السياسة الشرعية (36)
– الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في الميزان (5)
الشريعة الإسلامية منزلة من عند الله عز وجل، ولذلك فهي منزهة عن الخطأ وهوى النفس, نزلت على رسولنا الكريم [ الذي لا ينطق عن الهوى, مما ترتب على ذلك أنها تتصف بالعدل والكمال؛ لأنها من الله العادل الخبير بشؤون عباده فهي صالحة لكل زمان ومكان. أما التشريع الوضعي الذي وضعه الإنسان لتنظيم أمور حياته, فإنه يخضع للميول والأهواء التي تتبدل من حال إلى آخر, وتصلح لزمن دون غيره وبالتالي يفقد الاستمرارية, ومن هنا فإن تطبيق القوانين الوضعية كان وما زال هو أهم أسباب انتشار الجريمة، وتلك القوانين لم تستطع الحد من انتشارها لنقص تلك القوانين وعوارها. وإذا تأملنا الفرق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية فسنجد أن:
1- الشريعة الإسلامية تعاقب كل من يمس الأخلاق دون النظر إلى رضا المجني عليه؛ لذلك تعاقب كل من يشرب الخمر، وتعاقب على الردة والزنى والفجور بأنواعه والشذوذ بغض النظر عن طرفي الجريمة.
2- لا جريمة إلا بنص, مقولة شائعة وأصيلة في القوانين الوضعية الحديثة, مع أن الشريعة الإسلامية سباقة لهذا المبدأ؛ حيث إن الجرائم يعاقب عليها إما بنص من الشرع كعقوبة الزنى وشرب الخمر والردة, وإما بنص من ولي الأمر المفوض من قبل الشرع وذلك خاص بالجرائم التعزيرية, قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الإسراء:15).
3- الشريعة الإسلامية لا تفرق بين هذا وذاك, ولا غني ولا فقير, ولا حاكم أو محكوم, فالكل عندها سواء؛ فمن أخطأ فعليه وزر ما أخطأ فيه وحقت عليه العقوبة المنصوص عليها في الشريعة, قال النبي [ فيما روته عنه عائشة رضي الله عنها: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه, وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» متفق عليه. وقال [ في خطبة الوداع: «ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي, ولا أحمر على أسود, ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى, أبلّغت؟» أخرجه أحمد وصححه الألباني. فالتشريع الإسلامي وحدوده وعقوباته حقيقة ليس فيها استثناءات أو حصانات كالتي يتمتع بها الساسة والسفراء والحكام وأعضاء المجالس النيابية (مجلس الأمة) والقضاة في كل القوانين الوضعية.
4- الشريعة الإسلامية تعلو على باقي التشريعات الوضعية من حيث مبدأ الشهادة، ففي الشهادة التي هي من أهم وسائل الإثبات, والدليل الأول على إثبات الجرائم، فإن النظم الوضعية لا تتطلب سوى أن يكون الشاهد مميزاً عاقلاً مختاراً غير مكره, أما الشريعة الإسلامية فقد زادت على ذلك أن يكون الشاهد عدلاً, والعدالة أن تحمل الشاهد على تجنب الكبائر, بل إن القاضي ملزم أيضاً بتحري صفة العدالة في الشاهد قبل الأخذ بشهادته.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
والله الموفق والمستعان.
اعداد: محمد الراشد