عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 12-05-2024, 12:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,253
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْإِسْرَاءِ
المجلد العاشر
صـ 3931 الى صـ 3945
الحلقة (434)


القول في تأويل قوله تعالى :

[41-42] ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا .

ولقد صرفنا في هذا القرآن أي : كررنا للناس البيان بوجوه كثيرة ، وبينا فيه من كل مثل : ليذكروا أي : ليتعظوا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم : وما يزيدهم أي : التصريف المذكور : إلا نفورا أي : عن الحق وبعدا عنه ، الذي يقربه وجوه البيان .

وقوله تعالى : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا أي : قل لهؤلاء المشركين ) الزاعمين أن لله شركاء من خلقه ، العابدين معه غيره ، ليقربهم إليه زلفى ) : لو كان الأمر كما تقولون ، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه ؛ لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ، ويبتغون الزلفى والطاعة لديه ، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه . ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه . فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه . بل يكرهه ويأباه . وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه . هذا ما اختاره ابن كثير ، وسبقه إليه ابن جرير .

وحاصله : أن السبيل بمعنى الوسيلة الموصلة إليه . وفيه إشارة إلى قياس اقتراني تقريره هكذا : ولو كان كما زعمتم معه آلهة لتقربوا إليه . وكل من كان كذلك ليس إلها ، فهم ليسوا بآلهة . وقيل : معنى : لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا أي : لطلبوا إليه سبيلا بالمغالبة والممانعة ، كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض ، على طريقة قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا الوجه قدمه الزمخشري على الأول . وقال أبو السعود : إنه الأظهر الأنسب لقوله :

[ ص: 3932 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[43-44] سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا .

سبحانه فإنه صريح في أن المراد بيان أنه يلزم مما يقولونه محذور عظيم ، من حيث لا يحتسبون . وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب ، فليس مما يختص بهذا التقرير ، ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون . بل هو أمر يعتقدونه رأسا . انتهى . ومعنى : سبحانه أي : تنزه عن الولد والشريك تنزها حقيقا به : وتعالى عما يقولون علوا كبيرا أي : تعاظم عن ذلك تعاظما كبيرا . فإن مثل هذه الفرية والبهتان ، مما يتنزه عنه مقامه الأسمى .

قال الشهاب : وذكر العلو ، بعد عنوانه بـ ( ذي العرش ) . في أعلى مراتب البلاغة . وقوله تعالى :

تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا أي : تنزه الله ، وتقدسه وتجله السماوات والأرض ومن فيهن من المخلوقات عما يصفه به المشركون . وتشهد جميعها له بالوحدانية في إلهيته وربوبيته ، كما قال : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وقوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي : لأنها بخلاف لغاتكم .

قال ابن كثير : وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات ، على أشهر القولين . ثم استدل بما صح من تسبيح الطعام ، والحصا ، مما خرج في الصحيحين والمسانيد ، مما هو مشهور . [ ص: 3933 ] واختاره الراغب في (" مفرداته ") وقال : إنه تسبيح على الحقيقة بدلالة قوله : ولكن لا تفقهون تسبيحهم ودلالة قوله : ومن فيهن بعد ذكر السماوات والأرض لا يصح أن يكون تقديره ( يسبح له من في السماوات ويسجد له من في الأرض ) لأن هذا من نفقهه ، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره . ثم يعطف عليه بقوله : ومن فيهن والأشياء كلها تسبح له وتسجد بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار . والآية تدل على أن المذكورات تسبح باختيار ، لما ذكر من الدلالة . انتهى .

وذهب كثيرون إلى أن التسبيح المذكور مجازي ، على طريقة الاستعارة التمثيلية أو التبعية ، كـ : ( نطقت الحال ) فإنه استعير فيه للتسبيح للدلالة على وجود فاعل قادر حكيم واجب الوجود ، منزه عن الولد والشريك ، كما يدل الأثر على مؤثره . فجعلت تلك الدلالة الحالية كأنه تنزيه له عما يخالفه .


وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد


قالوا : والخطاب في قوله تعالى : ولكن لا تفقهون تسبيحهم للمشركين . أي : لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم . وقد بالغ في رد القول الأول واختيار الثاني ، الإمام ابن حزم في كتابه " الملل والنحل " ولا بأس بإيراده ، لما فيه من الغرائب .

