السياسة الشرعية(28)
– ولنا في نبينا أسوة
كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام, حيث تحولت يثرب إلى المدينة المنورة, وتلك نواة دولة الإسلام الجديدة التي ستغزو العالم بأسره, وتذل ممالك وإمبراطوريات عظمى. كان المعلم الأول هادي البشرية محمدا صلى الله عليه وسلم حيث بدأت دعوته بمكة, وإذا تأملنا أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فسنجد أنها أبهرت سائر العرب, فكانت معجزات علمه وحلمه وتواضعه وإيثاره أكثر إبهارًا من معجزات تسبيح الحصا, وانشقاق القمر, ولين الحجر, فعلمت العرب مَنْ محمد صلى الله عليه وسلم نسبه وشرفه وصفاته وأخلاقه فلقبوه بالصادق الأمين قبل أن يدعوهم لدين التوحيد وعبادة إله واحد لا شريك له, ونبذ عبادة الأوثان, فكانت معجزاته بعيدة كل البعد عن عرافة العرافين, وكِهانة الكهنة, وسحر السحرة.
كان صلى الله عليه وسلم شجاع القلب, يعلم تماماً أن دعوته تلك ستلقى على قوم مشركين غلاظ القلوب يغضبون لدينهم, ويحبون آلهتهم كحبهم لأبنائهم, فلم يخش في الله لومة لائم، ودعا أهل مكة ثلاث عشرة سنة متواصلة دون كلل أو ملل, فكان حليماً, سمح الأخلاق, لم يلتفت إلى وضع التراب على رأسه, وإلقاء سلا الجزور على ظهره, ولم يلق بالاً أن تلك الأمور تصدر من قومه وأهله وعشيرته, فلم يلب دعوته إلا الرجل بعد الرجل, فزاد إصراراً على الاستمرار في الدعوة فعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} الآيَةَ (رواه البخاري).
وما زال هذا شأنه, حتى علم أن مكة لن تكون مبعث رسالة التوحيد, فهاجر إلى يثرب, وتلك كانت المرحلة الأولى في بناء الدولة الإسلامية, وتأسيس وانتشار كلمة لا إله إلا الله, فأصبحت الهجرة عيدًا يحتفل به المسلمون في شتى بقاع المعمورة كل عام -مع أن هذا العيد يبدّعه علماء الدعوة السلفية- فقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر عناءً عظيماً, ومشقةً كبرى في تلك الرحلة, فمشيا يتسلقان الصخور, ويتخفيان في الأغوار والكهوف؛ لأن أهل مكة يخافون من أن تلقى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم آذاناً مصغية وقلوباً مؤمنة, فيلتف حوله الأعوان والأنصار, كأنما يشعرون بأنه طالب حق, وأن طالب الحق لا بد أن يجد بين المحقِّين أعوانًا وأنصارًا، لكن بفضل الله تعالى وقدرته وصل المهاجران إلى الأرض الجديدة, الأرض الخصبة الصالحة لبناء مجتمع إسلامي موحِّد متكامل.
إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق بأشرف الأخلاق وأجل الصفات, وأحسن مدرسة يجب أن يتعلموا فيها ويربوا أبناءهم عليها كيف يكون الصدق في القول والعمل, والثبات على الرأي وسيلة للنجاح, وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سبباً في علوه على الباطل؛ ولذلك لا حاجة لنا بتاريخ فلاسفة اليونان وحكماء الرومان وعلماء الإفرنج قاطبة, فلدينا في تاريخنا الإسلامي حياة مملوءة بالجد والعمل والإنسانية المتكاملة والحب والرحمة والتسامح والحكمة والسياسة وهي حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
والله الموفق والمستعان.
اعداد: محمد الراشد