو من كدية الركية، وهي الصلابة فيها، وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها، فقطع الحفر، فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره، أو أعطى ولم يتم: أكدى .

قوله تعالى: أعنده علم الغيب فهو يرى فيه قولان .

أحدهما: فهو يرى حاله في الآخرة، قاله الفراء . والثاني: فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: أم لم ينبأ بما في صحف موسى يعني التوراة، "وإبراهيم" أي: وصحف إبراهيم . وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أنزل [ ص: 79 ] على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف .

قوله تعالى: الذي وفى قرأ سعيد بن جبير ، وأبو عمران الجوني، وابن السميفع اليماني "وفى" بتخفيف الفاء . قال الزجاج: قوله: "وفى" أبلغ من "وفى" لأن الذي امتحن به من أعظم المحن . وللمفسرين في الذي وفى عشرة أقوال .

أحدها: أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثاني: أنه وفى في كلمات كان يقولها . روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله [الذي وفى]؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون . . . " [الروم: 17] وختم الآية .

[ ص: 80 ] والثالث: أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال القرظي .

والرابع: أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام، روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس .

والخامس: أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة، روي عن ابن عباس أيضا .

والسادس: أنه عمل بما أمر به، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وقال مجاهد: وفى ما فرض عليه .

والسابع: أنه وفى بتبليغ هذه الآيات، وهي: "ألا تزر وازرة وزر أخرى" وما بعدها، وهذا مروي عن عكرمة، ومجاهد، والنخعي .

والثامن: وفى شأن المناسك، قاله الضحاك .

والتاسع: أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا، فلما قذف في النار قال له جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فوفى بما عاهد، ذكره عطاء بن السائب .

والعاشر: أنه أدى الأمانة، قاله سفيان بن عيينة .

ثم بين ما في صحفهما فقال: ألا تزر وازرة وزر أخرى أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى; والمعنى: لا تؤخذ بإثم غيرها .

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى قال الزجاج: هذا في صحفهما أيضا . ومعناه: ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرا جزي عليه خيرا، وإن عمل شرا جزي شرا . واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال .

[ ص: 81 ] أحدها: أنها منسوخة بقوله: ( وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان) [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس، ولا يصح، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تنسخ .

والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم، قاله عكرمة واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته: إن أبي مات ولم يحج، فقال: "حجي عنه" .

والثالث: أن المراد بالإنسان ها هنا: الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى وما سعي له، قاله الربيع بن أنس .

والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل، فجائز أن يزيده الله عز وجل ما يشاء، قاله الحسين بن الفضل .

والخامس: أن معنى "ما سعى": ما نوى، قاله أبو بكر الوراق .

والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي .

والسابع: أن اللام بمعنى "على" فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى .

والثامن: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق، وتارة يسعى في خدمة الدين [ ص: 82 ] والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببا حصل بسعيه، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني .

قوله تعالى: وأن سعيه سوف يرى فيه قولان .

أحدهما: سوف يعلم، قاله ابن قتيبة .

والثاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة، أي: يرى عمله في ميزانه، قاله الزجاج .

قوله تعالى يجزاه الهاء عائدة على السعي الجزاء الأوفى أي: الأكمل الأتم .

وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى

وأن إلى ربك المنتهى أي: منتهى العباد ومرجعهم . قال الزجاج: هذا كله في صحف إبراهيم وموسى .

قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى قالت عائشة: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فرجع إليهم، فقال: [ ص: 83 ] ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال ائت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول وأنه هو أضحك وأبكى وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى الضحك والبكاء . وقال مجاهد: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار . وقال الضحاك . أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر .

قوله تعالى وأنه هو أمات في الدنيا وأحيا للبعث .

وأنه خلق الزوجين أي: الصنفين الذكر والأنثى من جميع الحيوانات، من نطفة إذا تمنى فيه قولان .

أحدهما: إذا تراق في الرحم، قاله ابن السائب .

والثاني: إذا تخلق وتقدر . وأن عليه النشأة الأخرى وهي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة .

وأنه هو أغنى فيه أربعة أقوال .

أحدها: أغنى بالكفاية، قاله ابن عباس . والثاني: بالمعيشة، قاله الضحاك . والثالث: بالأموال، قاله أبو صالح . والرابع: بالقناعة، قاله سفيان .

وفي قوله: ( أقنى ) ثلاثة أقوال:

أحدها: أرضى بما أعطى، قاله ابن عباس .

والثاني: أخدم، قاله الحسن، وقتادة . وعن مجاهد كالقولين .

والثالث: جعل للإنسان قنية، وهو أصل مال، قاله أبو عبيدة .

[ ص: 84 ] قوله تعالى: وأنه هو رب الشعرى قال ابن قتيبة: هو الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء، وكان ناس من العرب يعبدونها .

قوله تعالى: وأنه أهلك عادا الأولى قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: "عادا الأولى" منونة . وقرأ نافع، وأبو عمرو: "عادا لولى" موصولة مدغمة . ثم فيهم قولان .

أحدهما: أنهم قوم هود، وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، هذا قول الجمهور .