قال رحمه الله في الرد على من قال : ( إن في البهائم رسلا ) : إنما يخاطب الله تعالى بالحجة من يعقلها . قال الله تعالى : { يا أولي الألباب } ، وقد علمنا بضرورة الحسن ؛ أن الله تعالى إنما خص بالنطق - الذي هو التصرف في العلوم ومعرفة الأشياء على ما هي عليه ، والتصرف في الصناعات على اختلافها - الإنسان خاصة . وأضفنا إليهم ، بالخبر الصادق ، الجن والملائكة . ثم قال رحمه الله : وقد قاد السخف بعضهم إلى أن جعل للجمادات تمييزا لمثل قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ونحوه من الآيات . ولا حجة لهم فيه ؛ [ ص: 3934 ] لأن القرآن واجب أن يحمل على ظاهره ، كذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن خالف ذلك كان عاصيا لله عز وجل ، مبدلا لكلماته ، ما لم يأت نص في أحدهما ، أو إجماع متيقن ، أو ضرورة حس على خلاف ظاهره ، فيوقف عند ذلك . ويكون من حمله على ظاهره حينئذ ناسبا الكذب إلى الله عز وجل ، أو كاذبا عليه وعلى نبيه عليه السلام ، نعوذ بالله من كلا الوجهين .

وإذ قد بينا قبل بالبراهين الضرورية ؛ أن الحيوان ( غير الإنسان والجن والملائكة ) لا نطق له . نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات . وكان هذا القول مشاهدا بالحس معلوما بالضرورة ، لا ينكره إلا وقح مكابر لحسه ، وبينا أن كل ما كان بخلاف التمييز المعهود عندنا ، فإنه ليس تمييزا . وكان هذا أيضا يعلم بالضرورة والعيان والمشاهدة ؛ فوجب أنه بخلاف ما يسمى في الشريعة واللغة نطقا وقولا وتسبيحا وسجودا . فقد وجب أنها أسماء مشتركة اتفقت ألفاظها . وأما معانيها فمختلفة ، لا يحل لأحد أن يحملها على غير هذا ؛ لأنه إن فعل كان مخبرا أن الله تعالى قال ما يبطله العيان والعقل الذي به عرفنا الله تعالى ، ولولاه ما عرفناه .

فاللفظ مشترك والمعنى هو ما قام الدليل عليه ، بيان ذلك : أن التسبيح عندنا إنما هو قول ( سبحان الله وبحمده ) وبالضرورة نعلم أن الحجارة والخشب والهوام والحشرات والألوان لا تقول ) سبحان الله ، بالسين والباء والحاء والألف والنون واللام والهاء ) هذا ما لا يشك فيه من له مسكة عقل . فإذ لا شك في هذا ، فباليقين علمنا أن التسبيح الذي ذكره الله تعالى هو حق وهو معنى غير تسبيحنا نحن بلا شك . فإذ لا شك في هذا فإن التسبيح في أصل اللغة هو تنزيه الله تعالى عن السوء . فإذا قد صح هذا ؛ فإن كل شيء في العالم بلا شك منزه لله تعالى عن السوء الذي هو صفة الحدوث . وليس في العالم شيء إلا وهو دال ( بما فيه من دلائل الصنعة واقتضائه صانعا لا يشبهه ) على أن الله تعالى منزه عن كل [ ص: 3935 ] سوء ونقص ، وهذا هو الذي لا يفهمه ولا يفقهه كثير من الناس ، كما قال تعالى : ولكن لا تفقهون تسبيحهم فهذا هو تسبيح كل شيء بحمد الله تعالى بلا شك . وهذا المعنى حق لا ينكره موحد . فإن كان قولنا هذا متفقا على صحته ، وكانت الضرورة توجب أنه ليس هو التسبيح المعهود عندنا ، فقد ثبت قولنا وانتفى قول من خالفنا بظنه .

