
31-05-2024, 07:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,670
الدولة :
|
|
رد: أصول في دراسة مسائل التفسير
أصول في دراسة مسائل التفسير
عبد العزيز الداخل
المرحلة الرابعة: التحقق من صحة نسبة الأقوال
- بعد أن عرف الباحث الأقوال التي قيلت في المسألة؛ واجتهد في استيعابها وحصرها، فيبقى عليه أن يتحقق من صحّة نسبة تلك الأقوال إلى من ذُكر أنه قال بها.
التحقق من صحة النسبة على درجتين:
الدرجة الأولى: التحقق من وجود نسبة القول إلى المفسّر من السلف في مصدر أصيل أو بديل.
الدرجة الثانية: التحقق من صحّة إسناد ذلك القول إليه رواية أو فهماً.
- الدرجة الأولى من التحقق ممكنة لأكثر الباحثين ، ولو لم يكونوا على دراية بالحكم على الأسانيد؛ لأنها لا تتطلّب النظر في الأسانيد، وإنما تتطلّب التحقق من وجود نسبة القول إلى ذلك العالم في مصدر أصيل أو بديل.
- مثال ذلك: قد يجد الباحث قولاً منسوباً إلى ابن عباس في تفسير ابن عطية أو تفسير الماوردي أو تفسير ابن الجوزي أو غيرها من التفاسير التي تعدّ مصادر ناقلة.
- نعلم أنّ هؤلاء العلماء لم يرووا هذا القول بالإسناد إلى ابن عباس، وإنّما نقلوا هذا القول عنه من مصادر أصيلة أو مصادر ناقلة عن المصادر الأصيلة؛ وحذفوا الإسناد اختصاراً.
- ينبغي للباحث المدقق أن يرجع إلى أصول هذه الأقوال من المصادر الأصيلة؛ وأن يعرف نصوص تلك الأقوال، وسياقاتها، وسبب نسبتها إليهم؛ وهل هي أقوال منصوصة أو أقوال مستخرجة.
أنواع الأقوال:
- من المهمّ التنبّه إلى أن الأقوال المنسوبة إلى المفسّرين على نوعين:
النوع الأول: أقوال منصوصة، وهي الأقوال التي هي نصّ كلامهم، وهذه الأقوال من المهمّ للباحث أن يجمع طرقها ليتعرّف على سياقاتها؛ لأن من الأقوال المنصوص ما يجتزأ من سياقه فيفيد معنى غير مراد لقائله.
والنوع الثاني: أقوال مستخرجة على أصحابها؛ لم يقولوا بنصّها؛ لكنّها فهمت من قصّة وقعت لهم، أو من نصّ آخر على مسألة أخرى ففهم من ذلك النص أنه يلزم منه أن يقول في هذه المسألة بكذا وكذا، أو بطرق أخرى من طرق الاستخراج.
- استخراج الأقوال منه ما هو استخراج ظاهر؛ لظهور الدلالة عليه ولزومه لقول صاحبه مع ظهور التزامه به، فهذا النوع قد جرى عمل العلماء على نسبته، ومع هذا فيفضّل عند السعة والبسط أن يبيّن أنه قول مستخرج.
- ومنه استخراج غير ظاهر؛ إما لخفاء وجه الدلالة، أو عدم ظهور وجه اللزوم، أو عدم ظهور التزامه؛ وهذا الاستخراج لا يصحّ أن ينسب إلى العام القول بموجبه؛ وقد تساهل في ذلك بعض العلماء، ومنهم من يستخرج القول؛ فينُقل عنه ويشيع.
أمثلة على الدرجة الأولى من التحقق من صحة النسبة.
المثال الأول: أقوال العلماء في المراد بالسبع الطوال.
1. قال الماوردي (ت:450هـ) في تفسير قول الله تعالى {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} : (الثاني: أنها السبع الطوَل: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد).
2. قال ابن عطية (ت:541هـ) في تفسير قول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}: (قال ابن عباس رضي الله عنهما وابن عمر وابن مسعود ومجاهد وابن جبير: «السبع» هنا هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة، وقال ابن جبير: بل السابعة يونس وليست الأنفال وبراءة منها).
