عرض مشاركة واحدة
  #32  
قديم 09-03-2024, 07:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,639
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأربعــون الوقفيــة

الأربعون الوقفية (32)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثاني والثلاثون:
الوقف أجر إلى يوم القيامة
عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنَّه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة»(1).
وفي الحديث أن للذي يغسل مسلماً أجراً عظيماً، وهذا الأجر مشروط بشرط الكتمان والستر على الميت، فلا يُحَدِّث بما قد يراه مكروهاً منه، والأجر كذلك للمسلم الذي أجنه أي ستره في القبر، وضع الميت في القبر، فتجرى له الحسنات كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، وهذا أجر مستمر.
وقد أخرج الطبراني في «الكبير» بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غسَّل ميتاً فستره، ستَره اللهُ من الذنوب، ومن كفَّنَه، كساه اللهُ من السندس»(2).
وفي مسؤولية الأمة في تغسيل الميت وتكفينه ودفنه، قال الإمام النووي رحمه الله في «المجموع»: «وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين، ومعنى فرض الكفاية: أنه إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثِمُوا كلُّهم»(3).
وقال الشافعي رحمه الله في كتابه الأم: «حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه لا يسع عامتهم تركه، وإن قام بذلك منهم من فيه كفاية له أجزأ إن شاء الله»(4).
وإن كان جزاء من جهز الميت وآواه في التراب عظيماً مستمراً إلى يوم القيامة، وكأنه قد وهبه بيتاً يسكن فيه، فكيف بمن أوقف أرضاً ثم أحاطها وجعل فيها مغسلة لتغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم وأوقف لهم الأوقاف للصرف على من يعمل بهذه المقبرة من حفر القبور وتجهيزها، وجعل فيها من الحسبة الذين يحيون السنن ويميتون البدع التي تكثر في المقابر من بدع يندى لها الجبين(5)، ووفر فيها المياه للشرب والوضوء ومظلات، وطرقا ممهدة حتى يسهل على الناس المشي في حمل الجنازة والسير لدفنها، وكراسي لجلوس كبار السن، ومواقف للسيارات، وسيارات لنقل الموتى، وأوقف أدوات الحفر، وألواحا لحمل الموتى، ومكانا لصلاة الجنازة قريبا من المقبرة، ورصف الطرق حتى لا يتعثر المشيعون.
فذلك باب أجر عظيم للواقف، وتيسير على أهل المتوفى، وحفظ كرامة المتوفى، وكذلك تخفيف المشقة على المشيعين فمنهم الكبير والعاجز.
ومما يؤلم في عالمنا العربي والإسلامي بعد أن تقلص دور الأوقاف وأضعفت قصداً، أضحت المقابر الوقفية قليلة في بعض الدول الإسلامية، وفي الدول الفقيرة تكون مصيبة الموت على أهل الميت مصيبتين، الأولى: مصيبة فقدانهم لعزيز أو معيل، والثانية: مصيبة التكاليف المادية التي لا قدرة لهم على تحملها، تتراوح بين 1000 و3000 دولار، حتى يوفروا لميتهم قبراً وكذلك تكاليف التغسيل والكفن والنقل وإقامة العزاء وفرش الموائد، وما يتبعها من تكاليف باهظة لا طاقة لهم بها، ولكن مع ذلك فإن العرف والتقاليد الاجتماعية تجبرهم على تحمل تلك التكاليف.
وهذه دعوة للمتبرعين أن ينوعوا في تبرعاتهم، ولا يحصروها في بناء المساجد فقط وإن كان أجرها عظيما، إلا أن الحاجة شديدة في بعض الدول الإسلامية وغيرها إلى وقف أراض تخصص لتكون مقبرة توفر فيها الخدمات والمستلزمات للتخفيف على أهل المتوفى، جاء في كتاب: «إتحاف الأحلاف في أحكام الأوقاف»: «إن أفضل الأوقاف وقف شيء، يحس الناس أنهم بحاجة ماسة له»(6).
ومما اشتهر من الأوقاف، أن السلف كانوا يوقفون أرضاً ثم يحيطونها بحائط ويجعلونها مقبرة، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل عين أرضاً له وجعلها مقبرة فأجاب بأنه ليس له أن يرجع»(7)، أي مادام أوقفها واشتهرت بين الناس بأنها مقبرة، وسمح بدفن الموتى بها، فهي قد أبدت وقفاً لا رجوع فيه.