والثاني: أن قوم هود هم عاد الأخرى، وهم من أولاد عاد الأولى، قاله كعب الأحبار . وقال الزجاج: وفي "الأولى" لغات، أجودها سكون اللام وإثبات الهمزة، والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة، ومنالعرب من يقول: لولى، يريد: الأولى، فتطرح الهمزة لتحرك اللام .

قوله تعالى: وقوم نوح من قبل أي: من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم .

والمؤتفكة قرى قوم لوط أهوى [أي]: أسقط، وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: فغشاها أي: ألبسها ما غشى يعني الحجارة فبأي آلاء ربك تتمارى هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقال ابن عباس: فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد، يعني [الوليد] بن المغيرة .

[ ص: 85 ] هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا

قوله تعالى: هذا نذير فيه قولان .

أحدهما: أنه القرآن، نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة، قاله قتادة .

والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذير بما أنذرت به الأنبياء، قاله ابن جريج .

قوله تعالى أزفت الآزفة أي: دنت القيامة، ليس لها من دون الله كاشفة فيه قولان .

أحدهما: إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها، قاله عطاء، وقتادة، والضحاك .

والثاني: ليس لعلمها كاشف دون الله، أي: لا يعلم علمها إلا الله، قاله الفراء، قال: وتأنيث "كاشفة" كقوله: "هل ترى لهم من باقية" [الحاقة: 8]، يريد: من بقاء; والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر . وقال غيره: تأنيث "كاشفة" على تقدير: نفس كاشفة .

قوله تعالى: أفمن هذا الحديث قال مقاتل: يعني القرآن تعجبون تكذيبا به، وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد؟! ويعني بهذا كفار مكة، وأنتم سامدون فيه خمسة أقوال . [ ص: 86 ] أحدها: لاهون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الفراء والزجاج . قال أبو عبيدة: يقال: دع عنك سمودك، أي: لهوك .

والثاني: معرضون، قاله مجاهد .

والثالث: أنه الغناء، وهي لغة يمانية، يقولون: اسمد لنا، أي: تغن لنا، رواه عكرمة عن ابن عباس . وقال عكرمة: هو الغناء بالحميرية .

والرابع: غافلون، قاله قتادة .

والخامس: أشرون بطرون، قاله الضحاك .

قوله تعالى فاسجدوا لله فيه قولان .

أحدهما: أنه سجود التلاوة، قاله ابن مسعود .

والثاني: سجود الفرض في الصلاة .

قال مقاتل: يعني بقوله: "فاسجدوا": الصلوات الخمس .

وفي قوله: واعبدوا قولان .

أحدهما: أنه التوحيد . والثاني: العبادة .

سُورَةُ الْقَمَرِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر

وهي مكية بإجماعهم، وقال مقاتل: مكية غير آية سيهزم الجمع [القمر: 45]، وحكي عنه أنه قال: إلا ثلاث آيات، أولها: أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله: وأمر [القمر: 4446]، قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فعلت تؤمنون؟" قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: "يا فلان يا فلان اشهدوا"، وذلك بمكة قبل الهجرة . وقد روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 88 ] "اشهدوا" . وقد روى حديث الانشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلا أن قوما شذوا فقالوا: سينشق يوم القيامة . وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: وانشق لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودا . وفي قوله: "وإن يروا آية يعرضوا" دليل على أنه قد كان ذلك . ومعنى اقتربت : دنت; والساعة القيامة . وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، تقديره: انشق القمر واقتربت الساعة . وقال مجاهد: انشق القمر فصار فرقتين، فثبتت فرقة، وذهبت فرقة وراء الجبل . وقال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس- قال ابن مسعود: لما انشق القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: "اقتربت الساعة وانشق القمر" .

[ ص: 89 ] قوله تعالى: وإن يروا آية أي: آية تدلهم على صدق الرسول، والمراد بها ها هنا: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق ويقولوا سحر مستمر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: ذاهب، من قولهم: مر الشيء واستمر: إذا ذهب، قاله مجاهد، وقتادة، والكسائي، والفراء; فعلى هذا يكون المعنى: هذا سحر، والسحر يذهب ولا يثبت .

والثاني: شديد قوي، قاله أبو العالية، والضحاك، وابن قتيبة، قال: وهو مأخوذ من المرة، والمرة: الفتل . والثالث: دائم، حكاه الزجاج .

قوله تعالى: وكذبوا يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله تعالى واتبعوا أهواءهم ما زين لهم الشيطان وكل أمر مستقر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أن كل أمر مستقر بأهله، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر، قاله قتادة .

والثاني: لكل حديث منتهى وحقيقة، قاله مقاتل .

والثالث: أن قرار تكذيبهم مستقر، وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا حقيقته بالثواب والعقاب، قاله الفراء .

قوله تعالى: ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي: من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ما فيه مزدجر قال ابن قتيبة: أي: متعظ ومنتهى .

قوله تعالى: حكمة بالغة قال الزجاج: هي مرفوعة لأنها بدل من [ ص: 90 ] "ما" فالمعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة [وإن شئت رفعتها بإضمار هو حكمة بالغة] . و"ما" في قوله فما تغن النذر جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ، فيكون المعنى: أي شيء تغني النذر؟! وجائز أن يكون نفيا، على معنى، فليست تغني النذر . قال المفسرون: والمعنى: جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فما تغني النذر إذا لم يؤمنوا؟!







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:25 AM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.48 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]