3. قال العيني (ت:855هـ): (وقال قوم: إن السّبع المثاني هي السّبع الطوال، وهي: البقرة وآل عمران والنّساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتّوبة معًا، وهما سورة واحدة، ولهذا لم تكتب بينهما بسملة، وهو قول ابن عمر وابن عبّاس وسعيد بن جبير والضّحّاك).
التحقق من صحة النسبة:
- في هذه النقول تعيين السبع الطوال ونسبة ذلك إلى عدد من الصحابة على قولين مختلفين.
- هذه المصادر مصادر ناقلة وليست أصيلة في حكاية الأقوال ونسبتها؛ فينبغي أن نبحث عن أصول هذه الأقوال في كتب التفسير المسندة وفي دواوين السنة، ويمكن الاستعانة بجمهرة التفاسير ( هنا ).
- بعد البحث ظهر لنا ما يلي:
1. ابن عمر وابن مسعود لم يفصّلا ما هي سور السبع الطوال، وإنما روى عنهما ابن جرير قولهما بأن السبع المثاني هي السبع الطوال.
2. ابن عباس روي عنه ذكر ستّ سور من السبع الطوال ونسي أحد الرواة السورة السابعة؛ فقد روى ابن جرير من طريق عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {سبعًا من المثاني} قال: " البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف " قال إسرائيل: وذكر السّابعة فنسيتها). وقد رواه النسائي في السنن الكبرى بنحوه من دون قول إسرائيل واقتصر على ذكر السور الست على اختلاف في الترتيب.
3. مجاهد بن جبر روى عنه ابن جرير في تفسير قول اللّه تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم} قال: " من القرآن السّبع الطّول، السّبع الأُوَل ".، ولم يعدّد هذه السور، وهذا قد يُحمل على ما استقرّ من ترتيب السور على جمع عثمان رضي الله عنه، وهو قول مخالف لما ذكر في المصادر السابقة.
4. وأما سعيد بن جبير فقد روى عنه أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي أن السبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.
وقال بمثل قول سعيد بن جبير من قراء الأمصار الأوائل: عطية بن قيس، وشداد بن عبيد الله، ويحيى بن الحارث الذماري، وقد أسند ذلك عنهم أبو عبيد القاسم بن سلام.
وهذا التعداد موافق لما نقله الماوردي وابن عطية، ومخالف لما نقله العيني.
5. وأما الضحّاك فروى عنه ابن جرير بإسناد فيه مجهول حيث قال ابن جرير: (حُدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {سبعًا من المثاني} " يعني السّبع الطّول). فهذه الرواية على ما فيها من الانقطاع لم يسمّ فيها الضحاك أسماء السور السبع الطوال.
6. فتلخّص مما سبق ما يلي:
أ: أنّ القدر الذي يسوغ أن يُقال: إنه رُوي عن هؤلاء الصحابة والتابعين هو قولهم بأن المراد بالسبع من المثاني هي السبع الطوال.
ب: خطأ ما نسبه العيني إلى سعيد بن جبير.
ج: خطأ القول الذي نسبه ابن عطية والعيني إلى ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد في تعداد سور السبع الطوال.
د. أنه لا يصحّ أن ينسب تعداد سور السبع الطوال إلى ابن مسعود وابن عمر والضحاك؛ وأما البقية فقد رويت عنهم آثار في تعدادها.
هـ: أن نسبة هذا القول إلى مجاهد فيها مخالفة لظاهر لفظه؛ ونحتاج إلى الوقوف على رواية ابن أبي حاتم لهذا الأثر عن مجاهد فهي من الجزء المفقود من تفسيره.
تنبيه: يُمكن أن يستخرج لابن عباس قول في هذه المسألة من قصته المشتهرة مع عثمان وقوله له: (ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتموها في السبع الطوال؟). وقد رواها الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد مختلف فيه.
فهذا الأثر عن ابن عباس يوافق ما روي عن سعيد بن جبير.
المثال الثاني: أقوال السلف في المراد بالنفاثات في العقد.
