عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 10-05-2024, 12:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْفَتْحِ
الحلقة (497)
صــ 421 إلى صــ 430




الإشارة إلى قصة الحديبية

روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في النوم كأن قائلا يقول [له]: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعمرة; فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة، وذلك في سنة ست، ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب . وساق هو وأصحابه البدن . فصلى الظهر بـ "ذي الحليفة"، ثم دعا بالبدن فجللت، ثم أشعرها وقلدها، وفعل ذلك أصحابه، وأحرم ولبى، فبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، [ ص: 421 ] وخرجوا حتى عسكروا بـ "بلدح"، وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية; قال الزجاج : وهي بئر، فسمي المكان باسم البئر; قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يدا راحلته، فقال المسلمون: حل حل يزجرونها، فأبت، فقالوا: خلأت القصواء -والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس- فقال: "ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها"، ثم جرها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها، فجاشت لهم بالرواء، وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا: جئناك من [ ص: 422 ] عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، يقسمون، لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه"، فرجع [بديل] فأخبر قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود، فكلمه بنحو ذلك، فأخبر قريشا، فقالوا: نرده من عامنا هذا، ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، قال: "اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبدا، ولا يدخلها العام، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فقال: "لا نبرح حتى نناجزهم"، فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان، فبايعهم تحت الشجرة .

وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال .

أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ومعقل بن يسار .

والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضا، وبه قال قتادة .

والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس .

والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى، قال: وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إنه ذهب في حاجة الله ورسوله، [ ص: 423 ] وجعلت الرسل تختلف بينهم، فأجمعوا على الصلح، فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال، فصالحه كما ذكرنا في [براءة: 7]، فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين ليلة، ثم انصرف، فلما كان بـ "ضجنان" نزل عليه: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، فقال جبريل: يهنيك يا رسول الله، وهنأه المسلمون .

والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة، وبه قال السدي . وقال بعض من ذهب إلى هذا: إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية .

والثالث: أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي وعن أنس بن مالك كالقولين .

والرابع: أنه القضاء له بالإسلام، قاله مقاتل . وقال غيره: حكمنا لك بإظهار دينك والنصرة على عدوك .

قوله تعالى: ليغفر لك الله قال ثعلب: اللام لام "كي"، والمعنى: لكي يجتمع لك [مع] المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث، حسن معنى "كي"، وغلط من قال: ليس الفتح سبب المغفرة .

قوله تعالى: ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ابن عباس: والمعنى: "ما تقدم" في الجاهلية، و "ما تأخر" ما لم تعلمه، وهذا على سبيل التأكيد، كما تقول: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه .

قوله تعالى: ويتم نعمته عليك فيه أربعة أقوال .

أحدها: أن ذلك في الجنة . والثاني: أنه بالنبوة والمغفرة، رويا عن ابن عباس . والثالث: بفتح مكة والطائف وخيبر، حكاه الماوردي . والرابع: بإظهار دينك على سائر الأديان، قاله أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: ويهديك صراطا مستقيما أي: ويثبتك عليه; وقيل: [ ص: 424 ] ويهدي بك، وينصرك الله على عدوك نصرا عزيزا قال الزجاج : أي: نصرا ذا عز لا يقع معه ذل .

هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك [ ص: 425 ] شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما .

قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة أي: السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم، فسلموا لقضاء الله، وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت، حتى قال عمر: علام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني"، ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين، فسلموا وأطاعوا .

ليزدادوا إيمانا وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم .

ولله جنود السماوات والأرض يريد أن جميع أهل السموات والأرض ملك له، لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل، ولكنه اختاركم لذلك، فاشكروه .

قوله تعالى: ليدخل المؤمنين . . . [الآية] سبب نزولها أنه لما نزل قوله: "إنا فتحنا لك" قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك يا رسول الله بما أعطاك الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك . قال مقاتل: [ ص: 426 ] فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك، انطلق في نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت: ويعذب المنافقين . . . الآية .

قال ابن جرير: كررت اللام في "ليدخل" على اللام في "ليغفر"، فالمعنى: إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين، ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف، والمعنى: ليدخل وليعذب .

قوله تعالى: عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير، وأبو عمرو : بضم السين; والباقون: بفتحها .