ما يستفاد من الحديث
أن للذي يغسل مسلماً أجراً عظيماً، وكذلك من يكفنه، والأجر المستمر لمن يدفنه. وأن الأجر الذي يناله من الأجور المستمرة التي لا تنقطع، وفيه أن هذه الأعمال وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيرها، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها.
وفيه أن تغسيل الميت من الأعمال التي يغفر فيها للمسلم أربعين مرَّة، وهذه عطية ربانية ومنحة إلهية يمتن بها الله سبحانه على من يشاء من عباده، وفيه ترغيب بالمبادرة بتعلُّم تغسيل الميت، وفيه أن من حق المسلم على المسلم أن يكفنه ويتبع جنازته ويلحده في قبره.
وفيه تحقق الرحمة والتكافل والتعاضد بين الأمة، وتنظيم الحياة بمنهج حميد، لتحقيق أهداف اجتماعية واسعة، وفي مقدمتها الطمأنينة في حفظ كرامة المسلم في حياته وبعد مماته.
وفيه أنه ينبغي للغاسل ولمن حضر معه إذا رأى من الميت شيئاً أن يستره، ولا يحدّث به، وفيه ترغيب للأمة في هذه الأعمال الفاضلة، فإعادة إحياء سنة وقف المقابر كانت في تاريخ الأمة وتراثها حاضرة موثقة، ففي العهود الإسلامية أوقاف أوقفت لتجهيز الموتى ودفنهم، وأوقاف خصص ريعها لرعاية الفقراء حتى بعد وفاتهم، وذلك بتحمل تكاليف تغسيلهم وتكفينهم ودفنهم، ومن أشهر هذه الأوقاف (وقف الطرحاء) الذي جعله الظاهر بيبرس برسم تغسيل فقراء المسلمين وتكفينهم ودفنهم.
وقد توافرت الأوقاف في العهود الإسلامية وكانت حاضرة في حياة الإنسان من مهده إلى لحده، سواء كان فقيراً أم غنياً، ملازمة له لا فكاك عنها منذ ولادته إلى وفاته، فيولد المولود في منزل وقفي (رباط مخصص للولادة)، على يد القابلة التي تتقاضى راتباً من أموال الوقف، أو أن القابلة - الداية - التي تتولى ولادة المولود - في بيت والديه- هي باذلة لجهدها لله تعالى تساعد الأمهات على الولادة.
وينام المولود في مهد وقفي، ويأكل ويشرب من أموال الوقف- إن كان من أهل الحاجة- وعندما يبلغ بضع سنين، يلتحق بالكتاتيب التي هي أوقاف، ويتقاضى شيخه ومعلمه راتبه من أموال الوقف.
ويلتحق بعد ذلك الطالب بالمدارس الوقفية، والتعليم كان كله وقفا ويصرف لتشغيله من أموال الوقف، ولا تدفع الخلافة قرشاً واحداً على التعليم(8)، وعندما يقرأ كانت الكتب الموقوفة والتابعة للأوقاف هي المتوافرة بين يديه، ويكتب في ورق الأوقاف، والحبر يصرف من وقف خصص لذلك.
وخلال مسيرة حياته يصلي الفتى في بيوت الله – المساجد – التي هي وقف لله تعالى، ويكون مأموماً وراء إمام يتقاضى مخصصاته وتكاليف معيشته من أموال الوقف، ويسمع الدروس والخطب في المساجد من أهل العلم والفقه، الذين تكفل برعايتهم الوقف.
وحينما يشتد عوده ويكون مهيأ للعمل والنتاج فالمؤسسات الوقفية والمشاريع التنموية الوقفية تقدم فرص العمل وتكون حاضرة أمامه، حيث كان ما يقارب الـ 30% وفي بعض الأحيان تصل النسبة إلى 50% من القوى البشرية تعمل في المجال الوقفي ودائرة الوقف.
وعندما يمرض فإن (البيمارستانات) الوقفية - المستشفيات - هي التي كانت تعالج المرضى وتوفر لهم الدواء بالمجان، والطبيب المعالج والكادر الذي يتبعه يتقاضون راتبهم من ريع الأوقاف التي خصصت لتشغيل تلك المستشفيات.