قال ابن كثير: (وقوله: {ومن شر النفاثات في العقد} قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: "يعني السواحر"، قال مجاهد: "إذا رقين ونفثن في العقد").
- هذا الكلام إذا قرأه طالب العلم لأول وهلة قد يفهمُ منه إجماعَ المفسرين على أن المراد بالنفاثات: النساء السواحر، لأنه نقل هذا التفسير عن هؤلاء الأئمة ولم يذكر قولاً غيره.
- وهذا الكلام اختصره ابن كثير من تفسير ابن جرير لكنه كان اختصاراً غير دقيق، ولعل مما يعتذر له به أن ابن جرير صدر تفسيره للنفاثات بأنهن السواحر ثم قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل).
ثم أورد آثاراً عن هؤلاء الأئمة، لكن هذه الآثار ليس فيها نص على أن المراد بالنفاثات السواحر إلا ما رواه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. [ينظر هنا لمعرفة أقوال السلف في تفسير هذه الآية]
1. فالحسن البصري قال: (السواحر والسحرة).
2. وقتادة لما تلا قوله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} قال: (إياكم وما خالط السحر من هذه الرقى).
ومجاهد قال في تفسير النفاثات: (الرقى في عقد الخيط).
وعكرمة قال: (الأُخَذُ في عُقَد الخيط) الأُخَذ جمع أُخذة ، وهي أخذة السحر.
فهؤلاء كلهم لم ينصوا على أن النفاثات السواحر.
على أن الإسناد إلى مجاهد وعكرمة فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو رافضي متهم بالكذب.
بل قول الحسن البصري (النفاثات: السواحر والسحرة)، خارج عن هذا القول.
ومجاهد وعكرمة وقتادة لا يصح أن يُنسب إليهم هذا القول.
وقول ابن كثير عن مجاهد أنه قال: (إذا رقين ونفثن في العقد) هذا نقل بالمعنى ، وفيه تجوّز أداه إليه اختياره للقول ثم اعتماده وحكايته عن هؤلاء الأئمة ثم تغيير الضمير لأجل أن يتناسب مع ذلك.
ونص كلام مجاهد فيما رواه ابن جرير في تفسير النفاثات: (الرقى في عقد الخيط).
وابن جرير استدل بأقوالهم على أن هذه الآيات في الاستعاذة من شر السحر، وهذا القدر مجمع عليه لا خلاف فيه.
ولعل هذا هو ما فهمه ابن كثير أيضاً، وبذلك يعتذر له فيه، فتكون مسألة شمول لفظ الآية للسحرة من الرجال مسألةً أخرى زائدة على القدر الذي وقع عليه الإجماع.
فابن جرير استدل بأقوال من نقل أقوالهم على أن المراد بالآية الاستعاذة من شر السحرة، وهذا يُخرِج قول المعتزلة الذين ينكرون حقيقة السحر.
وأما هل المراد بالنفاثات النساء السواحر فقط أم هل يشمل اللفظ السواحر والسحرة؟ فهذه مسألة أخرى.
[وينظر لمزيد البحث في هذه المسألة: تفسير قول الله تعالى: {ومن شرّ النفاثات في العقد} ]
تنبيهات:
1. هذا التحقق بالدرجة الأولى لم نحتج مع إلى النظر إلى الأسانيد، وإنما كان القصد منه التحقق من وجود هذا القول مرويا عن أولئك الصحابة والتابعين في مصادر أصيلة؛ وقد أفادت هذه الطريقة في تمييز بعض ما لا يصح أن يُنسب إلى أولئك الصحابة والتابعين، وهذا القدر من التحقق ينبغي أن لا يغفله الباحث في مسائل التفسير، وهو سهل ميسور لكنّه بحاجة إلى دربة ومران.
2. ينبغي لطالب العلم أن يوسع العذر للعلماء إذا وجد خطأ في نسبة بعض الأقوال؛ فقد يكون نظرهم إلى مسألة غير المسألة التي تبحث عنها؛ كما في هذا المثال؛ فإنّهم كانوا يبحثون في مسألة المراد بالسبع من المثاني؛ وأن من الصحابة والتابعين من قال بأنها السبع الطوال، وهذا القدر مروي عن أولئك الصحابة والتابعين فعلاً، لكن حصل الخطأ بتعداد تلك السور في معرض نسبة القول إليهم.