قوله تعالى: وكان ذلك أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله أي: في حكمه فوزا عظيما لهم; والمعنى: أنه حكم لهم بالفوز، فلذلك وعدهم إدخال الجنة .

قوله تعالى: الظانين بالله ظن السوء فيه خمسة أقوال .

أحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكا . والثاني: أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه . والثالث: أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أويهزم ولا يعود ظافرا . والرابع: أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند الله . والخامس: ظنوا أن الله لا يبعث الموتى . وقد بينا معنى "دائرة السوء" في [براءة: 98] .

وما بعد هذا قد سبق بيانه [الفتح: 4، الأحزاب: 45] إلى قوله: ( ليؤمنوا [ ص: 427 ] بالله ورسوله ) قرأ ابن كثير" وأبو عمرو : "ليؤمنوا" بالياء "ويعزروه ويوقروه ويسبحوه" كلهن بالياء; والباقون: بالتاء; على معنى: قل لهم: إنا أرسلناك، لتؤمنوا وقرأ علي بن أبي طالب، وابن السميفع: "ويعززوه" بزاءين . وقد ذكرنا في [الأعراف: 157] معنى "ويعزروه" عند قوله: وعزروه ونصروه .

قوله تعالى: ( ويوقروه ) أي: يعظموه ويبجلوه . واختار كثير من القراء الوقف هاهنا، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده .

قوله تعالى: ( ويسبحوه ) هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل . والمراد بتسبيحه هاهنا: الصلاة له . قال المفسرون: والمراد بصلاة البكرة: الفجر، وبصلاة الأصيل: باقي الصلوات الخمس .

قوله تعالى: إن الذين يبايعونك يعني بيعة الرضوان بالحديبية . وعلى ماذا بايعوه؟ فيه قولان .

أحدهما: أنهم بايعوه على الموت، قاله عبادة بن الصامت .

والثاني: على أن لا يفروا، قاله جابر بن عبد الله . ومعناهما متقارب، لأنه أراد: على أن لا تفروا ولو متم . وسميت بيعة، لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم بايعوا الله عز وجل، لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم .

يد الله فوق أيديهم فيه أربعة أقوال .

أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم . والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم . والثالث: يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه [ ص: 428 ] الأقوال الزجاج . والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان .

قوله تعالى: فمن نكث أي: نقض ما عقده من هذه البيعة فإنما ينكث على نفسه أي: يرجع ذلك النقض عليه ومن أوفى بما عاهد عليه الله من البيعة ( فسنؤتيه ) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبان عن عاصم: "فسنؤتيه" بالنون . وقرأ عاصم، وأبو عمرو ، وحمزة، والكسائي: بالياء أجرا عظيما وهو الجنة . قال ابن السائب: فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له: الجد بن قيس، وكان منافقا .

سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السماوات [ ص: 429 ] والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما .

قوله تعالى: سيقول لك المخلفون من الأعراب قال ابن إسحاق: لما أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه، خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه كثير منهم، فهم الذين عنى الله بقوله: "سيقول لك المخلفون من الأعراب"، قال أبو صالح عن [ابن عباس]: وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل وأسلم . قال يونس النحوي: الديل في عبد القيس ساكن الياء . والدول من حنيفة ساكن الواو، والدئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي . فأما المخلفون، فإنهم تخلفوا مخافة القتل . شغلتنا أموالنا وأهلونا أي: خفنا عليهم الضيعة فاستغفر لنا أي: ادع [الله] أن يغفر لنا تخلفنا عنك يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أي: ما يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .

قوله تعالى: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: "ضرا" بضم الضاد; والباقون: بالفتح . قال أبو علي: "الضر" بالفتح: خلاف النفع، وبالضم: سوء الحال، ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر والفقر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا، لم يقدر أحد على دفعه [عنهم]، بل كان الله بما تعملون خبيرا من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم سيهلكون، وذلك قوله: بل ظننتم أي: توهمتم أن [ ص: 430 ] لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أي: لا يرجعون إلى المدينة، لاستئصال العدو إياهم، وزين ذلك في قلوبكم وذلك من تزيين الشيطان .

قوله تعالى: وكنتم قوما بورا قد ذكرناه في [الفرقان: 18] .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]