وأيضا فإن الله تعالى يقول : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم والكافر الدهري شيء لا يشك في أنه شيء ، وهو لا يسبح بحمد الله تعالى البتة ، فصح ضرورة أن الكافر يسبح ؛ إذ هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد الله تعالى . وإن تسبيحه ليس هو قوله ( سبحان الله وبحمده ) بلا شك . ولكن تنزيه الله تعالى بدلائل خلقه وتركيبه عن أن يكون الخالق مشبها لشيء مما خلق . وهذا يقيني لا شك فيه .

فصح بما ذكرنا أن لفظة ( التسبيح ) هي من الأسماء المشتركة ، وهي التي تقع على نوعين فصاعدا . انتهى كلامه .

ومحصله : نفي أن يكون للجمادات تسبيح وتمييز بالمعنى الموجود في الإنسان . وهو حق لا شبهة فيه ولا يسوغ لأحد إنكاره . إلا أنه لا ينفي أن يكون له تسبيح وفيه تمييز يناسبه ، فيرجع الخلاف لفظيا . وقد وافق العلم الحديث الآن - كما قاله بعض الفضلاء - على أن في الجماد أثرا من الحياة . وأن فيه جميع الصفات الجوهرية التي تميز الأحياء . وأن ما فيه في الجواهر الفردة ودقائق المادة ليست ميتة ، بل هي عناصر حية متحركة لها صورة من صور الحياة الدنيا المشاهدة في جميع أنواع المادة مثل الجذب ، والدفع ، والتأثر بالمؤثرات الخارجية ، وتغير قوة التوازن ، وتجمع الدقائق على أشكال منتظمة ، طبقا لتراكيب محدودة ، وإفراز مركبات كيماوية مختلفة . وبالجملة ؛ فما يقوله العلم الجديد عن مشابهة الأجسام غير الحية للأجسام الحية يطابق تصورات الأقدمين والشعراء في ذلك . انتهى .

وقوله تعالى : إنه كان حليما غفورا أي : حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، مع كفرهم وقصورهم في النظر . ولو تابوا لغفر لهم ما كان منهم .

[ ص: 3936 ] ثم مثل تعالى حالة المشركين مع التنزيل الكريم ، حينما يقرؤه عليهم الرسول ، صلوات الله عليه ، يدعوهم إلى العمل بما فيه من التوحيد ، ورفض الشرك وغير ذلك من ضلالهم ، بمن طمس على بصيرته وبصره وسمعه ، بقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[45] وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا .

وإذا قرأت القرآن أي : على هؤلاء المشركين : جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة أي : لا يصدقون بالبعث ولا يقرون بالثواب والعقاب ، جزاء على الأعمال : حجابا مستورا أي : من الجهل وعمى القلب . فيحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقرؤه عليهم فينتفعوا به ؛ عقوبة منا لهم على كفرهم .

ومعنى كون الحجاب مستورا ، أي : عن العيون ، فلا تدركه أبصارهم . وعن الأخفش : إن ( مفعولا ) يرد بمعنى ( فاعل ) كميمون ومشئوم بمعنى يامن وشائم . كما أن ( فاعلا ) يرد بمعنى ( مفعول ) كماء دافق .
القول في تأويل قوله تعالى :

[46] وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا .

وجعلنا على قلوبهم أكنة أي : أغطية كثيرة ، جمع ( كنان ) : أن يفقهوه أي : كراهة أن يفقهوه : وفي آذانهم وقرا أي : صمما يمنعهم من استماعه . وذلك ما يتغشاها من خذلان الله تعالى إياها ، عن فهم ما يتلى عليهم والإنصات له .

[ ص: 3937 ] قال أبو السعود : هذه تمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشئون النبي صلى الله عليه وسلم ، وفرط نبو قلوبهم عن القرآن الكريم ، ومج أسماعهم له . جيء بها بيانا لعدم فقههم لتسبيح لسان المقال ، إثر بيان عدم فقههم لتسبيح لسان الحال ، وإيذانا بأن هذا التسبيح من الظهور بحيث لا يصور عدم فهمه ، إلا لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها ؛ تنبيها على أن حالهم هذا أقبح من حالهم السابق .

وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده أي : غير مشفوع بذكره ذكر شيء من آلهتهم : ولوا على أدبارهم نفورا أي : هربا من استماع التوحيد . قال القاشاني : لتشتت أهوائهم ، وتفرق همهم في عبادة متعبداتهم ، من أصناف الجسمانيات والشهوات . فلا يناسب بواطنهم معنى الوحدة ؛ لتألفها بالكثرة واحتجابها بها . ثم أخبر تعالى عما يتناجى به المشركون ، رؤساء قريش ، بقوله متوعدا لهم :
القول في تأويل قوله تعالى :

[47-48] نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا .

نحن أعلم بما يستمعون به أي : بسببه أو لأجله من الهزء والاستخفاف واللغو : إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أي : سحر ، فجن فاختلط كلامه .

انظر كيف ضربوا لك الأمثال أي : مثلوك بالشاعر والساحر المجنون : فضلوا أي : عن الحق والهداية بك : فلا يستطيعون سبيلا أي : فلا يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه ، وأن الله قد خذلهم عن إصابته . أو المعنى فلا يستطيعون سبيلا إلى طعن يمكن أن يقبله أحد ، بل يخبطون بما لا يرتاب في بطلانه أحد . كالمتحير في أمره لا يدري ماذا يصنع .

[ ص: 3938 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[49-52] وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا .

وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا وهو ما بلي وتفتت : أإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي : يعظم في نفوسكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه . فإنه يحييكم ولا يعجزه بعثكم . فكيف إذا كنتم عظاما مرفوتة وقد كانت موصوفة بالحياة قبل ! والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد : فسيقولون أي : بعد لزوم الحجة عليهم : من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم أي : يحركونها برفع وخفض ، تعجبا واستهزاء : ويقولون متى هو أي : ما ذكرته من الإعادة : قل عسى أن يكون قريبا

يوم يدعوكم فتستجيبون أي : يوم يبعثكم فتنبعثون . قال القاضي : استعار لهما الدعاء والاستجابة ؛ للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما ، وإن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء . انتهى .

وقيل : إنهما حقيقة كما في آية : يوم يناد المناد من مكان قريب وفي قوله : [ ص: 3939 ] يوم يدعوكم وجوه للمعربين . ككونه بدلا من ( قريبا ) على أنه ظرف . أو منصوب بـ ( يكون ) أو بمقدر كـ ( اذكر ) أو ( تبعثون ) وقوله تعالى : بحمده أي : وله الحمد على ما أحضركم للجزاء وتحقق وعده الصدق : وتظنون إن لبثتم إلا قليلا أي : تستقصرون مدة لبثكم في القبور والمضاجع لذهولكم عن ذلك الزمان . أو في الحياة الأولى ، لاستقصاركم إياها ، بالنسبة إلى الحياة الآخرة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[53-54] وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينـزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا .

وقل لعبادي أي : الذين آمنوا معك . إرادة تقريب أصحابهم إلى الصواب ، كأمر البعث : يقولوا في النصيحة ، الكلمة : التي هي أحسن أي : فلا يخاشنوا أحدا ، ولا يغلطوا بالقول : إن الشيطان ينـزغ بينهم أي : يفسد ويهيج الشر والمراء ، لتقع بينهم المضارة : إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا وقوله تعالى :

ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم خطاب لهؤلاء المشركين من قريش . أي : إن يشأ يرحمكم فيتوب عليكم برحمته وتنيبوا إليه . وإن يشأ يعذبكم بأن يخذلكم عن الإيمان ، فتموتوا على الشرك فيعذبكم عليه يوم القيامة .

وقوله تعالى : وما أرسلناك عليهم وكيلا أي : موكولا إليك أمرهم ، تقسرهم على الإيمان . وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا ، تبلغهم رسالاتنا .

[ ص: 3940 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[55] وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا .

وربك أعلم بمن في السماوات والأرض أي : فلا يخفى عليه شيء فيهما . فهو أعلم بهؤلاء ضرورة . وفيه إشارة إلى رحمته تعالى ببعثة الرسل ؛ لحاجة الخلق إليها ، وإلى مشيئته فيمن يصطفي لرسالته ، ويختار لنبوته . ويعلمه أهلا لها . وقوله تعالى :

ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض أي : لاقتضاء علمه وحكمته ذلك . فإنه أعلم بمن في السماوات والأرض وأحوالهم . فآتى موسى التوراة وكلمه . وعيسى الإنجيل ، وداود الزبور . فضلهم بما آتاهم على غيرهم . وقد آتى محمدا القرآن ففضله به على الأنبياء كافة . وقوله تعالى : وآتينا داود زبورا أي : يشتمل على الحكمة وفصل الخطاب ، ففضلناه به . قيل : الآية رد عليهم إذ استبعدوا أن يكون صلى الله عليه وسلم نبيا ، دون من يعدونه عظيما بينهم في الغنى والجاه . وذكر من في السماوات لإبطال قولهم : لولا أنـزل علينا الملائكة وذكر من في الأرض لرد قولهم : لولا نـزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وتخصيص داود بالذكر ؛ إشارة لتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه ما كتب فيه من : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ففيه تلميح إلى ما وقع فيه من وصفه بما ذكر فيه . وإيثار الزبور على الملك ؛ بيان لحيثية شرفه ، وأنه بما أوحي إليه من الكتاب والعلم ، لا بالملك والمال ، كذا قالوا . والظاهر أنه للإشارة إلى أن داود عليه السلام لم يكن في نشأته الأولى ممن يظن أنه يبلغ ما بلغ في الحكمة والملك ، وقد اختصه الله بهما وميزه الله على أهل عصره . وإذ كان ذلك اختصاصا ربانيا ، فلا غرابة أن يختص سبحانه من العرب ، من علم أنه أرجحهم عقلا ، وأكملهم فضلا ، لختم نبوته ، وهداية بريته ، بمنهاجه وشرعته .

وقوله تعالى :

[ ص: 3941 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[56-57] قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا .

قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا

أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا

أي قل لهؤلاء المشركين ، الذين يعبدون من دون الله من خلقه : ادعوا من زعمتموهم أربابا وآلهة من دونه ، عند ضر ينزل بكم ، وانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم أو تحويله عنكم إلى غيركم ، فتدعونهم آلهة ، أي : فإنهم لا يقدرون على ذلك ولا يملكونه ، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم .

روى الطبري عن ابن عباس ؛ أن الآية عني بها قوم مشركون ، كانوا يعبدون المسيح وعزيرا والملائكة . فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ، ويتقربون إليه بالأعمال . ونظير هذه الآية في النهي عن أن يشرك به تعالى الملائكة والأنبياء ، قوله سبحانه : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا [ ص: 3942 ] أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون وفي قوله تعالى : ويرجون رحمته ويخافون عذابه إشارة إلى أن العبادة لا تتم إلا بالرجاء والخوف . فبالرجاء تكثر الطاعات ، وبالخوف تقل السيئات . وقوله تعالى : محذورا أي : ينبغي أن يحذر منه ويخاف من حلوله . عياذا بالله منه . وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[58] وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا .

وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا

إخبار بأنه حتم وقضى ؛ أنه ما من قرية يتمرد أهلها على نبيهم ، إلا ويبيدهم ، أو ينزل بهم من العذاب شديده . وذلك لذنوبهم وخطيئاتهم وعدم استجابتهم لنبيهم ، كما قال تعالى : وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم وقال تعالى : فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا وقال تعالى : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله الآيات . وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[59] وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا .

وما منعنا أن نرسل بالآيات أي : التي تقترحها قريش : إلا أن كذب بها [ ص: 3943 ] الأولون أي : إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم ، كعاد وثمود . وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك . فاستوجبوا الاستئصال ، على ما مضت به السنة الإلهية . وقد قضينا أن لا نستأصلهم ، لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن . ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة ، فقال : وآتينا ثمود الناقة أي : أعطينا قوم صالح الناقة بسؤالهم : مبصرة أي : بينة ، تبصر الغير برهانها : فظلموا بها أي : فكفروا بها وظلموا أنفسهم بسبب عقرها ، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم : وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي : وما نرسل الآيات المقترحة إلا تخويفا للناس ، ليعلموا السنة الإلهية مع العاتين ، فيتذكروا ويتوبوا .

روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا ، فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم ، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا ، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم . قال : « لا بل أستأني بهم » ، وأنزل الله تعالى : وما منعنا أن نرسل الآية . ورواه النسائي .
القول في تأويل قوله تعالى :

[60] وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا .

وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس أي : علما ، فلا يخفى عليه شيء من كفرهم [ ص: 3944 ] وتكذيبهم . ومنه ما جرى منهم ، إثر الرؤيا والإخبار بالشجرة ، من الجحود والهزء واللغو . كما قال سبحانه : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال الأكثرون : يعني ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الآيات . فلما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للناس، أنكر بعضهم ذلك وكذبوا . وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا للمخلصين . فكانت فتنة ، أي : اختبارا وامتحانا . وتمسك بهذا من جعل الإسراء مناما ; لكون الرؤيا مخصوصة بالمنام . وأجيب بأن قوله تعالى: إلا فتنة للناس يرده ; لأن رؤيا المنام لا يفتتن بها أحد ولا يكذب. وجاء في اللغة ( الرؤيا بمعنى الرؤية مطلقا ) وهو معنى حقيقي لها. وقيل: إنها حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا. وقد ذكر السهيلي أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى، وأنه كالقربى والقربة. وقيل : إنه مجاز، إما مشاكلة لتسميتهم له رؤيا ، أو جار على زعمهم . أو على التشبيه بها لما فيها من خرق العادة أو لوقوعها ليلا، أو لسرعتها . أفاده الشهاب.

وروى الطبري عن الحسن في الآية هذه; قال: أسري به صلى الله عليه وسلم عشاء إلى بيت المقدس ، فصلى فيه وأراه الله ما أراه من الآيات ، ثم أصبح بمكة، فأخبرهم أنه أسري به إلى بيت المقدس . فقالوا له : يا محمد ! ما شأنك؟ أمسيت فيه ثم أصبحت فينا ، تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس ؟ فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام .

وقال قوم : الآية في رؤياه صلى الله عليه وسلم التي رأى أنه يدخل مكة . فروى البري عن ابن عباس ، قال : يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة ، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل ، فرده المشركون ، فقالت أناس : قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان حدثنا أنه سيدخلها . فكانت رجعته فتنتهم . وذلك عام الحديبية . ثم دخل مكة في العام المقبل . وأنزل الله عز وجل : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ولا يقال : إن السورة مكية وقصة الحديبية بعد الهجرة، لاحتمال أنه رأى تلك الرؤيا بمكة، [ ص: 3945 ] ونزلت عليه هذه الآية . ولكنه ذكرها عام الحديبية ; لأنه كان إذ ذاك بمكة . فعلم أن دخوله بعد خروجه منها . كذا قيل .

وذهب بعضهم إلى أن كثيرا من السور المكية ضم إليها آيات مدنية ، كما في " الإتقان " . والطبري رجح الأول وفاقا للأكثر . وقد قدمنا مرارا ; أن السلف قد يريدون بقولهم : ( نزلت الآية في كذا ) أن لفظ الآية مما يشمل ذلك . لا أنه كان سببا لنزوله حقيقة . وعليه ، فلا إشكال .

وقوله تعالى : والشجرة الملعونة في القرآن عطف على الرؤيا ، والأكثرون على أنها شجرة الزقوم ، المذكورة في سورة الصافات في قوله تعالى : أذلك خير نـزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين الآيات. وفتنتهم فيها ما رواه الطبري عن ابن عباس وقتادة ; أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم هذا - يعني النبي صلوات الله عليه - أن في النار شجرة ، والنار تأكل الشجر ! فكذبوا بذلك . وفي رواية : أن أبا جهل قال : أيخوفني بشجر الزقوم ؟ ثم دعا بتمر وزبد وجعل يأكل ويقول : تزقموا ، فما نعلم الزقوم غير هذا . والمراد بلعنها في القرآن : لعن طاعمها فيه ، على أنه مجاز في الإسناد . أو الملعون بمعنى المؤذي لأنها تغلي في البطون كغلي الحميم . فهو إما مجاز مرسل أو استعارة . وقوله تعالى : ونخوفهم أي : بذلك وبنظائره من الآيات : فما يزيدهم أي: التخويف : إلا طغيانا كبيرا أي : تماديا فيما هم فيه من الضلال والكفر .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]