الدرجة الثانية من التحقق من صحة النسبة:
- الدرجة الثانية من التحقق من صحة نسبة القول المروي عن أحد من السلف تعتمد على تحقق الدرجة الأولى.
- إذا لم توجد نسبة القول إلى أحد من السلف في مصدر أصيل أو بديل فهو قول لا أصل له.
- إذا وجدت تلك النسبة في مصدر أصيل أو بديل فيأتي هنا دور دراسة صحّة النسبة.
- التحقق هنا على نوعين: تحقق من صحّة الإسناد في الأقوال المروية بالإسناد، وتحقق من صحة الاستخراج في الأقوال المستخرجة غير المنصوصة.
- إذا كان القول له وجه صحيح في الدلالة وتناقله المفسّرون من غير إنكار ولا اعتراض؛ فعامّة أهل العلم على التساهل في نسبة ذلك القول، وعدم التدقيق في صحّة الإسناد.
- إذا كان القول مستغرباً أو فيه نكارة أو يعارض ظاهره دليلاً صحيحاً ؛ فهنا لا بدّ من التدقيق في الإسناد.
- دراسة أسانيد التفسير ستعقد لها دورة مخصصة بإذن الله تعالى، لكن سأذكر هنا خلاصة يتبلّغ بها الباحث بإذن الله تعالى.
- الأقوال المروية عن بعض السلف وفيها نكارة لا تكاد تخلو من بيان العلماء المفضي إلى ردّها وكشف خطئها أو توجيهها بما تصحّ به في حال صحة الإسناد وصحّة الدلالة على ذلك المعنى؛ وفي هذه الحالة يحتاج الدارس إلى البحث في كتب العلماء المعتنين بالتحرير العلمي ونقد الأقوال وقد سبقت الإشارة إلى كتبهم، ويضيف إليها النظر في كتب مشكل القرآن.
- إذا ظفر الباحث بنقد أولئك العلماء وبيانهم فقد كفي أكثر المؤونة، ويمكنه أن يبني دراسته على ذلك البيان.
- إذا لم يظفر الدارس بهذا البيان أو كان الإشكال حديث النشأة فيحتاج إلى سؤال أهل العلم عن تلك الرواية، ويعتني بجوابهم؛ ليستفيد منه في نظائره.
- أسانيد التفسير منها أسانيد صحيحة باتّفاق، ومنها أسانيد ضعيفة باتّفاق، ومنها أسانيد مختلف فيها.
- صحّة الإسناد لا تقتضي صحّة القول؛ لأن العلة قد تكون في المتن، وقد تكون في سياق القول في موضع يحيل المعنى، وقد تكون الرواية مختصرة اختصاراً مخلاً، فهذه العلل ونحوها مما يقدح في صحة القول ولو كان الإسناد صحيحاً.
- من أهمّ الوسائل المعينة على اكتشاف العلة جمع الطرق، وقد قال علي بن المديني: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه).
- الأسانيد المتّفق على ضعفها كثيرة ويمكن للباحث أن يعرفها بمداومته على البحث، وأن يتحفّظها؛ فإذا وردت رواية منكرة بإسناد من تلك الأسانيد سهل عليه ردّه ببطلان ثبوته إذا لم يرو إلا من تلك الأسانيد الباطلة.
- هذا القدر من التحقق فيه بلغة للباحث بإذن الله تعالى، ويمكنه أن يردّ به كثيراً من الأقوال الواهية المروية بأسانيد باطلة.
- بقيت مسألة مهمّة وهي الأقوال المستخرجة لأحد من السلف ؛ فهذه بالإضافة إلى ما تقدّم؛ ينظر في صحّة الاستخراج وطريقته؛ فإذا كان أصل الرواية صحيحاً لكن طريقة الاستخراج فيها خطأ فإنّه يبيّن أن هذا القول ليس منصوصاً وإنما هو مستخرج، وأن طريقة الاستخراج فيها خطأ، ولا تسلّم.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|