ويشرب خلال مسيرة حياته أحياناً كثيرة من أسبلة، ويتوضأ من متوضآت في المساجد والميادين، أوقفها الواقفون قصداً في الأجر من الله تعالى، ونفع الآخرين، وعندما تحدث له ضائقة مالية، فإن من الأوقاف ما خصص لتفريج الكروب وسد الديون، وحفظ كرامة الإنسان.
وحين تنقّله بين المدن والقرى، أو حينما يقصد الحج إلى بيت الله الحرام، فإن (التكايا) والاستراحات والآبار الوقفية، موزعة في الطرق وأماكن تجمع المسافرين، وما زال بعضها قائما وإلى الآن ينتفع بها الناس.
وعندما يحين أجله ويتوفاه الله تعالى، فإنه يُنقل من بيته إلى المغسلة بعربات وقفية ومغسلة حبست وأوقفت لله تعالى، ويغسّله المغسّل الذي يتكفل بمعيشته الوقف، ويُحمل ويوضع في تابوت وقفي، ويكفن بكفن من أموال الوقف، ويُصلِّي عليه المشيعون بإمامة إمام يتقاضى راتبه من الوقف، ويوارى في التراب في مقبرة وقفية، كل من يعمل فيها يتقاضى راتبه من الأوقاف.
بل كانت الأوقاف تقوم بدور الوزارات المتعددة، وتقدم الخدمات على أكمل وجه، ومنها أوقاف خصصت للعبادة وإقامة الصلاة كالمساجد والجوامع ومصليات العيدين، وأوقاف خاصة بالتربية والتعليم كالمدارس ودور الحديث، والكتاتيب، والحلقات الفقهية، ومسطبات العلم، ودور القرآن وأوقاف خصصت للمجالات الاجتماعية التنموية، كبناء المساكن للفقراء، والحدائق والبساتين والآبار.
وأوقاف خاصة بالأمور الاقتصادية، كالأسواق الوقفية والحمامات والفنادق، وأوقاف النقود، وأوقاف خصصت ليصرف من ريعها على إقامة الثغور والثكنات العسكرية، وتصنيع السلاح، وفكاك الأسرى، وأوقاف للعلاج كالمستشفيات، ودور العجزة، والصيدليات والمختبرات، وأماكن النقاهة للمرضى.
وأوقاف خاصة بخدمات توفير المياه وسقي الناس، كالأسبلة والآبار ومحابس المياه وبناء القنوات، ونقل الماء، وأوقاف خصصت للتدريب والتطوير، وخاصة للأيتام، وكذلك أوقاف للتدريب على الفروسية والرماية، وإجادة فنون القتال، ومختلف أنواع الرياضات التي كانت متوافرة والحاجة شديدة للتدريب عليها.
فما أروع تلك الأوقاف وما قدمته من خدمات جليلة، والأروع من ذلك أن طريق الوقف والصدقة الجارية أبوابه مفتوحة ومتعددة، وأفضله ما كان أنفع للناس، وهذا من فضل الله على عباده.
الهوامش:
1 - صححه الألباني في أحكام الجنائز وبدعها (ص/69)، وفي (صحيح الترغيب والترهيب) (3/368)، وقال: هو صحيح على شرط مسلم. ورواه الذهبي في المهذب الصفحة أو الرقم: 3/1327 ورواه الطبراني في الكبير.
2- صحيح الجامع: 6403
3 - المجموع للنووي( 5/128).
4 - الأم للشافعي (1/243)
5 - وهذا مشاهد للأسف في بعض الدول الإسلامية.
6 - «إتحاف الأحلاف في أحكام الأوقاف»، عمر حلمي، ص 5.
7-الوقوف والترجل من الجامع لمسائل الإمام أحمد، تأليف الإمام أبى بكر الخلال، وتحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية ط1 / 1415 – 1994 م بيروت ص 34.
8 - كانت للخلافة الإسلامية دواوين كثيرة، ولكننا لم نقرأ عن ديوان للتعليم لأنه كان وقفاً.


اعداد: عيسى القدومي




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.59%)]